بقلم: د. صلاح أحمد الحبو
ثمة شعوب تنتظر أن تتحسن الحياة لكي تعيش، وأخرى تعيش لكي تتحسن الحياة. وبين انتظارٍ يستهلك العمر وابتدارٍ يستولد الأمل، تتشكل حكايات الأمم. ولعل السودان، الذي طال وقوفه على عتبات الغياب، لم يعد يسأل متى تنتهي أحزانه فحسب، بل كيف يصنع من بقايا الحكاية بدايةً أخرى، ومن جراح الأمس ملامح غدٍ لا يشبه وجعه.
وللوجع في السودان ذاكرة طويلة؛ مدنٌ أطفأت الحرب مصابيحها، وبيوتٌ غادرها أهلها وبقيت أبوابها تنتظر وقع الخطى، وأجيالٌ ورثت من الخيبات أكثر مما ورثت من الأحلام. غير أن الحكاية، مهما أوجعتها فصولها، لا تنتهي عند الصفحة التي مزقتها الحرب. ففي ضمير هذا الشعب شيء عصيّ على الخراب؛ قدرة عجيبة على استنبات المعنى حيث يندر الممكن، وعلى صناعة الألفة حين تضيق الأمكنة.
ومن تلك الألفة تبدأ موجات الأثر؛ صغيرةً كتحية عابرة، عميقةً كيدٍ تمتد إلى غريب. ألم يكن السودانيون يصنعون من ظلال الأشجار مجالس، ومن أفنية البيوت عوالم، ومن القليل موائد تتسع للكثيرين؟ لم تكن الوفرة سرّ ذلك الجمال، بل براعة الإنسان في تحويل المتاح إلى حياة، والحاجة إلى تضامن، والاختلاف إلى تعارف. كانت القيم تعمل بصمت، حتى غدت الحياة نفسها فناً لا يحتاج إلى ثراء كي يزدهر.
لكن الذاكرة، مهما أشرقت، لا تصلح وحدها مسكناً للمستقبل. فليس المطلوب أن نعود إلى الأمس، بل أن نعبر به إلى الغد؛ أن تتحول المروءة إلى مبادرات، والتكافل إلى مؤسسات مجتمعية، والبراعة إلى ابتكار، والمحبة إلى سلوك يومي يحرس كرامة الإنسان. حينها يصبح الحيّ الذي يستعيد نظافته، والمدرسة التي تفتح أبوابها للمعرفة، والشاب الذي يعلّم طفلاً، والمرأة التي تبتكر مشروعاً، موجاتٍ تتعاقب حتى يصير الأثر الصغير تياراً يغيّر مجرى الحياة.
وما أجمل أن يتعلم السودانيون صناعة الجمال دون أن يستأذنوا الاقتصاد في الفرح، أو ينتظروا السياسة لتمنحهم حق الأمل! فالجمال ليس ترف الميسورين، بل كرامة العيش، ونظافة الضمير والمكان، وإتقان العمل، ورحابة الاختلاف، وبهجة المعرفة. وليس في ذلك تمجيد للفقر أو تبرير للحرمان؛ فالحقوق لا تسقط بالتكافل، ومسؤولية الدولة لا تعفيها مبادرات الناس. إنما هي مقاومة لوصاية الظروف على الخيال الإنساني.
ولعل أقسى ما تتركه الحروب ليس الخراب الذي نراه، بل الخراب الذي نتعلم التعايش معه؛ حين يصبح العنف لغة، والخوف عادة، واليأس ميراثاً. وهنا تبدأ المقاومة الأجمل: أن نربي أبناءنا على صناعة الحياة لا انتظارها، وعلى الاختلاف دون خصومة، وعلى العمل دون ضجيج، وعلى أن المستقبل ليس تعويضاً عن الماضي، بل مسؤولية مشتركة بين من يعيشون الحاضر ومن سيولدون بعده.
وحين تتلاقى تلك الموجات، لن يكون السودان مجرد وطن ينهض من الحرب، بل مجتمعاً يبتكر أسباب الحياة من داخل محنته، ويحوّل مخزونه الأخلاقي إلى طاقة للبناء. عندئذٍ لن نقيس جمال المستقبل بما نملك وحده، بل بما نصنعه مما نملك، وبما نتركه في حياة الآخرين من أثر.
فليست الأمم جميلة لأنها نجت من جراحها، بل لأنها عرفت كيف تمنع الجراح من أن ترث مستقبل أبنائها
