مقال تحليلي
قراءة في مقترح الـ28 طناً، وعلاقة الذهب بالحرب واقتصاد الظل ومستقبل السياسة النقدية في السودان
عمر سيد احمد |باحث مستقل في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
O.sidahmed09@gmail.com
October 2026
البحث عن حل سريع لأزمة عميقة
في ظل الانهيار المتواصل لقيمة الجنيه السوداني واتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، تتزايد الدعوات إلى حلول استثنائية. ومنها مقترح «خطة الـ28 طناً» الذي يقوم على تعبئة الذهب عبر سندات وحسابات رقمية للمعدنين والمغتربين، ثم إصدار عملة جديدة بحذف ثلاثة أصفار وربطها بنسبة 60% ذهب و40% سلة صادرات.
في تقديري، السؤال ليس هل يستطيع الذهب دعم الجنيه، فهذا ممكن من حيث المبدأ، بل هل تكفي كمية إضافية منه لمعالجة أزمة جذورها في بنية الدولة والمالية العامة والنظام المصرفي والإنتاج، فضلاً عن الحرب واقتصادها الموازي.
فالذهب يمكن أن يكون جزءاً من الحل، لكنه لا يستطيع أن يعوّض غياب الدولة أو يحل محل السياسات الاقتصادية والمؤسسات الفاعلة.
أولاً: ماذا تعني خطة الـ28 طناً؟
لكن الانتقال من الفكرة إلى السياسة النقدية يتطلب الإجابة عن أسئلة أساسية:
• هل كمية الذهب المستهدفة موجودة فعلياً، وهل يمكن الحصول عليها وتعبئتها بصورة قانونية وشفافة؟
• هل المقصود بالذهب احتياطيات مملوكة للبنك المركزي، أم ذهب مملوك للأفراد والشركات، أم التزامات تعاقدية تجاه حائزيه؟
• ما طبيعة الالتزامات النقدية المطلوب تغطيتها؟ وهل هي القاعدة النقدية أم عرض النقود الأوسع أم التزامات أخرى؟
• ما مصدر العملات الأجنبية السائلة اللازمة لتمويل الواردات والتدخل في سوق الصرف؟
• ما الضمانات التي تكفل للمستثمرين استرداد أموالهم أو ذهبهم، وما المخاطر التي يتحملونها؟
من دون إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، يصبح رقم 28 طناً هدفاً حسابياً أكثر منه برنامجاً نقدياً قابلاً للتنفيذ.
ويظهر ضعف الرقم عند تفكيكه بأرقام المنشور نفسه: فهو يقدّر الفجوة بنحو 14 طناً أو 2 مليار دولار، ثم يستهدف 28 طناً، بينما تعبّئ أدواته 15 طناً فقط (10 + 5) دون بيان مصدر الـ13 المتبقية. والسعر الضمني (122 مليون دولار للطن) يجعل الـ28 طناً تعادل نحو 3.4 مليار دولار.
الذهب والاحتياطيات النقدية – أين تكمن المشكلة الحسابية؟
إصدار الأوراق النقدية لا يعني بالضرورة زيادة عرض النقود، وعرض النقود لا يمثل التزاماً يجب تحويله بالكامل إلى ذهب أو عملات أجنبية؛ فالنظم النقدية الحديثة تقوم على الثقة واستقرار الأسعار والقدرة الإنتاجية وكفاءة السياسات، لا على التحويل الكامل.
وهنا ينبغي الحذر من استخدام إجمالي عرض النقود باعتباره أساساً مباشراً لحساب كمية الذهب المطلوبة لتغطية العملة. فاحتياجات الاحتياطي تُقدّر وفق مجموعة من المؤشرات، منها:
- كفاية الاحتياطيات لتغطية الواردات.
- القدرة على الوفاء بالالتزامات الخارجية قصيرة الأجل.
- حجم التدفقات المتوقعة من الصادرات والتحويلات والاستثمارات.
- طبيعة نظام سعر الصرف ومدى تدخل البنك المركزي في السوق.
- درجة الانكشاف على تقلبات أسعار السلع والعملات.
والذهب أصل احتياطي مهم، لكنه لا يوفر السيولة الفورية التي توفرها العملات القابلة للاستخدام، وتحويله إلى سيولة يتطلب تسويقاً وتكريراً ونقلاً وتأميناً بكلفة ومخاطر.
ولذلك لا يكفي القول إن كمية محددة من الذهب ستخفض الدولار إلى مستوى معين؛ فسعر الصرف يتحدد بالعرض والطلب على العملات والتضخم والسيولة والعجز المالي والتوقعات والثقة.
