نزار عثمان السمندل
تحولت (معركة الكرامة) إلى سوق محاصيل واسع النطاق. بندقية في الجبهة، وطبول إعلامية في الخلف، وكتائب إلكترونية تحرس الرواية الضلالية، مقابل ما يتساقط من موائد السلطة.
خالد الأعيسر، الجالس فوق مقعد الإعلام؛ في بلد تحترق أطراف أرضه وأعصاب شعبه، فتح الباب الذي ظلّ موارباً طوال سنوات الحرب، واعترف بما يعرفه الجميع ويخشاه الجميع: جيشٌ يملك نائحات، وأقلامٌ تتقاضى أجورها على إيقاع الدم.
الجملة لم تكن زلة لسان. جاءت ثقيلة، مشبعة برائحة الغرف المغلقة والهواتف التي تُفتح عند منتصف الليل. فقد الوزير القدرة على حمل القناع الرسمي طويلاً، وحين سأله أحمد طه عن «النائحة المستأجرة»، لم يتراجع، ولم يناور، ولم يبحث عن مخرج لغوي. أطلق العبارة بعصبية رجل يعرف أسماء كثيرة، ودفاتر كثيرة أيضاً.
هنا بالتحديد، ارتجفت «أم وضاح».
ردّها العنيف لم يكن دفاعاً عن الجيش بقدر ما كان دفاعاً عن صورة انكسرت فجأة أمام جمهورها الواسع من البلابسة. الكلمات خرجت منها مذعورة، متوترة، محمومة، كأنها تحاول إخماد حريق اشتعل داخلها قبل أن يشتعل في الشاشة.
الشتائم الضحلة، الاتهامات، نوبات السخرية، الحديث عن «الوزير المضطرب» و«المهزوز» و«الكاذب»؛ كلها بدت أقرب إلى صرخة انكشاف؛ منها إلى مقال سياسي.
ثمة لحظات تفضح البشر أكثر مما تفضحهم الوثائق. لحظة الأعيسر كانت واحدة منها. ولحظة «أم وضاح» بعد المقابلة كانت الأخرى.
فالنائحة المستأجرة لا تحتمل سماع وصفها. ترتبك. ترفع صوتها أكثر من اللازم. تهاجم بعنف يفضح خوفها. وهذا ما حدث تماماً. الرد بدا كأنّه مكتوب داخل خندق، لا داخل مساحة رأي.
لغة مشبعة بالثأر الشخصي، بانفعال حاد، بتوتر يكاد يقفز من بين السطور. حتى الجيش نفسه بدا غائباً عن النص، فيما حضرت الأنا الجريحة بكامل عدتها.
هذه الحرب الدائرة الآن، لم تنتج الرصاص وحده. أنتجت أيضاً فرقة حاشدة من تجار العاطفة الوطنية. أصوات اكتشفت أن الميكروفون قد يتحول إلى خزنة، وأن الحماسة قد تصبح فاتورة، وأن الهتاف المرتفع قرب الجنرال يفتح أبواباً لا تفتحها الكفاءة ولا الموهبة.
اعتراف الأعيسر خطير لأنه صادر من داخل المطبخ نفسه. رجل الدولة قال إن النار مشتعلة داخل الجدار، لا خارجه. قال إن بعض الذين يبيعون البطولة على الهواء يعملون وفق نظام أجور. وهذه ليست فضيحة أخلاقية فقط، إنها إعلان انهيار في معنى «إعلام المعركة» الذي حاولت السلطة تسويقه طوال الأشهر الماضية باعتباره صوت الوطنية الخالص.
المفارقة الواضحة أن الوزير الذي كشف المستور يبدو هو الآخر واحداً من نتائج هذه الفوضى. تحدث بعصبية، باندفاع، وبنبرة تحمل رغبة دفينة في الانتقام المؤجل. لذلك بدا المشهد كله كعراك داخل سفينة تتسرب إليها المياه من كل الجهات.
نائحة تهاجم الوزير المتشنّج، ووزير يلوّح بملفات… وبلد يتآكل تحت أقدام المتاهة بأشداقهاالواسعة.
