محمد صالح محمد
في عُمقِ الوجدان حيثُ لا تبلُغُ الكلماتُ حد الدهشة وحيثُ يستريحُ الزمنُ بعيداً عن صخبِ العابرين ثمةَ كائنٌ من ضياءٍ يسكنُني ليست مجردَ امرأة بل هي “الزولة” التي اختصرت في ملامحِها سُمرةَ الأرضِ وطُهرَ النيل واستوطنت في حنايا القلبِ كفكرةٍ أزليةٍ لا تقبلُ المحوَ أو النسيان.
تجلياتُ الجمالِ الفطري …
حين أتحدثُ عنها لا أعني جمالاً تَرسمُه المساحيق بل ذلك الجمالُ المسكونُ بالأصالة الذي ينبعُ من هدوءِ الروح وعنفوانِ الكبرياء. هي سمحةٌ لدرجةِ أنَّ حضورَها يُعيدُ ترتيبَ الفوضى في داخلي؛ في مشيتها إيقاعُ “الدوبيت” القديم وفي صوتِها بَحّةُ الحنينِ التي تَحملُ عطرَ “البتول” ودعواتِ الأمهاتِ تحتَ ظلالِ النخيل.
الساكنةُ في الأعماق …
إنَّ سُكناها في أعماقي لم يكن خياراً بل كان قدراً يشبهُ انهمارَ المطرِ على أرضٍ عطشى. هي تلك التفاصيلُ الصغيرة التي لا يراها غيري
ثباتُها: كجذوعِ السيالِ في وجهِ الريح.
رِقّتُها: كنسمةِ “سَحَر” تداعبُ وجهَ النهر.
عمقُها: بئرٌ من الأسرارِ والحكمة تمنحُني الأمانَ كلما ضاقت بي سبلُ التيه.
“هي ليست وطناً أسكنُه بل هي الروحُ التي تجعلُ من كُلّ مكانٍ وطناً”
لغةٌ تتجاوزُ الوصف …
تلك “الزولة” السمحة صاغت من سُمرتِها قصيدةً عجزَ الشعراءُ عن إتمامِ قوافيها. هي الأنثى التي تشرقُ في داخلي كلما أظلمت الدنيا بابتسامةٍ تحملُ طعمَ “الجبنة” المُرّة المحلاةِ بصدقِ المودة وبنظرةٍ تختصرُ تاريخاً من العِزة والشموخ.
تسكنُ هناك في أعمقِ نقطةٍ من الوعي حيثُ لا تصلُها ضوضاءُ العالم لتبقى هي الأيقونةَ الخالدة والسرَّ الجميلَ الذي أخبئُه عن العيون وأعيشُ به ولأجله.
هي لم تكن يوماً عابرة سبيل بل هي الركيزةُ التي استندت إليها أحلامي والبوصلةُ التي تُشيرُ دوماً نحو مرافئِ الطمأنينة ستبقى تلك السمحةُ القابعةُ في الأعماق وسِرّي الأجمل وقصيدتي التي لم أكتُبها بَعد لأنَّ معانيها أسمى من أن تُحاصرَها الحروف وأبقى من أن يطويَها الغياب.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم