نحو مذهب إسلامي فى الإشتراكيةوالعدالة الإجتماعية ” البعد الإقتصادى لمفهوم الإستخلاف”

د. صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الإسلامية فى جامعة الخرطوم

تعدد دلالات مفهوم الإشتراكية:لهذا المفهوم – ككل المفاهيم – دلالات متعددة ، ومنها:

أولا: دلالة عامة- مشتركة : تتمثل فى المصطلح كمفهوم مجرد، وطبقا للمعنى الذى تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج.

دلالة خاصة – منفردة :تتمثل في تطبيق مفهوم الاشتراكية في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا، وطبقا لمعنى تفهمه فلسفة ومنهج معرفه معينين من المفهوم.

المواقف المتعددة من مفهوم الاشتراكية:

أولا:موقف القبول المطلق “التغريب والإستلاب الحضارى “: يقوم على القبول المطلق للمفهوم ، اى قبول كافه دلالاته، دون تمييز بين ما هو إيجابي وسلبي منها . فهو موقف يقوم – حضاريا – على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، لا يمكن أن يتم إلا بإجتثاث الجذور، وتبني قيم المجتمعات الغربية . وبالتالي فهو موقف يستند إلى التغريب، الذي مضمونه أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي جاء بها الإسلام- الذى يشكل الهيكل الحضارى للأمة- بمفاهيم وقيم وقواعد أخرى. فهووموقف يلزم منه الإستلاب الحضارى.

ثانيا:الرفض المطلق” التقليد والعزلة”: يقوم على الرفض المطلق للمفهوم، اى رفض كافه دلالات هذا المفهوم ، دون تمييز بين ما هو إيجابي وسلبي منها ، وهو موقف يقوم – حضاريا- على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، يكون بالعزلة عن المجتمعات المعاصرة وإسهاماتها الحضارية .

عدم تعبيره عن الموقف الإسلام الصحيح: من المفاهيم “النظرية “والتجارب “العملية ” الإنسانية ، فقد ذمه القران الكريم حتى فى معرض ذمه لموقف الكفار والمشركين، القائم على رفضهم المطلق للعقيدة الصحيحة وأنماط السلوك القويمة التي جاء بها الأنبياء، والذي يلازم قبولهم المطلق للعقائد الفاسدة وأنماط السلوك القبيحة المتوارثة من الآباء ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (الأعراف:28) ، ويرتبط هذا الموقف ارتباطا عضويا بالتقليد الذي مضمونه قبول قول القائل بدون دليل ، والذي يرفضه الإسلام والذي نهى عنه الائمه يقول الإمام بن حنبل ( لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري، وخذوا من حيث اخذوا) (ابن القيم أعلام الموقعين،ج2، ص302).

تبنى الموقف السلبي من التجارب الاشتراكية: ويتبنى ويتفق مع الموقف السلبي- لمنظري الرأسماليةوالمدافعين عنها في الغرب – من التجارب الاشتراكية، والقائم على القول بالفشل التام للاشتراكية كنظام اقتصادي، استنادا إلى واقعة انهيار وتفكك الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية .

تجاهل حقائق: وهو يتجاهل عدة حقائق:
أولا: ان الماركسية -التى كان يتبناها الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية- تمثل إحدى الدلالات الخاصة المنفردة لمصطلح الاشتراكية، ولا تمثل كل دلالاته ، اى أن ما تم تطبيقه هو نظام اشتراكي معين “ماركسي “، وليس كل النظم الاشتراكية،وبالتالي لا يجوز نسبة الفشل إلى الاشتراكية ككل ، ولكن يحوز نسبته إلى نظام اشتراكي معين .

