🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
كلما طرح ملف إنصاف المناطق المهمشة في السودان، ارتفعت أصوات تدعو إلى التأجيل أو التحفظ، وكأن الأزمة تكمن في معالجة الظلم لا في الظلم نفسه. ومن هذا المنطلق جاء موقف د. الفاتح عمر السيد مسعود، الطبيب والناشط السياسي وأحد مؤسسي تجمع المهنيين السودأنيين، محذرًا من المبادرات التعليمية الموجهة للمجتمعات التي حرمت طويلًا من التعليم، بدعوى أنها تعمق الأقسام وتهدد وحدة البلاد في ظل الحرب. غير أن هذا الطرح يتجاوز سؤالًا جوهريًا لا يمكن القفز فوقه : متى يحين الوقت المناسب لمن حرموا من حقهم في التعليم لعقود ؟ وهل يصبح التعليم امتيازًا تمنحه الظروف السياسية، أم حقًا لا يجوز إخضاعه لحسابات الحرب والسلام ؟
إن الدعوة إلى تأجيل التعليم ليست جديدة، بل هي امتداد لمنطق حكم علاقة الدولة بالمهمشين لعقود، منطق التأجيل الدائم. فقد قيل لهم مرة انتظروا حتى تستقر الدولة، ثم انتظروا حتى تنتهي الحروب، واليوم يطلب منهم الانتظار حتى لا يهدد تعليمهم الوحدة الوطنية. لكن الحقيقة التي يتجاهلها هذا الخطاب هي أن ما هدد وحدة السودان لم يكن انتشار المدارس، بل غيابها، ولم تكن المعرفة سببًا في الانقسام، بل التهميش والإقصاء والحرمان من الحقوق الأساسية. فالوطن لا يتماسك بحرمان أطرافه من التعليم، وإنما حين يشعر جميع مواطنيه بأنهم متساوون في الحقوق والفرص.
والأكثر إثارة للتساؤل أن يصبح تعليم الأطفال موضع ريبة، بينما لا يستدعى القدر نفسه من القلق تجاه السياسات التي همشت أقاليم كاملة وتركتها خارج التنمية لعشرات السنين. فإذا كانت مدرسة في دارفور أو جبال النوبة أو النيل الأزرق تصور وكأنها خطر على وحدة البلاد، فأين كان هذأ الحرص حين حرمت تلك المناطق من حقها في الخدمات، التعليم والأوراق الثبوتية وهي حق أساسي وليست منحة أو تفضلاً، والهوية القانونية تثبت وجود الإنسان وتحفظ كرامته وحقوقه، وإن تصوير المبادرات التعليمية باعتبارها تهديدًا للوحدة ليس سوى قلب للحقائق، وهروب من مواجهة الأسباب الحقيقية التي صنعت الأزمة السودانية.
لا خلاف على أهمية النقاش حول المناهج، والإشراف، وضمان أن يخدم التعليم مشروع الدولة الوطنية، لكن تحويل هذا النقاش إلى ذريعة لتأجيل حق أساسي لا يقبل التعليق يفتقر إلى العدالة والمنطق معًا. فالتعليم لم يكن يومًا مشروعًا للانفصال، بل هو أحد أهم أدوات بناء الدولة وترميم الثقة بين المواطن ووطنه. ومن يخشى أن يغيّر تعليم المهمشين موأزين القوة، فإن ما يخشاه في الحقيقة ليس التعليم، وإنما العدالة التي يصنعها. لذلك يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: كم جيلًا آخر يجب أن يحرم من حقه في المعرفة قبل أن يدرك السودان أن التعليم ليس منحة تمنحها النخب، بل حق أصيل لا يسقط بالحرب ولا يؤجل بحسابات السياسة.
abohmohammed123@gmail.com
