نوْمُ النّواطيْرِ وَصَحْوُ الثعَالِبِ . . .. بقلم: جمال محمد ابراهيم

أقرب إلى القلب :

 

jamal ibrahim [jamalim@yahoo.com]

(  1  )

              ثمة أسئلة ماثلة أمام مآلات  تنتظر البلاد في الأشهر القليلة القادمة ، مصاهرها تغلي  . وما عزوفي عن الخوض في شأن السياسة هذه الآونة  إلا لضيقي مما أكثر الناس فيه الحديث ، بما عرفوا وأحيانا بما جهلوا . عن  تعمد إذن ، إحجامي عن الولوج  من جديد في أمور السياسة وأنا في نعيم مصطنع بعد  انقضاء مهمتي دبلوماسيا في وزارة  الشئون الخارجية للبلاد . قد يكون في ذلك ما يغني من تفسير ، لكني أضيف عليه ، سبباً آخر يتصل بممارسة مهنةٍ   المخبوء فيها أكثر من المعلن ، كما أني أحرص كل الحرص على قسَمٍ لن أكسره ولن أحنث به  ، إلا إذا كتب الله أمراً غير ذلك ، وأباح لي أن أفصح بما لن يوقعني في خطأ الإفشاء  الذي يكون الإضرار منه أشد من الفائدة . لكن أيضاً لن أدع قلمي يتسكع في برية موحشة ، مــن ناحية . يعجبني قول ابي الطيب يسأل نفسه الكبيرة :

أصَخْرةٌ أنا مَالي لا تُحرّكُني                  هَذي المُدامُ   وَلا هَذي الأغَاريْدُ ؟

 

( 2   )

         لعل أول ما يتبادر في الذهن حول سياستنا الخارجية الآن ، هو التساؤل إن كانت تنطق بلسان واحد ،لا بألسنة شتى ، وتعبر بلغة مفهومة  لا برطانة ملتبسة لا قاموس لها  ولا أبجدية ، ذلك أن العالم الخارجي  في عجلة من أمره ولن يطيل الانتظار ليفك شفرات أحاديثنا المتضاربة في مواقفنا ، يراها أكثرهم تردداً  ومضيعة  للوقت  وتمارين في الالتفاف المخادع لكسب الوقت إلى حين احراز هدف متوّهم ، وكلنا يعلم أنه لن يقع احرازه . لا أرى فيما أرى أملاً قريباً في أن تكون المبادرة بيدنا ، والكرة نلعب بها قبل الآخرين والميدان نهب  ورجل الخط غائب والحكم عدو مبين ! ترى زرقاء يمامة السودان أن الآخرين يرون سفهاً واستهتاراً  وتجاهلاً ، لا مبرر له في مجمل سلوكياتنا ومواقفنا ازاء عالم  صغرت أنحاؤه بعد ثورة الاتصالات . إن دبيب النمل في قرية "خماس" النائية في كردفان ، يمكن لأصغر الأقمار هواناً في الفضاء  أن ترصده بل وتحصي عدده ، فما بالك بصراخنا العالي وتظاهراتنا  المدويّة  بغير إعمال فكرٍ والتزام روية ، نظن أننا نؤازر بعضنا بعضا ونحن في البرية أيدي سبأ . تتكاثر المواقف ضد البلاد وتشحذ أقلامها جهات طامعة من صحفٍ ومجلات وفضائيات في أنحاء العالم الأربعة ، تحدث عن محض شرطي أوقف سيدة من سيدات البلاد النابهات ، ترتدي بنطلوناً – ولا أقول سروالاً حتى لا يلتبس الزيّ على بعض أهلنا  وهو الأصح لغة –  ويصرّ منفذو القانون أن تعرض على محكمة قد تحكم بجلدها . كثيرون في هذا العالم الفسيح لن يصدقوا أن ذلك قد يقع في بلد مثل السودان عرفت نساؤه الاستوزار منذ ستينيات القرن العشرين ، فيما تفتخر ايران الاسلامية اليوم ، بتوزير بضعة نسوة في مجلس وزراء حكومتها ، في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ، وايران دولة تقف على حضارة عمرها خمسة ألآف سنة . من يصدق ان المرأة التي خرجت بسيفها تقاتل وتمدح شقيقها الذي أحرق – في سبيل كرامة مهدرة- ذلك المستعمر الطاغية اسماعيل باشا ، ابن محمد علي باشا الكبير ، يصل الحال بحفيداتها لإذلالٍ بالسياط على أيدي أخوانهن ، لا بأيدي  بقايا  جندرمة الباشا الكبير الذين شبهتهم أخت "المك نمر" بدجاج  مستحقر مهان ؟  من يصدق أن المرأة التي  تولت منصباً رفيعاً في القضاء ، يمكن أن تتعرض  أخت لها لقهرٍ مخزٍ بمواد من قانون  تختلف حوله التفاسير ، أعقوبة حدية أم غير ذلك ، واتفاق السلام الشامل أفصح في روحه أن البلاد تحكم بنظامين  في إطار وطن واحد  في مراعاة مطلوبة لخصوصية تنوع اثنياتنا وثقافاتنا . . ؟ أهي وحدة جاذبة أم وحدة منفرة ، تلك التي نشحذ الهمم هنا وهنالك لأن نحرز هدف الوحدة في ختام مباراة الاستفتاء  . . ؟

