قال الزول الساي ، الما بقعد ساي ، وما بسكت ساي : زمان ، كانت الحبوبات والأمهات والأخوات والخالات والعمات السودانيات غير متعلمات ولا يعملن خارج البيوت ، كانت المرأة السودانية ، بصفة عامة ، متخصصة في الأعمال المنزلية اليومية من كنس وطبخ وغسيل وحمل وولادة وتربية أولاد ، لكن كل تلك الأعمال المنزلية الشاقة لم تكن تجد التقدير المطلوب من الرجال وحتى رجال الاقتصاد يعتبرون تلك الأعمال الجليلة مجرد أعمال هامشية ولا يحتسبونها في الدخل القومي ، مع العلم أن ما تكسبه خادمات المنازل الأجنبيات يحتسب في الدخل القومي وللبشر في حسابهم شؤون وشجون! زمان ، كان الرجال هم من يكسبون المال بالعمل خارج المنازل في الورش ، المزارع، المكاتب ، اعمال البناء وفي الأسواق وهلم جرا وكان الرجال ينظرون للمرأة نظرة دونية باعتبارها لا تكسب المال الذي يشكل عصب الحياة! ولهذا عندما كنا صغاراً نشأنا على مفهوم مفاده أن الولد أفضل من البنت والرجل أفضل من المره، وكنا نسمع أمثالاً ذكورية من قبيل (المره لو بقت فاس، ما بتشق الراس)! ، (المره شاورا وخالفا)!
الآن انقلب الواقع رأساً على عقب، البنات أصبحن يحرزن المراكز الأولى في الاختبارات ويتفوقن على الأولاد ، بنات العمات والخالات وحتى الحبوبات أصبحن خريجات جامعيات ونساء عاملات، المره أصبحت تعمل خارج وداخل البيت أيضاً، فهناك الطبيبات والمهندسات والمحاميات والموظفات والمذيعات والفنانات وستات الكسرة وستات الشاي وكلهن يكسبن المال الحلال جنباً إلى جنب مع الرجال بل أن المره تكسب أحياناً أكثر من الرجل الأمر الذي أدى لظهور أمثال نسائية استعلائية من قبيل (الراجل افجخي بصلة قبل ما يبقى أصلة) ! ومع ذلك هناك رجال مكابرون ، وأنا واحد منهم، ما زالوا يرددون الأمثال إياها مع علمهم بأن المره هسه لو بقت فاس ممكن تشق راسين مش راس واحد! وفي الغالب الراجل البيشاور ويخالف المره سيخسر في نهاية المطاف، فعقل المرأة يركز على عشرات التفاصيل الصغيرة الهامة بينما يركز عقل الرجل على الهدف الأكبر وتفوته كل تلك التفاصيل!
في الختام ، بصفتي رجل سوداني أقول: بطوعي واختياري وبحالتي المعتبرة شرعاً وقانوناً، أقر بدون نقض بأنني كثيراً ما كنت اتجادل مع زوجتي المحامية حول بعض المسائل القانونية والاجتماعية والشخصية المعقدة وكثيراً ما كنت استهين برأيها متبنياً منهج (المره شاورا وخالفا) ثم اكتشف لاحقاً أن رأيها هو الصواب فأعود واعتذر لها وعندما تكاثرت مجادلاتي وهزائمي واعتذاراتي أصبحت أؤمن، لكن تحت تحت، بالمثل السوداني الآخر الذي يقول للرجل بلهجة آمرة: (مرتك لو قالت ليك اطلع الجبل ، اطلع من بدار)! الآن ورغم اقتناعي التام بأن زوجتي هي الفائز الأكبر وأنني الخاسر الأكبر في أغلب المجادلات ، لكنني ما زلت أقول لها من وقت لآخر بدافع الاستعلاء الذكوري: (المره لو بقت فاس ، مابتشق الراس)! ومن المؤكد أن هذا النوع من العناد الذكوري الأرعن هو الاندراوه التي لا علاج لها والتي وردت في المثل السوداني العجيب الذي يقول (الجن بدّاوه كعبه الاندراوه) !!
فيصل الدابي/المحامي
menfaszo1@gmail.com
شاهد أيضاً
الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه
عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم