نجاة صالح نصيرة المستضعفين في رحاب الله … بقلم: د. فتح الرحمن القاضي

 


 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(يا أيتها النفس المطئنة إرجعي إلي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي). كان ذلك لسان مقال الدكتور محمد مندور المهدي وأبنائه وهم يتلون آيات القرآن الكريم متحلقين حول نجاة صالح التي أدخلت الي غرفة العناية المكثقة بمركز القلب اثر اصابتها بجلطة دماغية افقدتها الوعي لما يقارب سبع أيام متواصلات. وفي يوم الجمعة  المباركة كان مندور ومعه جمع من الاطباء والاختصاصيين علي موعد مع لحظة إعلان الوفاة ، فلكل أجل كتاب،  لتنتقل نجاة الي بارئها راضية مرضية باذن الله.

 شاءت ارادة الله ان تكون فترة الاسبوع تلك، وما اصعبها من فترة، مساحة زمنية للاستذكار والتلاوة والصبر استعدادا ليوم الرحيل. وإذا كان ذلك لسان المقال الذاكر لانعم الله في اقسي الظروف، فقد كان لسان حال الاسرة والاهل والاحباب مع لحظات الوفاة المحتمة امتثال الحديث النبوي الشريف (عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة).

ولدت نجاة ابنة الاستاذ صالح مصطفي الطاهر بمدينة الابيض ونشأت في اسرة متعلمة حيث كان والدها يعمل استاذا في حقل التعليم، وقد اسهم والدها في تربية النشئ والاجيال وطاف بالعديد من مدن السودان لنشر العلم فتعلم علي يديه الكثيرين ومن ضمنهم البروفيسور مامون حميدة بمدينة سنار. وتلقت نجاة تعليمها الجامعي وفوق الجامعي بجامعة القاهرة فرع الخرطوم كلية الحقوق وكان دبلوم العمل الطوعي باكاديمية مامون حميدة آخر مشوايرها الاكاديمية مما يشى برد بروفسور مامون لجميل والدها الاستاذ صالح في شخص الابنة نجاة!؟.

رغم دراسة المرحومة نجاة للحقوق الا انها لم تشتغل بمهنة القانون وانما آثرت ان تشتغل برعاية (حقوق المستضعفين والنازخين والمتضررين من جراء الحروب والنزاعات المسلحة وضحايا الالغام وذوي الاحتياجات الخاصة). لقد كان انفعال نجاة باكراً بهموم ومعاناة الشرائح المستضعفة في المجتمع السوداني، فها نحن نراها تتحرك بهمة غير مسبوقة من ضمن الطلائع الاولي لرائدات النهضة وشباب البناء من اجل احتواء المضاعفات الناجمة عن الجفاف والتصحر الذي ضرب اجزاء واسعة من السودان الاوسط والشمالي في النصف الاول من حقبة الثمانينات. ومن فرط انفعال نجاة بهول الموقف كانت تذرف الدموع الغزيرة وهي تقوم بتوزيع الاغاثة واطعام النازحين الذين تقاطروا من كردفان صوب المويلح والشيخ ابي زيد علي اطراف مدينة ام درمان العام 1983. لقد حفزت هذه الروح السباقة لفعل الخيرات علي يد نجاة واختها هويدا الاسرة الكريمة وعلي راسها والدتهم المرحومة السيدة خديجة لطفي الخانجي للمسارعة بالانخراط في (مشروع الحركة الاسلامية) ببعده الحركي لانهم التمسوا فيه مشروعاً خيرياً متكاملاً يعتني بآلام المستضعفين وآمالهم ، ويا له من هدف نبيل ، ويا لها من روح وثابه جديرة بالاقتداء.

وفي الوقت الذي كانت تجهد فيه نجاة صالح في مصالح المستضعفين من خلال رائدات النهضة الي جانب اخواتها سامية احمد وهبة محمود وعفاف احمد عبد الرحمن وما سواهم في الحقل الخيري الاسلامي، كان محمد مندور المهدي وصحبه يجهدون لرعاية ذات القضايا من خلال شباب البناء. وهكذا قدر للتنافس من اجل خدمة مصالح الامة عبر رائدات النهضة وشباب البناء ان يتطور الي تلاق وتزاوج بين قيادات المنظمتين- مندور ونجاة - عبر تجربة الزواج الجماعي الاول او ما اصطلح علي تسميته بزواج الزهراء الاول الذي جرت مراسمه في مقرن النيلين تحت ظلال الاشجار الوريفة العام 1986، ليصير ذلك الزواج سنة حسنة. ومن بعد اقترنت اختها علي نهج مماثل بالدكتور صديق محمد مصطفي اختصاصي الاشعة التشخيصية والطب النوي والمدير الحالي للمركز القومي للعلاج بالاشعة والطب النووي.     