الحرب واقتصاد الحرب والاقتصاد الموازي – الحلقة الغائبة
لا يمكن بناء سياسة نقدية موحدة في ظل حرب مستمرة وتعدد مراكز السيطرة على الموارد. فقد أعادت الحرب تشكيل الاقتصاد نفسه: شبكات إنتاج وتجارة وتمويل خارج القنوات الرسمية، وموارد استراتيجية، في مقدمتها الذهب، أصبحت جزءاً من تمويل الصراع.
وتشير دراسة تشاتام هاوس (مارس 2025) إلى أن تجارة الذهب السوداني ترتبط بشبكات إقليمية عابرة للحدود وأنه مورد مهم لأطراف الحرب، وأن غالبيته من التعدين الأهلي والصغير ويتجه جانب كبير منه إلى الأسواق الخارجية.
وهذا يعني أن الحديث عن تعبئة 28 طناً إضافية لا يمكن فصله عن السؤال الأهم: من يسيطر على إنتاج الذهب وتجارته؟ ومن يحصل على عائداته؟ وما نسبة ما يدخل فعلياً إلى القنوات الرسمية؟ وكيف يمكن إخضاع هذه التدفقات لرقابة مالية ومؤسسية موحدة؟
ومن هنا فإن إيقاف الحرب شرط مباشر لاستعادة القدرة على إدارة السياسة النقدية والمالية، لكن وقف إطلاق النار وحده لا يكفي ما دامت شبكات اقتصاد الحرب ومصادر تمويلها قائمة.
المطلوب هو مسار ينتهي إلى:
• إنهاء الحرب عبر تسوية سياسية مستدامة وترتيبات أمنية موثوقة.
• تفكيك شبكات اقتصاد الحرب وتجفيف مصادر تمويلها.
• استعادة وحدة المؤسسات المالية والنقدية والإيرادية.
• إخضاع إنتاج الذهب وتجارته وتصديره لولاية مؤسسية موحدة وشفافة.
• إعادة دمج النشاط الاقتصادي الموازي في الاقتصاد الرسمي، دون الاكتفاء بإجراءات شكلية أو حملات مؤقتة.
• إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية ومهنية، بما يعيد الثقة في النظام المالي والمصرفي.
من دون ذلك، ستظل أي احتياطيات إضافية عرضة للتسرب، وستظل قدرة البنك المركزي على إدارة سوق الصرف محدودة، مهما بلغت كمية الذهب التي يجري الإعلان عن تعبئتها.
الحافز الغائب: لماذا يخرج الذهب من القنوات الرسمية؟
تُظهر بيانات سودانية نشرتها صحف عربية في يوليو 2026 أن الصادر الرسمي تراجع من نحو 99% من الإنتاج في 2020 إلى نحو 22% في الأشهر التسعة الأولى من 2025 (11.7 من 53.5 طناً)، وتتباين تقديرات الإنتاج بين نحو 70 طناً (الشركة السودانية للموارد المعدنية) ونحو 199 طناً (تصريح وزير المالية).
الفترة الإنتاج (طن) الصادر الرسمي (طن) النسبة
عام 2020 25.2 25.02 99%
يناير–سبتمبر 2025 53.5 11.7 22%
الجدول (2): الإنتاج والصادر الرسمي من الذهب السوداني، بالأطنان. المصدر: بيانات سودانية نشرتها العربي الجديد والمدن (28 يوليو 2026). الفترتان غير متطابقتين: عام كامل في 2020 وتسعة أشهر في 2025.
ولا تعالج أداة مالية هذه الفجوة ما لم تعالج سببها: فالمعدّن يقارن بين سعر الشراء الرسمي بالجنيه وسعر السوق الموازي وعلاوة التهريب، مضافاً إليها الرسوم وشروط استرداد حصيلة الصادر. وما دام الفارق في مصلحة القناة غير الرسمية فلن ينافسه سند بعائد 6% بالذهب.
ما الممكن قبل انتهاء الحرب؟
لا يعني هذا تأجيل كل إصلاح إلى ما بعد الحرب؛ فثمة خطوات تدريجية ممكنة، أهمها:
• فتح نافذة رسمية لشراء الذهب بسعر قريب من السعر الفعلي في السوق، بدلاً من سعر يدفع المنتجين إلى القنوات الموازية.
• تقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازي على مراحل معلنة.
• توجيه حصيلة الصادر عبر المصارف، مع تبسيط إجراءات الاسترداد وسداد المستحقات في آجال محددة.
• نشر بيانات شهرية عن كميات الذهب المشتراة والمصدّرة وجهات التصدير، لتمكين رقابة مستقلة.
هل تثبت تجربة غانا أن الذهب قادر على إنقاذ العملة؟
أطلق بنك غانا في يونيو 2021 برنامج شراء الذهب المحلي بالعملة المحلية، فارتفعت حيازاته من نحو 8.78 طناً في 2023 إلى 38.04 طناً بنهاية أكتوبر 2025، وهي أرقام تتفق مع ما أورده المنشور. لكنها تجربة مختلفة عن برنامج «الذهب مقابل النفط» الذي بدأ تنفيذه عام 2023.
وقد بلغت خسائر «الذهب مقابل النفط» نحو 2.14 مليار سيدي في 2023 و2024، ونشأ نحو 1.80 مليار منها عن الفارق بين سعر الصرف في سوق الذهب المحلي وسعر البنك الداخلي، فانسحب البنك من البرنامج في مارس 2025. وهذه دلالة بالغة للسودان حيث يتعايش سعران.
وفي 2025 سجّل البنك صافي خسارة على صفقات الذهب بنحو 9.05 مليار سيدي، معظمها في برنامج الشراء المحلي «الذهب مقابل الاحتياطيات» (نحو 8.85 مليار) لا في «الذهب مقابل النفط»، مع جدل حول طريقة احتسابها. فالشراء المحلي يبني الاحتياطي لكنه قد يحمّل ميزانية البنك المركزي كلفة معتبرة.
والدرس أن امتلاك الذهب لا يضمن نجاح السياسات التي تستخدمه، وأن التسعير والحوكمة وإدارة المخاطر لا تقل أهمية عن حجم الاحتياطيات.
أما ماليزيا 1998 فاعتمدت على ضوابط انتقائية لرأس المال وربط الرينغيت بالدولار (وليس بالذهب) مع إعادة هيكلة المصارف والشركات، ولم تكن حلاً منفرداً قابلاً للنقل إلى السودان.
سندات الذهب والحسابات الرقمية – بين الابتكار المالي ومخاطر التنفيذ
هذه الأدوات تستحق الدراسة، لكنها تحتاج إلى تصميم مالي وقانوني دقيق.
ففي حالة سند الذهب، لا بد من تحديد طبيعة العلاقة بين المستثمر والجهة المصدرة:
• هل يمتلك حامل السند حصة فعلية في كمية محددة من الذهب؟
• هل يحق للمستثمر استرداد الذهب عيناً أم قيمته النقدية؟
• ما مصدر العائد السنوي المعلن؟ وهل هو عائد نقدي أم عائد بالذهب؟
وسند بعائد 6% بالذهب يعني التزاماً حقيقياً يتزايد مع سعر الذهب، فلا بد من مصدر واضح لتمويله.
كما أن إيداع الأفراد ذهبهم في حساب رقمي لا يحوّله إلى احتياطي للبنك المركزي ما لم توجد علاقة قانونية تسمح باستخدامه؛ وتحويلات المغتربين لا تضيف موارد جديدة إذا كانت تحويلاً لمدخرات قائمة داخل النظام.
وبالتالي، فإن نجاح هذه الأدوات يتوقف على الثقة والشفافية والحوكمة، وليس على الجانب التقني أو الرقمي وحده.
حذف الأصفار لا يعالج التضخم
حذف الأصفار إجراء تنظيمي قد يسهّل المعاملات والمحاسبة، لكنه لا يخفض التضخم ولا يزيد القوة الشرائية ولا يعالج عجز الموازنة؛ فإذا استمر تمويل العجز بالإصدار عادت الأسعار إلى الارتفاع بأرقام جديدة.
لذلك، لا ينبغي أن يكون حذف الأصفار نقطة البداية، بل مرحلة لاحقة بعد تحقيق قدر معقول من الاستقرار النقدي، وضبط المالية العامة، واستعادة الثقة في العملة والجهاز المصرفي.
هل يمكن ربط الجنيه بنسبة 60% ذهب و40% صادرات؟
الذهب أصل يمكن تسويقه رغم تقلب سعره وكلفة تسييله، أما سلة الصادرات فمتنوعة الدورات والمخاطر ولا تُعدّ احتياطياً سائلاً متاحاً دائماً.
كما أن الربط بنسبة ثابتة يتطلب آلية تحويل وسعر تقييم وحقوقاً محددة لحاملي العملة، وهي أسئلة لا يجوز تركها للإعلان السياسي.
