نحو تغيير ترجمة (atheist) الى معناها الحقيقي .. بقلم: أمل الكردفاني
/ ألحدَ عن / ألحدَ في .. يُلحد ، إلحادًا ، فهو مُلْحِد ، والمفعول مُلْحَد .
لاحظ ان كل هذه التعريفات تعريفات تربط اللا انتماء الديني بوجود الدين ، لقد سبق ان ذكرت ان الالحاد منتج فطري ، فهو لا يرتبط بالدين وان كان الدين يرتبط به ، الالحاد لا يرفض لانه لا يؤسس بل الدين هو ما يؤسس ، الالحاد ليس تخلي ، بالدين هو تجديد للتملك ، لأن الالحاد (خلو) وليس (مخرجا تفكريا) كما اسلفت في مقال سابق ومقال آخر عن الالحاد (بذاته) ، هنا يجب ان نبحث عن بديل يحقق عذه الشروط عند ترجمة كلمة atheist ليعبر اولا عن كون الالحاد (خلو) وعن كونه مجردا عن الدين بل (بذاته) . لأن ترجمة اللغة ليست دقيقة . لاحظ تعريف قاموس اكسفورد للكلمة:
هناك قصص كثيرة لأطفال تربوا مع الحيوانات ، كجون سيبونيا ، الذي رأى اباه وهو يقتل أمه ففر هاربا الى الغابة وهو بعمر الرابعة فربته قردة الغابة ، وكذلك فتاة سيبيريا ناتاشا التي عاشت محبوسة في غرفة مع القطط والكلاب ، وأطفال آخرين عدة تربوا في الادغال ومع الحيوانات. المظهر الأول أن عدم احتكاك هؤلاء الأطفال بالبشر جعلهم يكتسبون صفات حيوانية محضة ، كما انهم كانوا أقل ذكاء من مستوى الاطفال الذين تربوا مع البشر ، والأهم من ذلك كله أنه لم تظهر أي ميول نحو تقديس او عبادة لشيء أو كائن ، ففكرة الدين على خلاف ما يطلق عليها ليست فطرية كما يشاع عنها ، رغم صعوبة تحديد مفهوم حاسم للفطرة التي يمكن ان نتخير لها كلمة innateness لتعبر عن حافز ذاتي او عقلي بدلا عن كونه أمرا مكتسبا ، ولو كان الدين فطري لأدى ذلك الى عدة نتائج منها أنه ما كان من حاجة لبعث الأنبياء والرسل ولا الكتب المقدسة ولا احداث معجزات لاقناع البشر بالدين ، كما أن فطرية الدين تعني بالضرورة تساوي جميع الأديان لأن الفطري متساو عند البشر بلا شك مادام نابعا من ذاتية مطلقة للعقل البشري ككل. اذا فالدين ليس فطريا بل هو تساؤلات لاحقة او رد فعل لاحق على الفطرة ، ربما يكون منشأ الدين منذ عبادة الطوطم محاولة لتفسير الظواهر التي كانت تدهش الانسان البدائي أو حالة بحث عن قوى ما ورائية تتحكم بالطبيعة ، فكما يقول الفرد ادلر فإن كافة الحيوانات تتصل غريزتها بالطبيعة ماعدا الانسان الذي يولد متحررا من هذا الاتصال ، ورغم أن هذا يعتبر نقصا وضعفا من جانب جهل الانسان الكامل بالطبيعة الا انه في نفس الوقت مصدرا لقوة الانسان حيث يتمثل جوهر وظيفته انطولوجيا في اكتشاف الطبيعة بل والسيطرة عليها ثم تسخيرها لخدمته. بحث الانسان أولا عن قوى ما ورائية تتحكم بالطبيعة ومحاولاته الدؤوبة للاتصال بهذه القوى عبر السحر والكهانة والنبوة أخيرا هو بحث عن الشعور بالأمان لدرء أخطار الطبيعة عنه قبل كل شيء.. فهناك اله للخصب والنماء وهناك اله للجدب ، هناك اله للظلام واله للنور ، اله للشر واله للخير ، هناك اله للاعاصير وآخر للبراكين وآخر للزلازل …الخ وهذا ما اطلق عليه العالم الاسكتلندي هنري درموند بإله الفراغات “God of the gaps” ، حيث يبرز الإله في كل منطقة مجهولة في الطبيعة لدى الانسان . فحينما تسقط الصواعق أمام الانسان البدائي على انسان آخر او حيوان فترديه قتيلا يبحث الرجل البدائي عن علة حدوثها بشكل غير علمي بل ينسبها مباشرة للقوى الماورائية ، وعندما تتطور معرفة الانسان ويكتشف السبب العلمي للصواعق ، ينتهي دور هذه القوى ، وهكذا يظل الانسان يستخدم الإله كسبب لكل ما يجهله الى أن يزول عنه هذا الجهل. ثم أن الدين وعبر وكلائه السماويين تحول من دوره المطمئن لمخاوف الانسان الى دوره في تشكيل الهرمية السياسية داخل الأسرة ثم القبيلة ثم المدن ثم الامبراطوريات ثم الدولة الحديثة . وهذا الانقلاب في دور الدين هو الذي نقل الدين نفسه من اشكال بدائية طوطمية الى اشكال أخرى ازدادت تعقيدا وتدخلا في مختلف جوانب حياة الانسان ؛ هذا دون أن نهمل دوره في تحقيق فكرة الخلود القديمة في مخيال الانسان. خلاصة القول أن الدين ليس فطرة كما يشاع بل على العكس من ذلك تماما ، فالدين منتج تفكري لاحق لتهيئة المناخ من حوله اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا وانطولوجيا.
(2) المقال الثاني:
تعج وسائل التواصل الاجتماعي بجدل ساذج جدا حول الالحاد ، هناك تصور عام بأن الالحاد يعتمد على نظريتي التطور والانفجار العظيم ، كما ان هناك اعتقاد بأن الالحاد مرتبط بفهمنا لبعض العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء..؟؟؟ وهذه الاعتقادات تقلب حقيقة العلاقة بين الدين والعلم ، والالحاد والايمان، فأولا يجب فهم أن الدين عموما هو طرح اجابات غيبية لتساؤلات ميتافيزيقية ، فالدين يجيب على العلة الاولى التي انتجت الوجود ، الدين هنا لا يطرح معادلات رياضية بل قصة ، او حكاية ، منذ الاديان الهندية والاشورية والفرعونية ومرورا باليهودية وما نتج عنها. هنا لا توجد قضية علمية يمكن دحضها بل مجرد اقصوصة اما ان تؤمن بها ايمانا اعمى او تتركها.. ولذلك فالالحاد لا يحتاج لنظريات علمية لدحض ما هو ليس بعلمي ، لا يحتاج لنظرية التطور ولا الانفجار العظيم ، فالالحاد سابق عليهما ، بل لا يعتمد عليهما كما يظن البعض ، فالنظريات العلمية قابلة للدحض كما قال بوبر ، قابلة لأن تنهار وتحل محلها نظريات أخرى ، بل أن العلم ليس أكثر من نظريات تلغي بعضها البعض ليتشكل التطور العلمي.
لا توجد تعليقات