وفي تلك الفترة واكبت نجاة تجارب عدة، واكتسبت خبرات نوعية لا مثيل لها عبر مزاملتها للعديد من الشخصيات الرائدة ونسوق علي سبيل المثال لا الحصر، البروفسور الزبير بشير طه والمرحوم الدكتور زيدان حسن زيدان عليه افضل الرحمة والغفران والدكتورة لبابة الفضل. وقد كانت نجاة تمسك بملف المشردين في منظومة شباب البناء ورائدات النهضة حيث برعت في التعامل مع عالم المشردين وتعلمت لغة (الشماشة) ونزلت الي مجارير المياه والاقبية المظلمة في قاع المدينة لتقف بنفسها علي تقلبات هذا العالم العجيب وأطواره المدهشة. وفي ثنايا ذلك وقفت نجاة علي ظاهرة (الطفلة الام) حيث كانت مجتمعات المشردين تعج بظواهر زواج عرفي في اوساط الصبية والفتيات . وقد كانت نجاة تقوم بالتجهيزات التي تسبق الوضوع ، وتحمل الاطفال حديثى الولادة التي تتمخض عن علاقات مجتمعات المشردين الي مراكز العناية والتطبيب ودور الايواء والتبنى!؟، ثم تخلد من بعد الي بعض الراحة مما دفع احدهم الي الحديث مع زوجها طالبا منه مخاطبة نجاة لكي تترفق بنفسها من هذا العمل المضني بيد ان مندور لم يتدخل فيما يبدو في اي نشاط عام يخصها، ومع دراية كهذه بأحوال المشردين وأطوارهم كنت اتوقع ان يعهد لنجاة بملف المشردين  - وهو ملف ما زال ينتظر من يأخذه بحقه - بيد ان شيئاً من ذلك لم يحدث ولا أدري لماذا لم يستفد من خبرة وكفاءة كهذه علي النحو المرجو في مواجهة تحديات مجتمعنا علي الصعيد الاجتماعي ؟!.       

وفي اعقاب تجربة رائدات النهضة تلفتت نجاة حولها في مطلع التسعينات لتجد معظم اخواتها في رائدات النهضة قد اتخذن سبيلا الي الاستوزار أوالنيابة او ما اشبه من المناصب الرفيعة علي عهد الانقاذ بيد أن نجاة آثرت ان تستعصم بموقعها في قلب دائرة العمل الطوعي فلم نسمع بها يوما قد زاحمت علي منصب او مغنم مع العلم ان امكاناتها ومبادراتها كانت تؤهلها لتسنم اعلي المناصب. وهكذا امتد نهج نجاة الطوعي منذ منتصف الثمانينات وهي تتقلب في اطوار العمل الطوعي بمجالاته ومبادراته وانشطته المتعددة علي نحو موصول الي حين وفاتها الجمعة الفائته. وما يدعو للتأمل ان نجاة - بحسها المرهف - كانت تملك قرونا للاستشعار تتحسس بها التحديات الجسام التي تعتري الامة السودانية، وقد قادها حدسها هذا الي ان تعتني في حقبة التسعينات بهموم معاقي الحروب والنزاعات المسلحة ..لنشهد ميلاد مبادرة غير مسبوقة في مضمار العمل الطوعي الانساني بالسودان عن طريق ميلاد منظمة (أبرار لرعاية معاقي الحرب) .

ولما كانت مخلفات الحروب من الغام وخلافة تشكل خطراً ماثلاً يتهدد حياة المدنيين وفي مقدمتهم النساء والاطفال فقد كانت نجاة حاضرة بمنظمتها ومبادراتها لمواكبة التحديات المتعاظمة في مجالات الحرب والامن الانساني وهكذا جري تطوير (منظمة أبرار لرعاية معاقي الحرب) لتؤول الي (منظمة ابرار لرعاية معاقي الحروب وضحايا الالغام). ولما كانت قضايا الاعاقة تشكل أحد أخطر التحديات التي لم تلق بعد ما تستحقة من عناية واهتمام علي المستوي القومي- مع كامل تقديري للجهود المبذولة من قبل المعنيين كافة - فقد عملت نجاة بلا كلل أو ملل علي توسيع إطار اختصاص منظمة ابرار لتعني بقضايا الاعاقة والمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة علي امتداد البلاد قاطبة.

