صلاح الحبو
في التحولات العنيفة التي يعيشها السودان اليوم، تبدو الأزمة أبعد من توصيفها التقليدي باعتبارها حرباً أهلية أو انهياراً سياسياً أو تعثراً انتقالياً؛ إذ إن هذه المقاربات، على أهميتها، تظل عاجزة عن النفاذ إلى البنية العميقة للمأزق السوداني. فالأزمة، في أحد مستوياتها الأكثر خطورة، ليست مجرد أزمة سلطة أو اقتصاد أو جغرافيا، وإنما أزمة تفكك في النظام الرمزي المنتج للوعي الجمعي، وانهيار في آليات إنتاج المعنى الوطني، الأمر الذي أفضى إلى حالة يمكن توصيفها بـ«نزوح الوعي السوداني».
ولا يُقصد بهذا النزوح فقط الهجرة الواسعة للكفاءات والعقول، على فداحة ذلك، بل انتقال الوعي نفسه من مركز الفعل التاريخي إلى هامش الانفعال والنجاة الفردية. فالمجتمع الذي ظل لعقود ينتج خطاباً ثقافياً وسياسياً كثيفاً، ويتفاعل مع قضاياه بوصفه فاعلاً في التاريخ، أصبح يعيش حالة إنهاك معرفي جعلته أقرب إلى التلقي السلبي للأحداث من القدرة على تفسيرها أو إعادة تشكيلها.
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية «حوكمة المعنى» بوصفها واحدة من أخطر أزمات السودان المعاصر. فالدول لا تُدار فقط عبر المؤسسات والقوانين وأجهزة السلطة، وإنما أيضاً عبر قدرتها على إنتاج معنى جامع لفكرة الوطن والعدالة والانتماء والشرعية. وعندما تفشل النخب والمؤسسات في إدارة هذا المجال الرمزي، تدخل المجتمعات في حالة اضطراب دلالي تفقد فيها اللغة السياسية قدرتها على الضبط، ويتحول المجال العام إلى مساحة مكتظة بالشعارات وفقيرة في الرؤية.[1]
لقد دخل السودان، خلال العقود الأخيرة، في طورٍ معقد من تآكل المرجعيات الكبرى التي كانت تحفظ الحد الأدنى من التماسك الوطني. ولم يعد الانقسام قائماً فقط بين قوى سياسية أو مكونات اجتماعية، بل بين أنظمة إدراك متنافرة، لكل منها تعريفها الخاص للوطن والشرعية والتاريخ. وهكذا انتقل الصراع من التنافس على السلطة إلى التنازع على تفسير الواقع ذاته، وأصبحت المعركة الحقيقية تدور حول من يملك حق تعريف السودان ومعناه ومستقبله.
وتكمن خطورة هذه الحالة في غياب المركز المعنوي القادر على تنظيم السرديات المتصارعة ضمن أفق وطني جامع. فحين تتفكك المعاني المؤسسة للدولة، يصبح كل شيء قابلاً لإعادة التعريف وفق ميزان القوة اللحظي، لا وفق مرجعية أخلاقية أو دستورية مستقرة. وفي هذه اللحظة، يفقد المجتمع يقينه الجمعي، وتتحول الوطنية إلى خطاب تعبوي مؤقت، بينما تتشظى الذاكرة العامة إلى ذواكر جزئية متصارعة.[2]
ومن منظور بنيوي، يرتبط نزوح الوعي السوداني بصورة مباشرة بانهيار مؤسسات إنتاج العقل العمومي. فالتعليم تراجع من كونه مشروعاً لبناء الإنسان إلى مجرد أداة للترقي الاجتماعي، والإعلام انحدر ـ في كثير من الأحيان ـ إلى صناعة للضجيج والاستقطاب، بينما انشغلت قطاعات واسعة من النخب بإدارة الاصطفافات الأيديولوجية أكثر من انشغالها بإنتاج معرفة نقدية قادرة على تفسير التحولات العميقة في المجتمع.[3]
وقد ترتب على ذلك ما يمكن وصفه بحالة «الاغتراب الإدراكي»، حيث أصبح المجتمع عاجزاً عن قراءة نفسه بصورة متماسكة، وفقدت اللغة العامة قدرتها على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المشروع الوطني والمصالح المؤقتة. وهنا تتجلى أخطر نتائج غياب حوكمة المعنى؛ إذ لا يعود الانهيار مادياً فقط، بل يتحول إلى انهيار في البنية الذهنية التي تمنح المجتمع قدرته على الاستمرار التاريخي.
إن أخطر ما في التجربة السودانية الراهنة هو اعتياد الفوضى بوصفها وضعاً طبيعياً. فالتكرار المستمر للأزمات والحروب والانهيارات خلق نوعاً من التكيّف الكارثي، حيث تتراجع التطلعات الجمعية الكبرى لصالح استراتيجيات النجاة الفردية والهجرة والانكفاء الاجتماعي. ومع الوقت، يتحول هذا الاعتياد إلى شكل من أشكال استنزاف الوعي، فتفقد الجماعة الوطنية قدرتها على الحلم المشترك، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم في لحظات الانكسار التاريخي.
لقد ظل السودان يمتلك كثافة سياسية عالية، لكنه عانى في المقابل هشاشة عميقة في إنتاج المعنى الوطني الجامع. فالدولة التي لا تنجح في بناء سردية كبرى تستوعب تنوعها الثقافي والاجتماعي، تصبح عرضة للتشظي عند أول اهتزاز عنيف. ولذلك فإن الأزمة السودانية ليست فقط أزمة إدارة دولة، بل أزمة إدارة معنى؛ أي أزمة في القدرة على إنتاج فكرة جامعة للسودان نفسه.[4]
ومن هنا، فإن استعادة السودان لا يمكن أن تتم فقط عبر الاتفاقات السياسية أو ترتيبات تقاسم السلطة، بل عبر إعادة تأسيس المجال الثقافي والمعرفي الذي يعيد الاعتبار للعقل العمومي، وينتج سردية وطنية قادرة على ترميم الثقة بين المجتمع والدولة، وبين الإنسان وذاكرته الجماعية.
فالأمم لا تنهار فقط عندما تخسر مواردها أو جيوشها، وإنما تنهار ـ على نحو أعمق ـ عندما تفقد قدرتها على تفسير ذاتها، وحين يصبح وعيها الجمعي نازحاً خارج مركزه الحضاري. وفي هذا المعنى، تبدو المأساة السودانية الراهنة مأساة وعيٍ أكثر من كونها مأساة سلطة؛ لأن السلطة يمكن إعادة بنائها، أما الوعي إذا فقد مركزه، فإن استعادته تحتاج إلى مشروع حضاري طويل يعيد للإنسان السوداني ثقته بمعنى الوطن والتاريخ والمستقبل.
هوامش بسط المفاهيم
[1] حوكمة المعنى:
قدرة الدولة والنخب والمؤسسات الثقافية على تنظيم المجال الرمزي للمجتمع وإنتاج سردية وطنية جامعة تحفظ التماسك الاجتماعي والمعرفي.
[2] التفكك الدلالي:
حالة انهيار المرجعيات المشتركة للمفاهيم الوطنية والسياسية بما يؤدي إلى تعدد متصارع في تفسير الهوية والوطن والشرعية.
[3] العقل العمومي:
المجال المعرفي والثقافي الذي تتشكل داخله الرؤية الجمعية للمجتمع عبر التعليم والإعلام والمؤسسات الفكرية.
[4] الاغتراب الإدراكي:
حالة يفقد فيها المجتمع قدرته على قراءة ذاته وواقعه بصورة متماسكة نتيجة اضطراب المعايير المعرفية والرمزية.
مراجع استرشادية
عبد الله علي إبراهيم، الثقافة والديمقراطية في السودان، دار عزة للنشر، الخرطوم.
محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر، دمشق.
Pierre Bourdieu, Language and Symbolic Power, Harvard University Press, 1991.
Benedict Anderson, Imagined Communities, Verso, London, 1983.
Zygmunt Bauman, Modernity and Ambivalence, Polity Press, 1991