الأفضل هو بناء احتياطيات متنوعة من الذهب والعملات الأجنبية، مع تعزيز الصادرات وتطوير قنوات تحصيل عائداتها عبر الجهاز المصرفي، دون إعلان غطاء ثابت لا تستطيع الدولة الوفاء بالتزاماته.
ما الذي ينبغي أن يسبق إصلاح العملة؟
المرحلة الأولى: إنهاء الحرب واستعادة وحدة الدولة
وقف القتال عاجلاً ثم تسوية مستدامة تعيد وحدة المؤسسات.
المرحلة الثانية: إصلاح المالية العامة
توحيد الإيرادات، وضبط الإنفاق، ووقف التمويل النقدي للعجز.
المرحلة الثالثة: إصلاح البنك المركزي والنظام المصرفي
استقلالية البنك المركزي، وإعادة تأهيل المصارف ومعالجة القروض المتعثرة، واستعادة المراسلين الخارجيين.
المرحلة الرابعة: إصلاح قطاع الذهب
إطار موحد وشفاف لشراء الذهب وتصديره، وحوافز حقيقية للمنتجين، وإدخال التعدين الأهلي في منظومة قانونية.
المرحلة الخامسة: استعادة الثقة وتعبئة الموارد
أدوات استثمارية شفافة للمغتربين، وتوسيع المدفوعات الرقمية، وتمويل القطاعات الإنتاجية.
المرحلة السادسة: إعادة هيكلة العملة
بعد الاستقرار النسبي، تُدرس إعادة هيكلة العملة وفق خطة فنية وقانونية تحمي الودائع والعقود.
تاسعاً: الخلاصة – الجنيه يحتاج إلى اقتصاد ودولة، لا إلى ذهب فقط
إن الأولوية ليست الإعلان عن غطاء جديد للجنيه، وإنما استعادة القدرة على إدارة الاقتصاد الوطني. وهذا يبدأ بإنهاء الحرب بصورة مستدامة، وتفكيك اقتصاد الحرب، واستعادة وحدة مؤسسات الدولة، وإصلاح المالية العامة والنظام المصرفي، وإعادة دمج الاقتصاد الموازي، ثم بناء قاعدة إنتاجية قادرة على توليد الصادرات والعملات الأجنبية.
فالذهب يمكن أن يدعم الجنيه، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الدولة. والاحتياطيات يمكن أن تمنح العملة سنداً، لكنها لا تصنع الثقة وحدها. أما الاستقرار النقدي الحقيقي، فلا يبدأ من خزائن الذهب، بل من مؤسسات قادرة على إدارة الموارد، وسياسات اقتصادية منضبطة، واقتصاد منتج، وسلام مستدام.
مراجع مختارة
- Ahmed Soliman and Suliman Baldo, Chatham House, Gold and the War in Sudan: How regional solutions can support an end to conflict, March 2025, updated March 2026.
- Bank of Ghana, 2024 Annual Report and Financial Statements، و2025 Annual Report and Financial Statements.
- International Monetary Fund, Malaysia: From Crisis to Recovery, Occasional Paper No. 207.
- International Monetary Fund, Malaysia: Selected Issues, September[1.1]
- MyJoyOnline, «BoG’s gold reserves hit 38.04 tonnes at end of October 2025», 5 November 2025. https://www.myjoyonline.com/bogs-gold-reserves-hit-38-04-tonnes-at-end-of-october-2025/
- GhanaWeb, «Gold-for-Oil incurred losses worth GH¢2.14 billion despite positive impact on FX – BoG confirms», 27 July 2025. https://www.ghanaweb.com/GhanaHomePage/business/Gold-for-Oil-incurred-losses-worth-GH-2-14-billion-despite-positive-impact-on-FX-BoG-confirms-1993491
- MyJoyOnline, «BoG lost GH¢9.05bn from gold purchase programme in 2025». https://www.myjoyonline.com/bog-lost-gh%C2%A29-05bn-from-gold-purchase-programme-in-2025/
- العربي الجديد، «السودان يفقد 18 مليار دولار سنوياً بسبب تهريب الذهب»، 28 يوليو 2026. https://www.alaraby.co.uk/economy/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D9%81%D9%82%D8%AF-18-%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1-%D8%B3%D9%86%D9%88%D9%8A%D8%A7%D9%8B-%D8%A8%D8%B3%D8%A8%D8%A8-%D8%AA%D9%87%D8%B1%D9%8A%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%87%D8%A8