وهنا يتبادر للذهن سؤال جوهري مع عظم التحديات والانشطة المطروحة في مواجهة منظمة ابرار والسؤال هو: من اين لنجاة بالمال والامكانات اللازمة لتمويل هذا النشاط الضخم!؟. والاجابة بلا شك حاضرة لدي من واكبوا نجاة ونشاطها الخيري عن قرب، فقد كانت نجاة في الواقع تمتلك مهارات خاصة في مجالات النصح والمناصرة وترويج العمل الخيري وتسويق مشاريعه الانسانية ، فنحن نري نجاة تنشط اليوم في معرض خيري لربط الفن بقضايا الاعاقة وتوظيف ريع الانشطة الفنية لمصلحة ذوي الاحتياجات الخاصة، ونراها تنشط غداً في اقامة الشراكات الناجحة مع العديد من المنظمات الدولية الصديقة لمصلحة المعاقين مما يعود بالنفع علي المنظمة وتطوير مقرها وتنمية قدراتها، وهي تنشط بعد غد في اقامة علاقات عمل مشجعة مع الحملة الدولية لمكافحة الالغام تعبيرا عن التلاقح الوطني والدولي في الشان الانساني، ونري نجاة تجهد في تنسيق انشطة ابرار مع المؤسسات ذات الصلة ممثلة في وزارة الرعاية الاجتماعية وشئون المراة والطفل والمركز القومي للالغام ومفوضية نزع السلاح والتسريح واعادة الدمج وما سواها من الاجهزة وهي، إذ تفعل هذا كله، لا تنقطع عن الحركة بحثاً عن الدعم والمؤازة لقضايا المعاقين مما دعا احدي الاخوات للتعليق علي نشاط نجاة صالح الدؤوب في الحقل الطوعي (لم أرها الا وهي معنية بملفاتها ومهمومة بانجازها بحيث لا تكاد تفتر عن العمل المتواصل).

ما لا يعلمه الكثيرون ان نجاة باستقلاليتها وعصاميتها لم تمد يدها الي مال عام او خاص ، ولم تستعن في امس اوقات الاحتياج حتي بزوجها مندور ونفوذه في الحصول علي اموال او امتيازات خاصة لها او لمنظمتها ، وما لا يعلمه الكثيرون ان نجاة كانت تقتطع في احايين عديدة من مدخراتها الذاتية لتمويل منظمة ابرار ونشاطها الدائب. وغني عن القول ان نجاة كانت تضطلع بهذا النشاط الهائل وهي تقود عربتها المتواضعة لقضاء حوائج المنظمة ومنسوبيها من ذوي الاحتياجات الخاصة في وقت تمتلئ فيه الساحة الطوعية وغير الطوعية بكم ليس باليسير من العربات الفارهة باحدث الطرز والموديلات.

ومما عرف عن المرحومة نجاة عزوفها عن الاضواء والضجيج فقد كانت تقف علي مبادرات ضخمة ثم تتواري عن الانظار لتفسح المجال لآخرين في ذروة الاضواء والافتتاحات. وفي تقديري ان زهد نجاة هذا ربما لم يجعل القائمين علي امر العمل الطوعي يفطنون الي اهمية تكريمها في حياتها ، ونحن بالطبع لا نلتمس العذر لهم، حيث تم تكريم العديد من الشخصيات والرموز من الرجال والنساء في مناسبات عديدة ، وهم اهل للتكريم بالطبع، بيد اننا نقدر ان نجاة بمبادراتها وكسبها كانت اولي بالتكريم، وهي ان لم تتفوق علي هؤلاء الذين جري تكريمهم فانها لا تقل عنهم بأي حال من الاحوال.

لقد كان آخر عهدي بنجاة حين التقيتها منذ نحو شهر من الزمان في اطار فعاليات انعقاد مجلس امناء الوكالة الاسلامية للاغاثة ، ثم التئم شملنا في دار أبرار العامرة بحي الزهور بدعوة كريمة من نجاة لرعاية مبادرة جديدة تتمثل في اقامة ملتقي دولي بالسودان لقضايا المعاقين، وقد كانت نجاة تترقب أنفاذ هذه المبادرة الهامة في واقع العمل الطوعي الانساني بالبلاد في لهفة وحماس.

