زهير عثمان
ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً في الثقافة السودانية الراهنة ليس- ماذا نعرف عن السودان؟ بل- من الذي يحوز حق تعريفه؟
للوهلة الأولى، يبدو السؤال أكاديمياً مترفاً، غير أن جوهره متصل اتصالاً وثيقاً بمفاصل السلطة؛ فمن يملك زمام إنتاج المفاهيم، وتأليف التاريخ، وتصنيف الأطياف المجتمعية، وتسمية الظواهر، وتقنين ما يستحق أن يرقى إلى مرتبة المعرفة المتداولة، إنما يمسك بقبضة نافذة من السلطة على روح المجتمع وكيانه
من هنا، فإن أزمة الثقافة السودانية تتعالى على الاختزال في ثنائية – أمعرفتنا غربية أم عربية أم أفريقية؟ فهذه التصنيفات، على وجاهتها، كثيراً ما تحجب السؤال الأعمق- ما الشروط الموضوعية التي تمنح معرفةً ما القدرة على الذيوع، والتحول إلى مرجع، واكتساب سلطة تعريف الظاهرة؟
لقد خلّف الاستعمار في وجدان السودان معرفةً وبنى مؤسسية لتداولها، وتصدّر التعليم ميادين ذلك التشكيل. فكلية غوردون التذكارية — التي صارت لاحقاً جامعة الخرطوم — وُلدت في حضن استعماري أُعدّ بعناية لرفد الإدارة بكوادر تخدم أهدافها، وظلت صلاتها بجامعة لندن مشدودة إلى مسار أوسع يستهدف هندسة التعليم العالي في السودان وفق مقاسات محددة
إلا أن التاريخ أبى إلا أن يكون أشد تعقيداً من فرضية (المعرفة الاستعمارية ) في مواجهة (المعرفة السودانية)
فأولئك الذين عبروا عتبات تلك المؤسسات لم يظلوا أسرى القوالب الاستعمارية؛ بل استلّ بعضهم أدوات التعليم الحديث ليبني عليها مداميك الحركة الوطنية، فيما تشكّلت وعي جماعات من الإسلاميين داخل تلك المحاضن ذاتها، ليعودوا فيوظفوا ما تعلموه في مناهضة الاستعمار ومقارعة جذوره
وهذه مفارقة بالغة الأهمية- فالمعرفة لا تقيم طوعاً في خانة الجهة التي أنشأت حاضنتها الأولى، لكنها، بالمقابل، لا تغدو مستقلة بمجرد انتقال حاملها من كفّ إلى أخرى! وهنا بالضبط تتكشف معالم المأزق السوداني الأصيل
ليس كل مركزية سيان
طالما ترددت على ألسنتنا عبارة -المركزية الغربية , وكأن الغرب عقل واحد، ومؤسسة منمطة، ومشروع معرفي متجانس. وذلك تبسيط لا يقل خطورة عن ذاك الذي نذرنا أنفسنا لنقده
فالغرب ذاته يعجّ بمدارس نقدية تتصارع على امتداد الطيف، وبتيارات ما بعد استعمارية، ومؤسسات أكاديمية واسعة الاستقلال، ومراكز قوى تتنافس اقتصادياً وسياسياً، فضلاً عن أصوات لا تفتأ تنقد المركز الذي تنتسب إليه , والأمر سيّان حين ننظر إلى ما يُصطلح على تسميته بـ«المركزية العربية الإسلامية – فالعالم العربي ليس كتلة صمّاء، والإسلام ليس مدرسة سياسية ذات لون واحد، كما أن العلاقة التاريخية بين الدين والدولة والمجتمع واللغة والحداثة تباينت جذرياً باختلاف المجتمعات والمدارس الفكرية
بل إن تعبير «المركزية الدينية» بذاته يستوجب تفكيكاً دقيقاً. فالدين، بمعناه الإيماني والثقافي والتراثي الروحي، لا يماثل البتة ذلك المشروع السياسي الذي يتخذ من تأويل فقهي بعينه مصدراً حصرياً ومهيمناً لهندسة المجتمع والدولة والإنسان
وعليه، فإن نقد الإسلاموية لا ينبغي أن ينزلق إلى جحود الدين، تماماً كما أن نقد العلمانية السياسية لا يجوز له أن يرتد إلى عداوة العقلانية أو الدولة المدنية
ليست المشكلة إذن في التسمية التي نلصقها بالمركز، إنما المشكلة كل المشكلة في احتكار المركز لحق تعريف الآخرين وإقصائهم.
السودان.. ليس ذاتاً مصمتة
وهنا نلج إلى العقدة الأشد عمقاً. حين نردد عبارة «المعرفة السودانية»، فأي سوداني نعني؟ أتُراها معرفة ابن الخرطوم؟ أم إنسان دارفور؟ أم النوبة؟ أم البجا؟ أم جنوب النيل الأزرق؟ أم الجزيرة؟ أم كردفان؟ أم ذاك السوداني الذي قضى عمره في عواصم الضوضاء فلم يتبين السودان إلا من وراء زجاج نافذة المدينة؟
وهل تستوي بالضرورة معرفة الأستاذ الجامعي بمعرفة المزارع الكادح؟ وهل حكاية المركز عن الهامش تطابق في شرعيتها حكاية الهامش عن ذاته؟ بل، هل يصح وجود «سودان واحد» بالمعنى المعرفي الصارم الذي يتيح له التكلم بضمير الجمع المتكلم؟
ربما لا. لهذا كله، فإن المشروع المعرفي السوداني المنشود لا ينبغي أن يبحث عن -نبرة سودانية واحدة-، بل عليه أن يفتح الباب مشرعاً لتعدد الأصوات السودانية وقدرتها الخلاقة على التخاطب والتجاذب والتصادم الخلاق فيما بينها. فالتحرر من رقّ المركز لا يعني استبدال مركز الخرطوم بمركز آخر، ولا إزاحة نخبة لتعتلي عرشها نخبة بديلة , بالرغم إنه يعني أن يرتفع تعدد التجارب الإنسانية ليغدو منبعاً لإنتاج المعرفة، لا مجرد مادة خام تكنزها مؤسسة مهيمنة لتعود فتصيغ تفسيراتها وفق هواها
المعرفة.. ولغة الاقتصاد
وعلى صخرة الواقع المادي تتحطم مشاريع كثيرة تتغنى بالاستقلال المعرفي مخدوعةً بالنوايا الحسنة وحدها. فالمعرفة لا تُبنى بالأماني , و من يتكفل بتمويل الباحث؟ من يدعم المجلة؟ من يملك دار النشر؟ من يطبع الكتاب؟ من يمسك بزمام المنصة الرقمية؟ من يمول الترجمة؟ من يصون الأرشيف المهدد؟ من يؤمّن للصحفي لقمة عيشه وهو يخوض تحقيقاً يستطيل أشهراً؟ ومن يستطيع أصلاً أن يقتات من الكتابة والبحث في وطن أنهك الحرب اقتصاده وبناه التحتية؟
تلك ليست تساؤلات عابرة في الهامش، بل هي جوهر الأزمة ومحرقها. منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعرضت أوردة التعليم والإعلام والثقافة للشلل، وتقوّضت المؤسسات، وداهم الخراب الأرشيفات والمكتبات، واضطرت النخبة من أكاديميين وصحفيين ومثقفين إلى التشرد بين نزوح ومنفى قسري
وقد رصدت منظمة اليونسكو آثاراً فادحة للحرب على جبهات التعليم والثقافة، بما في ذلك إغلاق آلاف المدارس، وتعرض العاملين في حقول الكلمة للتهديد والعنف
وهذا يعني جازماً أن سؤال «إنتاج المعرفة السودانية» اليوم لم يعد ترفاً نخبوياً، بل هو سؤال حيوي عن الهيكل المادي والوجودي الذي يسمح للمعارف بأن تولد أصلاً. فالمثقف الذي يكابد المنفى كاتباً من شاشة هاتفه، والصحفي الذي يصارع تقلبات الشبكة، والأستاذ الذي يحاول بعث الحياة في قاعات دُرست بعد تهجير جامعته، والباحث الذي فارق مكتبته وأرشيفه؛ لا ينطلقون من الشروط ذاتها التي يرفل فيها باحث مستقر في مؤسسة مموّلة بسخاء , وهنا تماماً تتدخل قبضة السلطة الاقتصادية لترسم حدود ما نراه وما يُحجب عن أبصارنا
اللغة.. أبعد من وسيلة
ثم تطل مسألة اللغة برأسها لتكون من أشد القضايا حساسية وإيلاماً , و إذا كان رصيد الإنتاج الأكاديمي الكوني مسجلاً اليوم بالإنجليزية، وإذا كانت مسارات النشر والتقييم والتصنيف والاقتباس تمر قسراً عبر مؤسسات عالمية تقطن خارج حدود السودان، فإن الباحث السوداني يقف حائراً أمام مفارقة لا محيد عنها- لكي يسمع العالم صوته، عليه أن يتحدث بلغة العالم الأكاديمي؛ لكن لكي يبلغ صدى روحه إلى مجتمعه، فهو بحاجة ماسة إلى لغة أخرى
فهل يكمن الحل في الانكفاء ومقاطعة الإنجليزية؟ قطعاً لا وهل الحل في الاستسلام المطلق لها؟ أيضاً لا, ما نبتغيه هو تعدد لغوي معرفي يمنح الفكرة السودانية مرونة الحركة عبر فضاءات متعددة الفضاء العربي، واللغات السودانية المحلية، والإنجليزية وغيرها من لغات التلاقح الإنساني
والترجمة هنا ليست ترفاً تجميلياً، بل ركن ركين في صياغة السيادة المعرفية , فلستنا بحاجة فقط إلى نقل الكتب الوافدة إلى العربية، بل نحن أشد افتقاراً لنقل المعرفة المولودة في تراب السودان لتخاطب العالم أجمع , أن يتحول الباحث السوداني إلى منبع ومانح للمعرفة، لا مجرد متلقٍّ مستهلك لمدونات الآخرين
هل من «اختبار عالمي» محايد؟
حتى فكرة إخضاع المعرفة السودانية لمعايير «الاختبار العالمي» تستوجب مراجعة نقدية صادقة , من يضع تلك «المعايير العالمية»؟ ومن يقرر معايير البحث الرصين؟ ومن يملك مقاليد المجلات الكبرى؟ ومن يرسم خارطة المناهج؟ ومن يمنح الشرعية لأي مفهوم ليكتب له الخلود في الأدبيات الأكاديمية؟
طالما أن مراكز النفوذ المعرفي العالمي تشكلت تاريخياً ضمن بيئة اقتصادية وسياسية مجحفة وغير متكافئة، فإنه لا يجوز الركون إليها وكأنها محكمة عدل محايدة تماماً. لكن رفضها المطلق ليس حلاً. بل يكمن الحل في ولوج أبوابها ونحن على بينة تامة من شروطها- نقبل خوض الاختبار، ولكننا نرفض قطعاً أن يبقى حق تعريف شروط الاختبار ذاته حكراً أبدياً على مركز واحد
فالمعرفة السودانية لا ينبغي أن تُمنح صك حصانة ومجاملة لمجرد أنها سودانية، كما لا يجوز وأدها سلفاً بحجة أنها صدرت من جامعة في الخرطوم، أو أم درمان، أو الفاشر، أو كسلا. المعيار الأوحد يجب أن يبقى محصوراً في- الحجة الراسخة، والدليل، والمنهج، وقدرة الفكرة على تفسير الواقع، والانفتاح على النقد والمراجعة
ماذا يعني ذلك عملياً؟
إن كنا حقاً نضمر عزم بناء استقلال معرفي سوداني، فلا يكفي رفع الشعارات البراقة حول «إنتاج المعرفة من الداخل». ما نحتاجه هو بنية مجتمعية ومؤسسية متكاملة- مراكز أبحاث مستقلة تنأى بنفسها عن هيمنة السلطات السياسية والدينية والعسكرية , منصات نشر سودانية جسورة تصل بإبداعاتها إلى القراء في الداخل والشتات على حد سواء , صناديق تمويل مرنة ومستقلة لدعم الباحثين والكتاب والصحفيين , أرشيف رقمي مفتوح يحفظ الذاكرة من كتب وصحف ووثائق ومقابلات وروايات شفاهية, برامج واسعة للترجمة المتبادلة بين العربية واللغات السودانية والإنجليزية وغيرها – شبكات تواصل متينة تضم الباحثين السودانيين في الداخل ومهاجر الشتات، لكي لا يكون المنفى نهاية للمطاف المعرفي، بل محطة متجددة لخصوبته , والأهم من ذلك كله- رد الاعتبار للجامعة لتكون مصنعاً لإنتاج السؤال، لا مجرد ختم مطاطي لمنح الشهادات , تلك ليست أحلاماً طوباوية بمعزل عن الواقع، بل هي الاشتراطات الأولية لأي مشروع جاد يروم جعل المعرفة ركيزة أساسية في عملية إعادة بناء السودان من رماده
من المركزية إلى آفاق التعدد
لربما كان السودان في أمسّ الحاجة اليوم إلى تجاوز فكرة «المركز المعرفي» برمتها، لا إلى اختراع مركز بديل. فلسنا بحاجة إلى مركزية غربية تملي علينا ما نحن عليه، ولا إلى مركزية عربية تختزلنا في مجرد امتداد ثقافي باهت، ولا إلى مركزية دينية تتخذ من تفسير واحد للإسلام مسطرة توزن بها المجتمعات، ولا إلى مركزية علمانية تجعل من موقف أحادي تجاه الدين معياراً وحيداً للحداثة، ولا حتى إلى مركزية سودانية جديدة تسوّغ بأن كل ما يخطه السوداني صحيح لمجرد انتمائه الجغرافي , وما نبتغيه هو مرتقى أصعب وأبقى: فضاء معرفي تعددي، متفتح، نقدي، لا يحوز فيه أي طرف حق احتكار تعريف السودان. وهنالك تتحول الثقافة السودانية إلى مشروع حيّ لا إلى هوية منغلقة ومتحجرة. مشروع يحسن قراءة الغرب دون خنوع، ويطالع التراث دون تقديس أعمى، ويقرأ أفريقيا دون تسطيحها في أسطورة، وينقد الإسلاموية دون أن يتخندق في مركزية علمانية مضادة. مشروع يملك القدرة على تطويع أدوات الآخرين دون أن يرضى بالعيش داخل أسوار تعريفاتهم
وقبل هذا كله وبعده، مشروع يقرّ بأن (السودان ) ليس صوتاً مفرداً، وأن المعرفة المرتجاة لن تهبط من مركز واحد، أو نخبة واحدة، أو جامعة واحدة، أو منفى واحد. إنها قد تشرق من قرية منسية، أو قاعة درس جامعية، أو أرشيف مهمل، أو حكاية شفاهية تُروى تحت شجرة، أو صحيفة صغيرة، أو تجربة مزارع يكدح، أو ذاكرة امرأة تقاوم، أو بحث أكاديمي رصين، أو كتاب يُخط بمداد الصبر في , الخرطوم، أو القاهرة، أو نيروبي، أو لندن. لكنها لا تتبلور كمعرفة كاملة النضج إلا حين تلج رحاب فضاء النقد الخلاق , فليست العلة في أن تكون المعرفة غربية، أو عربية، أو أفريقية، أو سودانية. العلة الحقيقية أن نرضى بالعيش في عالم يحتكر فيه الآخرون أدوات تعريفنا، ثم نكتفي نحن بالاختلاف حول أي من تعريفاتهم الجاهزة نختار , إن التحرر المعرفي الحق لا ينطلق إلا حين نمتلك ناصية أدوات إنتاج السؤال ذاته- ليس لكي نوصد النوافذ في وجه ريح العالم، بل لكي نملك أخيراً حق فتحها وإغلاقها بإرادة واعية حرة.
المصادر الدقيقة*
[^1]: حول كلية غوردون وعلاقتها بجامعة لندن، انظر مثلاً: Mohamed Omer Beshir, Educational Policy and the Development of Education in the Sudan، أو دراسات تاريخ التعليم في السودان.
[^2]: حول الإسلاميين السودانيين والتعليم الحديث، انظر دراسات مثل أعمال حسن مكي أو عبد الله علي إبراهيم.
[^3]: تقرير اليونسكو حول آثار الحرب على التعليم والثقافة في السودان (2023–2024).