ثانيا: أن هناك نظم اقتصادية اشتراكية أخرى تم ويتم تطبيقها ، فى مناطق أخرى فى العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتى ، منها تجارب اليسار الجديد في أمريكا اللاتينية ،و الاشتراكية الديموقراطية في الغرب ، والتي هي سبب أساسي لاستمرار النظام الراسمالى ، لأنه استعار من الاشتراكية الكثير من النظم والآليات: كالضمان الاجتماعي ،والرعاية الصحية ،ومكافحة الفقر ،والضرائب التصاعدية وحماية حقوق العمال.

ثالثا : أن فشل تجربة ما لا يعني خلوها من اى ايجابيه، بل يعني غلبه السلبيات على الايجابيات، وبالتالي فان الموقف الصحيح من اى تجربه – فاشلة او ناجحة- ليس هو موقف الرفض المطلق ،بل هو الموقف النقدي ،القائم على رفض السلبيات وأخذ الايجابيات.

الإختلاف فى المقدمه والاتفاق في النتيجة: وهنا نلاحظ أن الموقف الثاني “
الرفض المطلق ” كان أساسا رد فعل على الموقف الثاني” القبول المطلق”، إلا أن الموقفين رغم تناقضهما في المقدمات، إلا إنهما ينتهيان إلى نفس النتيجة ، وهى افتراض أن هناك تناقض “مطلق” بين الدين طعلى وجه العموم، والإسلام على وجه الخصوص، و مفهوم الاشتراكية “بكافه دلالاته”، ولا يمكن إلغاء هذا التناقض إلا بإلغاء الأول ” كما في الموقف الأول” ، أو إلغاء الأخير ‘بكافه دلالته ‘ “كما في الموقف الثاني”.

ثالثا: الموقف التقويمى ‘النقدي’ “التجديد والجمع بين الأصالة والمعاصرة”: يتجاوز موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق، إلى موقف تقويمى ‘ نقدي’ من مفهوم الإشتراكية، يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة للمفهوم ، وقبول ما هو ايجابي من هذه الدلالات، ورفض ما هو سلبي منها.

الإتساق مع الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم والتجارب الإنسانية: فقد اشارت اليه الكثير من النصوص : قال تعالى ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..)(الزمر:17-18) .و وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم) (لا يكن أحدكم إمعة… بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا،وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم)، وهو الموقف الحقيقي لعلماء الإسلام من من كثير من المفاهيم والمجالات المعرفية ، كموقف الإمام ابن تيمية الذي يقول في تقييم التصوف على سبيل المثال ” …تنازع الناس في طريقهم.. فطائفة ذمت “الصوفية والتصوف”… وطائفة غلو فيهم… وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. ..” .

لا تناقض “مطلق” بين الإسلام والاشتراكية: هذا الموقف يرى انه ليس ثمة تناقض “مطلق” بين الإسلام و مفهوم الاشتراكية،اى تناقض بين الإسلام وكل دلالات مفهوم الاشتراكية، وان كان من الممكن وجود تناقض “محدود” بينهما ، اى تناقض بين الإسلام وبعض دلالات المفهوم ، وهو ما يمكن إلغائه بأخذ الدلالات التي لا تتناقض مع الإسلام، ورد الدلالات التي تتناقض معه. اتساقا مع هذا فان هذا الموقف يرى أن الإسلام كدين – لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة لمفهوم الاشتراكية، التى تتضمن التحرر من القهر الاقتصادي وسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج والتخطيط الاقتصادي والملكية العامة لوسائل الإنتاج الاساسيه، لأن الإسلام كدين قائم – على مستوى أصوله النصية الثابتة – على أن الله تعالى هو المالك الحقيقي للمال ( وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )(المائدة: 17)، وأن الجماعة هي المستخلفة – أصلا- في الانتفاع به، أما الفرد فوكيل عنها في الانتفاع به على وجه لا يتناقض مع مصلحتها (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)(الحديد: 7). أما الدلالات الخاصة المنفردة ، ومفهوم الاشتراكية” والتي تتضمن المفهوم الماركسي للاشتراكية ” ، فيرى هذا الموقف ان بعضها يتناقض مع الإسلام وبعضها لا يتناقض معها ، وبالتالي فان الموقف الصحيح منها هو على اخذ وقبول ما لا يتناقض مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة من هذه الدلالات ، ورد ورفض ما يتناقض معهما.
هذا الموقف يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام ،التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة سواء كانت من إبداع المسلمين ، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى.

بين مصطلحي العدل الاجتماعي والاشتراكية: إن ما سبق من حديث هو عن مضمون مفهوم الاشتراكية , أما على المستوى الاصطلاحي، فان هناك من يرفض استخدام مصطلح الإشتراكية، فضلا عن ربطه بالإسلام ،بالحديث عن مذهب اسلامى في الاشتراكية ، ويفضل استخدام مصطلحات أخرى كمصطلح العدالة الاجتماعية، ومرجع هذا الرفض أن مصطلح الاشتراكية اقترن في الأذهان الكثيرين بإحدى دلالاته الخاصة المنفردة ، اى الماركسية التي اتخذت موقفا سلبيا من الدين . غير أن هناك آخرون يرون انه لا حرج من استخدام مصطلح الاشتراكية بإعتبار أن المصطلح اشتق من لفظ عربي استعمله الرسول (صلى الله عليه وسلم
) والصحابة (رضي الله عنهم ) وذلك في قول الرسول(صلى الله عليه وسلم)(الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار)، وفى قول أبى عبيد صاحب كتاب الأموال ( أن عمر رأى أن كل المسلمين في هذا المال شركاء) “عبد المنعم محمد خلاف ، المادية الاسلاميه وأبعادها، دار المعارف، طبعه ثانيه، ص130 “، وقد شاع استخدام مصطلح الاشتراكية حتى عند المفكرين الإسلاميين خلال القرن الماضي، نسبه لشيوع المصطلح حينها. والواقع من الأمر أن هناك ارتباط بين مصطلحي الاشتراكية والعدل الاجتماعي ، غير أن الحديث عن المصطلح الأول هو حديث على مستوى النظم الاقتصادية ، بينما الحديث عن المصطلح الثاني هو حديث على مستوى قيمي، اى حديث عن قيمه ينبغي ان تضبط النشاط الاقتصادي، غير انه يفضل تقييد استخدام المصطلح الأول “الاشتراكية ” ، بتحديد الدلالة التي يقصدها مستخدم المصطلح ، لان بعض دلالات هذا المصطلح مرفوضة – اتساقا مع هذا الموقف كان حديثنا هنا عن مذهب اسلامى في الاشتراكية – بينما يمكن استخدام المصطلح الثاني “العدالة الاجتماعية ” بشكل مطلق، لان دلالته أو أغلبها محل اتفاق وقبول.

الموقف التقويمى من مفهوم الاشتراكية يؤسس لمذهب اسلامى معاصر في الإشتراكية والعدالة الإجتماعية : وهذا الموقف التقويمى “النقدي” من المفهوم ، يؤسس لمذهب إسلامي معاصر في الاشتراكيه، ياخذ دلالات مفهوم الاشتراكية التي لا تتناقض مع الإسلام، ويرد الدلالات التي تتناقض معه . ويقبل ما هو ايجابي من دلالات هذا المفهوم، ويرفض ما هو سلبي منها.

تعدد المذاهب الاشتراكيه يبرر قيام مذهب اسلامى في الاشتراكية: كما سبق ذكره فان لمصطلح الاشتراكية دلاله عامه- مشتركه ، كما أن له دلاله خاصة – منفردة. اتساقا مع هذا فقد تعددت مذاهب الاشتراكية،التي تمثل بعض الدلالات الخاصة المنفردة لمصطلح الاشتراكية، ومن هذه المذاهب:الاشتراكية الطوباوية /الاشتراكية العلمية “الماركسية”/ الاشتراكية الفابيه / الاشتراكية الديمقراطية الاشتراكية الفوضوية “اللاسلطوية / التحررية”/ الاشتراكية الدينية/ لاهوت التحرير …هذا التعدد المذهبي المشار إليه أعلاه يبرر – على المستوى النظري – قيام مذهب إسلامي معاصر في الاشتراكيه ، يشترك مع غيره من المذاهب الاشتراكية في الدلالة العامة – المشتركة للمفهوم ،ويمثل في ذات الوقت احد الدلالات الخاصة المنفردة للمفهوم، وتأكيدا لهذا-على المستوى العملي – فقد ظهرت العديد من المذاهب الاسلاميه في الاشتراكية، عبر عن جملتها بمصطلح “الاشتراكية الإسلامية “.

نحو فهم صحيح لمفهوم ” الإقتصاد الإسلامى”: لا يتحقق إلا بالتمييز ” وليس الفصل” بين مستويات المجال الإقتصادية الثلاثه:
أولا: الفلسفة الإقتصادية الآسلامية : الفلسفة الإقتصادية هى المفاهيم الكلية المجردة التى تسبق النشاط الاقتصادى. أما الفلسفة الاقتصادية الإسلامية فقائمة على مبادئ كليه ، اشرنا اليها أعلاه، عند الحديث عن المبادئ الكلية للمذهب الإسلامى .اما الموقف من الفلسفات الاقتصادية الأخرى فهو على اخذ وقبول ما لا يناقض المبادئ السابقة، ورد ورفض ما يناقضها.
ثانيا: المذاهب الاقتصادية الاسلاميه : المذاهب الإقتصاديةهي النظم والإشكال الفنية الاقتصادية. اما المذاهب الاقتصادية الاسلامية فهى المذاهب الملائمة لتحقيق هذه المبادئ الكلية في زمان ومكان معين ، وهى خاضعة لاجتهاد المسلمين. وبالتالي يمكن للمسلمين الاستفادة من إسهامات المذاهب والنظم الاقتصادية الأخرى بشرط اتفاقها مع هذه المبادئ الكلية وواقع المجتمعات المسلمة.
ثالثا: الموقف من علم الاقتصاد: علم الاقتصاد هو الظواهر الجزئيه العينيه والقوانين الموضوعيه التى تضبط حركتها. أما معيار أخذ أو رفض إسهامات المجتمعات الأخرى في مجال علم الاقتصاد التجريبي، فهو التجربة والاختبار العلميين، فما تحقق من صحته وجب قبوله، وما تحقق من خطأه وجب رفضه طبقاً لهذا المعيار.

الإقتصاد الاسلامى وموقفه من النظم الاقتصادية المعاصرة:

الإشتراكية والإتفاق مع دلالتها العامة والإختلاف مع بعض دلالاتها الخاصه: كما اشرنا سابقا ، فإن الدلاله العامة- المشتركة لمفهوم الاستراكية، والتى تتضمن التحرر من القهر الإقتصادي ،والتخطيط الإقتصادي، والملكية العامة لوسائل الإنتاج الأساسية… لا تتناقض- على وجه الاجمال- مع الفلسفة الاقتصادية الاسلاميه، القائمة على أن الجماعة هي المستخلفة عن الله تعالى مالك المال في الانتفاع به، وان الفرد والحاكم هما نواب ووكلاء عن الجماعة، في إدارته على الوجه الذي يحقق مصلحتها.
اما دلالته الخاصة- المنفردة المتضمنه لتطبيقه فى واقع معين. وطبقا للمعنى الذى تفهمه فلسفه ومنهج معينين” فتتضمن المذاهب الإسلامية فى الإشتراكية ، وتشترك فى الدعوة إلى إشتراكية دينية ، معتدلة، تجمع بين الأبعاد المادية والروحية، ودور الدولة ودور المجتمع والافراد، والملكيه العامه والملكيه الفردية المقيدة بمصلحه الجماعة… فبعضها يتعارض معها وبعضها لا. كما تتضمن هذه الدلالة الخاصه مذاهب اجنبيه فى الاشتراكية، والموقف الصحيح من هذه المذاهب، يقوم على رفض ما تناقض منها مع ثوابت الدين النصية، وواقع المجتمعات المسلمة، وقبول ما لم يتناقص معهما.