ومنذ نحو شهرين كان لنا لقاء مشهود بدار ابرار بمناسبة افتتاح المرحلة الاولي ل (مركز ابرار لمعلومات وبحوث ودراسات الاعاقة) وهي مبادرة انسانية تشرفت بتطوير فكرتها صياغة مسودتها الي جانب الاستاذة نجاة منذ نحو اربع سنوات، لتتعهدها المنظمة بالرعاية والعناية والتطوير مستأنسة بخبرات الاساتذة عبد العزيز كرم الله عميد معهد دراسات الاسرة والمجتمع بجامعة السودان والاستاذ عمر صديق حتي رأت المبادرة النور في لقاء مشهود حضره سائر الرسميين والطوعيين وفي مقدمتهم الاستاذ عبد القادر محمد زين ومدير المركز القومي للألغام.

وانني اذ اذكر ما تم انجازه من مبادرة مركز معلومات ابرار في مرحلته الاولي ارجو ان اتوجه بنداء صادق الي الاستاذة سامية احمد بما تمثله من مرجعية رسمية لقضايا الاعاقة في البلاد ، واناشد الدكتور عبد الباقي الجيلاني الجهة المشرفة علي المركز القومي للالغام، كما اناشد جملة من الخبراء وفي مقدمتهم الاساتذة الدكتور حسين العبيد المفوض الاسبق للعون الانساني، والاستاذ عبد العاطي عبد الخير الامين العام للشبكة القومية لمكافحة الالغام، والدكتور سراج الدين عبد الغفار رئيس مجلس إدارة اسكوفا وما سواهم من المسئولين والخبراء..اناشدهم بالعمل جميعا علي رعاية انشاء مركز قومي للدراسات والبحوث والتدريب في مجال الاعاقة بمختلف صورها واشكالها فضلاً عن مكافحة الالغام، واتمني ان يصار الي اطلاق اسم المرحومة نجاة صالح علي المركز المقترح وفاءا وعرفانا وتقديرا لمبادراتها في مجالات العمل الطوعي كافة.

كما اتمني ان يصار الي تخصيص ارفع الجوائز التقديرية في الدولة باسم المرحومة نجاة صالح علي ان يتم منحها سنويا عبر لجنة متخصصة لابرز النماذج والممارسات الجيدة في مجال العمل الطوعي والنسوي الذي يستهدف رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة ومكافحة الالغام. 

وكما ان البر لا يبلي فاننا نأمل الا تبلي منظمة ابرار وينقضي عملها بوفاة نجاة صالح المدير التنفيذي للمنظمة ، ومن اجل هذا نرجو ان يولي كل من السيد مفوض عام العون الانساني والسيد المدير التنفيذي لاسكوفا عنايتهما القصوي لرعاية منظمة ابرار وتامين الدعم لها حتي يتسني للمنظمة العبور بأنشطتها ومنسوبيها مرحلة الصدمة التي خلفتها وفاة المرحومة نجاة الي بر الأمان ..بر العمل الصالح المستدام.

لقد ذهبت نجاة الي بارئها مخلفة في نفوس من عرفوها عظيم الاثر والتأثر ويتجلي ذلك في الدموع الغزيرة التي ذرفت من محبيها وزملائها والمنتفعين بفضلها من ذوي الاحتياجات الخاصة. كما تتجلي مكانة المرحومة نجاة عند سواد الناس في الكم الهائل من المشيعين الذين تقاطروا علي مقابر الصحافة للمشاركة في الصلاة والدفن حتي غصت بهم المقابر علي سعتها مما يذكرنا بالمشهد الجلل، صبيحة تشييع الشهيد الزبير محمد صالح وصحبه الابرار .

وفي الوقت الذي نختتم فيه مقالنا هذا نرفع اكف الدعاء والضراعة الي المولي العزيز القدير، اللهم ارحم نجاة واغفر لها واجعل عملها صالحاً متقبلاً. اللهم الزم زوجها محمد مندور وابنائها مندور وعبد المجيد  ولينا ولدن ورزان وكافة أفراد الأسرة الصبر الجميل،واسبغ عليهم سكينة لا يفزعوا بعدها ابداً واجعل البركة في هذه الذرية الصالحة الي يوم الدين. اللهم انا احتسبنا نجاة عندك، يامن بيده الامر فاجعل الجنة مثواها وذلك نعم الجزاء لعبادك المؤمنين، وآخر دعوانا سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام علي المرسلين والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة الا بالله.

 

آراء