محمد صالح محمد
ثمة غيابٌ لا يملأه حضورُ العالمِ أجمع وثمة رحيلٌ لا يتركُ وراءه سوى فجوةٍ تتسعُ كلما حاولنا ردمها بالنسيان. يقال إن الزمن كفيلٌ بمداواة الجروح لكنهم لم يخبرونا عن تلك الندوب التي تنزفُ داخلياً بصمت عن ذلك
“النبض الذي لا يعرف البعد” والذي يظلُّ يدقُّ في عروقنا كجرسٍ جنائزيٍّ يعلنُ في كلِ ثانيةٍ أنَّ الفقدَ لم يكن مجرد حدث بل صار هويةً وانتماء.
غيابُ الجسدِ واستيطانُ الروح …
يا راحلةً عن ناظري كيف استطعتِ أن تحوّلي الغيابَ إلى حضورٍ بهذا الطغيان؟ لقد سكنتِ الروحَ حتى باتت ملامحي تشبهكِ وصمتي ينطقُ باسمكِ يقولون إنكِ رحلتِ لكنني أراكِ في انعكاسِ الضوءِ على نافذتي وأشمُّ عطرَ ذكراكِ في ثنايا ثيابي القديمة.
إنَّ البعدَ الذي يظنُّه الناسُ مسافاتٍ وخرائط ليس في شرعِ الحبِ إلا وهماً؛ فكيف تكونين بعيدةً وأنتِ تقيمين بين الأضلاع تهيمين فيَّ وأهيمُ فيكِ؟ إن جمرةَ حبكِ في الضلوع ليست عقيماً كما توهمَ العاذلون بل هي نارٌ مقدسة تشتعلُ في ليلِ الحنين تمدُّني بالدفءِ حين يغزو الصقيعُ قلبي وتحرقني حين يشتدُّ بي الشوقُ حتى الاختناق.
تفاصيلُ الوجعِ اليومي …
في كل صباح أحاولُ أن أبدأَ يوماً جديداً دونكِ لكنَّ وجهكِ يطفو على سطحِ قهوتي المرّة فتمتزجُ مرارةُ البن بمرارةِ الفقد. وفي كل حرفٍ أكتبه أجدُ قلمي ينحرفُ عن مساره ليخطَّ اسمكِ كأنَّ اللغةَ ضاقت إلا منكِ وكأنَّ الأبجديةَ لم تُخلق إلا لترثيكِ.
“إني أراكِ بقهوتي وكتابتي… وبكلِ لحنٍ في الصباحِ رخيمُ”
حتى الألحان الرقيقة التي كانت تسعدني أصبحت نياحاً يعزفُ على أوتار قلبي الممزق. الهجرانُ مرٌّ كالعلقم والصبرُ الذي أتجرعه ليس إلا قناعاً أرتديه أمام العالم بينما يضجُّ داخلي صراخٌ صامتٌ ينادي
“هل لي بوصلٍ؟ فالفراقُ جحيمُ”.
وقوفٌ على أطلالِ الوعود …
أنا هاهنا في المكان الذي تركتني فيه عند الوعود التي قطعناها ذات يومٍ تحت ضوء القمر لم أتحرك خطوةً واحدةً نحو النسيان بل بقيتُ مرابطاً على ثغور الوفاء أناجي طيفكِ الذي لا يفارقني.
لقد جفَّ غصنُ العمرِ منذ رحيلكِ ولم يعد يمرُّ به نسيمُ الفرح أصبحتُ كالأرضِ الجدباء التي تنتظرُ غيثاً تعلمُ يقيناً أنه قد حُبس في سحبِ القدر.
ما كنتُ يوماً في غيابكِ سالياً ولا عرفتُ للسلوانِ طريقاً فأنا ذاك “المتعب المسقيم” الذي أعياه الشوق وأضناه الوجد حتى غدوتُ أحبُّ هجرانكِ لأنه الجزءُ المتبقي لي منكِ.
أعذبُ نفسي بذكراكِ وأقتاتُ على وجعي فإذا كان الهجرُ على قسوته يربطني بكِ فكيف لو كان الوصالُ يدوم؟
يا من سكنتِ الروح إنَّ العمرَ دونكِ باهتٌ لا لونَ فيه ولا طعم تظلُّ الحقيقةُ الوحيدة في هذا الكون هي
أنكِ هنا في نبضي و في دمعي وفي صلاتي وإن باعدت بيننا القبور أو حالت دوننا الأقدار فستبقى روحي فيكِ مقيمة تنتظرُ لحظةَ العناقِ الأبدي حيث لا فراقَ بعدها ولا عويل.
عُودي… أو خذيني إليكِ فالعيشُ في برزخِ الانتظارِ موتٌ لا ينتهي.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم