د. بخيت أوبي
عند النظر بعمق لأزمات السودان المتلاحقة والمتجددة على مدى عقود منذ فجر الاستقلال، يمكن الإشارة إلى منبعها ومصدرها المتمثلة في الأزمة البنيوية منذ الابتداء، في ظاهرة تجاوزت إرادات الشعوب السودانية وكانت أداة طيعة في يد النخبة لتشكيل حاضر ومستقبل البلاد.. حيث فشلت القواميس السياسية في حل معضلاتها،.وفي ظل هذا التعقيد المتازم والمتطاول، برزت الحاجة إلى إيجاد طريق سالك، ومنهجية واقعية نابعة من تراث وحضارات الشعوب كأدوات أصيلة، ومن المفاهيم الحديثة في الممارسة السلمية للسلطة وحل النزاعات التي تجسدها قيم الديمقراطية الحديثة، اذ برزت “الديموقودية” كمفهوم حديث يدمج تراث وتقاليد الشعوب في الديمقراطية الحديثة، لسد الفجوات التي فشلت فيها القوالب المستوردة في مصارعة الأزمات الداخلية الممتدة والعميقة.
في الحالة الراهنة في السودان، أن الحرب الجارية قد أعادت رسم خارطة المفاهيم والمصطلحات، وتجاوزت حدود الجغرافية العسكرية إلى التحكم في الشفرات الناظمة والموجهة للوعي الجماعي والجماهيري وتحريكها بناءا على محددات منها الهوية والعدالة والمصلحة الوجودية.
وفي إطار كودات الشعوب السودانية المتأثرة سلبا بما يجرى في البلاد من حرب مدمرة، تواجه ” الديموقودية” اتجاهين متعاكسين، أحادية المركز التاريخية التي تمثل المؤسسات الرسمية من جانب، والتعددية الفيدرالية الحتمية من جانب آخر، و التي بدأت تتشكل في الأفق المنظور بتحرك رمال الوعي للاقاليم تحت المهمشة “الهامش” بأدوات ناعمة و عنيفة، ستؤدى في نهاية المطاف إلى تفكيك السيطرة الأحادية للمركز والانشطار الكبير للتعددية الفيدرالية والمواطنة الثقافية.
تاريخيا لقد استندت النخبة المتحكمة إلى أحادية السلطة الممركزة، واحتكرت ادوات التوجيه القومي، وقد نجحت في إدارة صراعاته في الحروب على مدار سبعة عقود عبر استراتيجية “إدارة التناقضات” وتبديل التحالفات بين مكونات الهوامش،كما يتراي لكل ذي بصيرة نافذة وتفكير عميق، وقد نجح هذا المركز في تأجيل تفكيك بنيته القديمة باختلاق الأزمات، وتدوير النزاعات، واللعب على اوتار التناقضات التاريخية والخلافات المستحكمة، حيث ظل الطرف الاقوي ذات السطوة المطلقة، يمنح وينزع ويتحكم في كل شئ بداءا من الاقتصاد، والشرعية، والمواطنة في تغييب كامل لإرادة الشعوب السودانية، والتي وجدت نفسها في هامش الحياة وأطرف المدن، وأسفل الهرم في القرارات المتعلقة بمصيرها سلما وحربا، وموتا وحياة، إذ أصبحت الخاسر الأكبر في رهان السياسة وافواه البنادق.
بيد أن الحرب الحالية قد فجرت من عمق معاناة الشعوب اختراقات و تفاعلات غير محسوبة في ماكينة المركز الادارية، حيث شكلت التحولات في المواقف للبعض في الطرف المقابل منذ بدء الحرب، والسياسات المتبعة للتنقل بحرية إلى المعسكر الآخر دون محاسبة وإصدار العفو عنهم وادماجهم، شكلت صدمة عنيفة هزت المعايير الأخلاقية التي حشدت بها المركز الشعوب، وتغيرت اتجاه التعبئة إلى الاتجاه المضاد ، مما أدى إلى مفعول عكسي مرتد بقوة غيرت قناعات المؤثرون الرقميون في خط المواجهة والمحرك الأساسي للتعبئة الشعبية، عندما استشعروا حيل الخديعة الاستراتيجية، وساورتهم الكثير من الشكوك التي تشير بأن معركة الكرامة الوجودية يتم تفكيكها في الغرف المظلمة لصالح إعادة الرموز القديمة واللمنظومة المركزية القديمة ، بصورة أشد فتكا وتحكما من الماضي. الأمر الذى أدى إلى استنتاج أن المركز لايبحث عن شراكه وطنية بل عن طاعة لا ترى في وضح النهار، مما حول الدعم المطلق إلى مواجهة مفتوحة.
يقودنا ما سبق إلى أن هنالك أرضية وعي بدأت تأخذ مساحات متسعة باطراد على مستوى المجتمعات والناشطين، وأن زيادة هذا الوعي الجماهيري سيتجاوز المناطق الجغرافية والتصدعات التاريخية إلى صورة مختلفة، يمهد إلى تآكل أعمدة أحادية المركز ، والفلسفة التي تقوم عليها وتدبر بها الاشياء، ويمهد الأرضية السياسية والمجتمعية إلى اتفاق المستوى الادني بين قوى الهامش والقواعد الشعبية والمجتمعية للمركز نفسه في إطار واحد وهدف مشترك ، يسحب البساط من تحت اقدام النخبة ويفرض الانتقال الى التعددية الفدرالية كخيار وحيد لمنع تفكك الدولة، حيث يمكن للشعوب أن تمارس سلطتها الحقيقية عبر دستور فيدرالي يلغي احتكار السلطة: ويشمل كذلك التوزيع العادل للموارد حسب الثقل السكاني، وتأسيس جيش مهني قومي واحد تعكس قياداته التنوع السوداني بصورة أكثر شمولا ومصداقية، وماسسة التنوع ، واعادة هيكلة جميع المؤسسات بحسب التنوع ، وتعلق فيه صفحة الحروبات للابد.
لاشك في أن أفول نجم أحادية الاحتكار المركزى في نهاية الطريق، لأن الشفرات القديمة للسيطرة لم تعد قادرة على تحديد اتجاهات وعي الشعوب، وأن البديل الأوحد هو الاعتراف بالتعددية الفيدرالية والعدالة بضمانات شعبية ودولية، والا فالدرب إلى الانهيار الهيكلي وتفتت البلاد إلى شظايا عاجزة وهو السيناريو الذي لا يتمناه أحد.
bakhietobey2010@gmail.com