الراسمالية والتناقض مع دلالتها العامه وعدم التناقض مع بعض دلالاتها الخاصة: وعلى النقيض من الإشتراكية فإن الدلالة العامه للراسمالية، كاساسها الفلسفى ” المادى- الربوى- اللاانسانى”، واساسها المذهبى الفردي المطلق القائم على تقديم مصلحه الفرد على مصلحه الجماعة، وعدم تدخل الدوله لتنظيم النشاط الاقتصادى، وعدم وضع ضوابط قيميه ودينية له … أمادلالتها الخاصه فتتضمن بعض المفاهيم والتطبيقات العمليه الجزئية التى لا تتناقض مع الفلسفه الاقتصاديه الاسلامية، التى يمكن الأخذ بها.

تصحيح الفهم الخاطى لمفهوم وسطية الإقتصاد الاسلامى:

الاقتصاد الاسلامى وسط بين الراسمالية والشيوعية: الإسلام – استنادا الي مفهوم الوسطية – يستند الى فلسفه اجتماعيه ، توازن بين الفرد والجماعة (من خلال التأكيد علي ان الجماعة بالنسبة للفرد، كالكل بالنسبة للجزء، تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم”مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ،إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى” )، فهو وسط بين الفلسفات والنظم الإقتصادية الفردية” التي تؤكد على الفرد لتلغى الجماعة”،كالفلسفة الإقتصادية الليبرالية، والنظام الاقتصادي الراسمالى كتطبيق اقتصادي لها، والفلسفات والنظم الاقتصاديه الجماعية ” التى تؤكد على الجماعه لتلغى الفرد” كالفلسفة الإقتصادية الماركسية ،والنظام الاقتصادي الشيوعي كتطبيق اقتصادى لها .

خطا القول ان الاقتصاد الاسلامى وسط بين الراسماليه والاشتراكية : وهنا يتضح لنا خطا القول ان الاقتصاد الاسلامى هو وسط بين الراسماليه والاشتراكية ، اذا ان الاخيره نظام اقتصادي اجتماعي- وهو ما يتضح من دلاله المصطلح ذاته فى اللغةالانجليزية( SOCIALESM) – وليست نظام اقتصادي جماعي – إلا في صيغها المتطرفة-، وهناك مصدر اخر لهذا الخطأ هو الفهم الخاطئ لكون الإسلام يقوم على التوازن بين الفرد والجماعة، استنادا الى مفهوم الوسطية ، والذي يقوم على الاعتقاد ان الإسلام يساوى بين الفرد والجماعة فى الدرجة، فى النظم الاجتماعية ، وهو غير صحيح، فالتوازن بين الفرد والجماعة في الإسلام، يقوم على ان التشريع الاسلامى فى العبادات يجعل الفرد هو الاصل ،والجماعة هى الفرع ، بينما يجعل فى المعاملات الجماعة هي الأصل”الكل”، بينما الفرد هو الفرع “الجزء” .

الأسس النظرية للمذهب الاسلامى في الاشتراكية:

البعد الاقتصادى لمفهوم الاستخلاف : وفيما يلي نعرض للبعد الاقتصادى لمفهوم الاستخلاف” الإستخلاف الإقتصادى”، الذى يؤسس لمذهب اسلامى للإشتراكية والعدالة الإجتماعية، ينطلق مع المبادئ الكلية للفلسفة الاقتصادية الإسلامية.

المبادئ النظرية الكلية للمذهب: و هذه المبادئ الكلية هي :

أولا:إسناد ملكية المال لله تعالى وحده: قال تعالى ﴿ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾(النور: 33)،والمقصود بالملكية هنا حق التصرف المطلق بالمال ،وهو ما يقارب مفهوم الملكية الخاصة في الرأسمالية .

ثانيا: ان الجماعة هي المستخلفة عنه تعالى أصلا في الانتفاع به: على الوجه الذي يحدده ملك المال تعالى المنزه عن الانتفاع به ، أما الفرد فنائب وكيل عنها فى الانتفاع به، يقول تعالى:﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾( الحديد: 7).

الأصول النظرية للمذهب : اتساقا من المبادئ الكلية السابقة الذكر يقوم على ثلاثة أصول هي:

الأصل الأول: حق الجماعة في الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية: إذا كان الله تعالى مالك المال ، فقد استخلف الجماعة في الانتفاع به، فان للجماعة حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية دون الفرد، وأدلة ذلك قال (صلى الله عليه وسلم)( الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار (رواه أحمد وأبو داود) .

الأصل الثاني: الدولة نائب عن الجماعة: أن انتفاع الجماعة بمصادر الثروة الرئيسية ،يكون بان تتولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها. قال تعالى ﴿يأيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، دلت الآية على وجوب طاعة أولي الأمر ونستخلص من هذا الأمر إن يكون لأولياء الأمر (إي الدولة) إدارة الإنتاج بما يحقق مصلحة الجماعة. قال (صلى الله عليه وسلم)(من ترك مالا فلورثته ومن ترك دين أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه اقروا إن شئتم قوله تعالى “النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم”). وتطبيقا لذلك قال عمر بن الخطاب “لو أن عناقا ‘ عنزا ‘ذهب بشاطئ العراق لأخذ بها عمر يوم القيامة”.

الأصل الثالث: حق الفرد المشروط في الانتفاع بمصادر الثروة الثانوية: أما ما دون مصادر الثروة الرئيسية ،فان للجماعة أن تتركه حقا ينتفع به الفرد “القطاع الخاص”،بشرط أن لا يتعارض ذلك مع مصلحتها.

المواقف التطبيقية للمذهب:

  • التأكيد على الدور الأساسى للدولة، في إدارة النشاط الإقتصادى . مع العمل على إصلاح وتطوير القطاع العام ، و تطهيره من البيروقراطية والفساد.
  • العمل على إقامة اقتصاد وطنى قائم على التنمية المستقلة، والتعاون الاقتصادى المتكافئ.
  • رفض التبعية الاقتصادية و واخضاع الاقتصاد الوطنى للسياسات المديره للمؤسسات الاقتصاديه الراسمالبة الدوليه ” صندوق النقد الدولى، البنك الدولى، منظمه التجاره العالمية…”..
  • التصدى محاولات تطبيق النظام الاقتصادى الراسمالى ” المادى- الربوى- اللانسانى ” تخت شعارات مثل ” الانفتاح / التحرير / الإصلاح.. الاقتثادى – الخصخصه- رفع – ترشيد – الدعم، والبحث عن بدائل واقعية له.
  • توجيه القطاع الخاص والإستثمار الأجنبى، نحو المجالات الإنتاجية، التي تحقق الفائدة للمجتمع
    ، وليس التركيز المجالات الاستهلاكية ، على حساب المجتمع.
  • تفعيل مؤسسات الضمان الاجتماعي،ودعم الشرائح الإجتماعية الضعيفه.
  • رفض خصخصة المؤسسات الإستراتيجية والسلع الضرورية.
    .تفعيل مؤسسات المجتمع المدني” كالنقابات”.
  • تفعيل وتطوير العمل الخيري والوقفى..

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

نحو مبادرة شعبية لمكافحة الغلاء “من التلقائية الى التنظيم”

د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الإسلامية فى جامعة الخرطومsabri.m.khalil@gmail.com اولا: مكافحه الغلاء فى …