 

(  3  )

          بلغ الاستضعاف مبلغاً كبيراً ومقلقاً إذ ترى الأشقاء الأفارقة من جيرتنا وقد استقووا بالطامعين من وراء البحار والمحيطات ممن تعرفون ،  يحثونهم لهضم ما أعطتنا الجغرافيا والتاريخ من حقوق  حول مياه النيل، هم المنابع والأحباس ونحن المعابر  . كنا نعرف في وزارة الخارجية منذ عقود أن للمياه أهمية تتعاظم  كل يوم ، وأننا سنواجه أزمات ستطل برأس وألف رأس ، وخاصة في منطقة البحيرات العظمى .  ما بين مصر والسودان اتفاقيات  سطرها التاريخ ، أبرمت  قبل أن تنال دول الجوار استقلالها : كينيا ويوغندا والكونغو وافريقيا الوسطى  ورواندا وبوروندي وتنزانيا . . ها نحن الآن  وقد وقفنا أمام لحظات من تاريخ البلاد ، حاسمة ، لنقرر مصيرها ومسيرتها : وحدة ترابها  أم انقسامها شطرين ؟  تخرج لنا الثعابين من أجحار الجغرافيا لتقضم من كعكة التاريخ قضمات موجعة ، إذ أن التفتت يفتح الشهية لنهش الثروات وابتلاع الموارد واستضعاف الأمم . قبل أن نستفتي أنفسنا  برى الجيران أسنانهم وأشهروا سيوف مطامعهم ، وطالبوا بكسر كتاب التاريخ  وطمس معالم استحقاقات الجغرافيا ، تلك التي سجلها القانون الدولي الذي ارتضته الأمم وحفظت مواثيقه احتراما . غير أن  الواضح الآن أن المصالح هي التي تصيغ القوانين الدولية . هي رأس الأمر لا ذيله. أما وقد لاحت في الأفق خيارات  تفتت بلد أبرم اتفاقيات  وله حقوق راسخة ، فإن مياه النيل  والموارد ، الشبيهة ستكون عرضة لأهواء الطامعين  ولأهواء من اختبأوا وراء الأكمة من الثعالب والذئاب ، فيما نحن منشغلون بما نحسبه شأناً أهم وهو الاستفتاء حول مصير البلاد تبقى واحدة أم تنشطر نصفين  ، فنخسر الجغرافيا ونخسر مياه النيل  ونخسر مقومات وجودنا  من أساسه .  من أسئلة المصير ليس بقاء الوطن متحداً فحسب ، بل سؤال المياه : تبقى لنـا وفق الاتفاقيات أم  تذهب نهبــاً يناله الآخــــرون . .؟

          ثمة اتفاقية دولية صيغت في فيينا في 23أغسطس من عام 1978 وبدأ سريانها منذ 2005 ( وهذه الفجوة الزمانية وحدها تؤشر للسجال الطويل الذي دار قبل اقرارها ) وهي الاتفاقية التي اعتدّ بها المفاوض المصري في اجتماعات مياه النيل الأخيرة في شرم الشيخ ،  ويوافقه السودان عليها ، كون الاتفاقيات التاريخية تعطي حقوقاً غير قابلة للتعديل أو الالغاء إلا بموافقة جميع الأطراف على ذلك . الأهم والأخطر أن المادة (15) من الاتفاقية المشار اليها  تسقط  مثل هذه الحقوق فيما إذا آل جزء من البلاد إلى بلد آخر . نحن مقدمون على استفتاء قد يفضي إلى كيان في جنوب السودان سيحظى بالسيادة الكاملة على إقليمه بما في ذلك موارد المياه . نأمل أن لا تأخذنا الغفلة عن هذه الفجوات القانونية ، نتدارسها ونمعن النظر والتدارس في الخيارات والسيناريوهات ، كيفما كانت المآلات .

 

(  4  )

         لا أرى "تشاؤلاً" ، فيما  إذا قصدت أن أذكّر أن الوقت لم يعد مبكراً لرسم سيناريوهات المستقبل القريب ، أولصياغة خياراتنا المحتملة ، خاصة في جوانبها الدستورية والقانونية والدبلوماسية . استرجع من ذاكرتي ما جاءنا وقتها في وزارة الخارجية من التزامات تضمنتها  اتفاقية السلام الشامل الموقعة في نيروبي عام 2005 ، وكأنا لم نكن نتوقعها . كان حرياً أن  نمهّد لتطورات  ستطال أداءنا الدبلوماسي ، أن نرتب بيتنا الدبلوماسي لنحتوي  تداعيات مثل هذه الاتفاقيات المصيرية . ودون أن أفصّل كثيراً ، فإنه كان لزاماً أن يجري البيت الدبلوماسي السوداني ، مراجعة قوانينه ولوائحه على أعجل وجه . ليس ذلك وحده بل لك أن تعلم أن قانون السلك الدبلوماسي والقنصلي يحمل إلى اليوم إسماً قديما للوزارة : "وزارة العلاقات الخارجية" ، وقد تم تعديله لاحقاً بالرجوع إلى الإسم السابق وهو "وزارة الخارجية"، ولكن تم ذلك دون مراجعة القانون لاقرار تعديله عبر الأطر الشرعية والدستورية . قد يقول قائل إن ذلك محض تعديل شكلي لا يغني ولا يسمن ، ولكن في معالجتنا لذلك الأمر الشكلي ما يرسّخ التزامنا بالدستور الانتقالي ، واحترامنا لحاكميته ، وهو الوثيقة السامية التي ارتضيناها هادياً لضبط سلوكنا في إدارة شئون البلاد . وسؤالٌ يستحثّ إجابة غائبة : ترى ماذا لو أنشأنا مكتبا فرعياً لوزارة الخارجية ، بكل الجدية المطلوبة وبقدرٍ من الصلاحيات يناسب متابعة أنشطتنا الدبلوماسية التي قد تتولى أمرها حكومة جنوب السودان الإقليمية، خاصة وأن اتفاقية السلام الشامل منحتها قدراً من صلاحيات الحراك الخارجي الذي لا يناقض أداء وزارة الخارجية وهي وزارة اتحادية مركزية ، في وجودها تتمثل هيبة الدولة  وسيادتها  ؟ ترى لو فعلنا ذلك ، أكان يقع ما شهدنا من تخبط وتجاذبات في الترتيبات المراسمية  المتصلة بزيارات خارجية قام بها مسئولون كبار من حكومة جنوب السودان ، ومن قيادات الحركة الشعبية لتحرير السودان ، ممن يشغلون مناصب دستورية عليا ؟ لاحظ ، عزيزي القاريء ، أني لا أشير إلى الترتيبات السياسية المتصلة بهذه الزيارات ، بل إلى الترتيبات المراسمية فحسب . 

 

(  5  )

         توافقني عزيزي القاريء أن ترتيب أحوالنا القانونية والدستورية ، هو أمر ملحّ ونحن نستشرف  مرحلة مصيرية  من مراحل  حماية الوطن وحفظ موارده .غير أن  ما يشغلنا الآن فيما أرى ، هو انفاذ  قوانين أقل وصفٍ لها هو أنها انصرافية  لا تساعد على استبصار المآلات التي تنتظرنا في المنعطف ، والخناجر مخبّئة وراء الظهر والظلام حالك مسودّ . ويرى الرائي البعيد أن انشغالنا بالسراويل والسرابيل ، والكاسيات من النساء والعاريات ،  وجلد ظهور أناس جلّهم  جُبلَ على المحبة والتوادد والتسامح ، لا يعرفون لغواً مستهتراً يستدعي غلظة في التأديب ، ولا ملبساً مستنكراً يستوجب حداً يقام ، لهو هروب صراح من استحقاقات الوطن المهمة والعاجلة الملحة  . أمرنا والمآلات ماثلة ، هو أن نتجه لتقويم أحوالنا ومؤسساتنا ، وأن نراجع الدستور والقوانين المستنبطة منه ، ونتفرغ لمصير الوطن عِوض الانشغال باستجلاب السياط و"قطرنتها" ، والعصى لاقامة الحدود . لسنا في على جاهلية منكرة أو على فسقٍ مستشري، بل البلاد أولى بأن تعين الناس على كريم المعيشة فتسلم الأسر ، وتتفرغ بفطرتها لحفظ تلك  القيَم التي لا حاجة لهم فيها بأجهزة  تلاحق وتطارد ، بما يفضي بنا آخر اليوم إلى حالٍ  تقارب حال أمة طالبان في أفغانستان . علينا الآن أن نلتفت لسدّ الثغرات ، لا أن نبرع في اختراع الفجوات التي  تستدرج وحوش البرية  بذئابها وثعالبها  ، ونواطيرالبلاد  نائمة أو مستنامة ، غارقة في ملاعب أحلامها ، ولن تفنى العناقيدُ  ،على قول أبي الطيب  ..

 

 

22أغسطس2009

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً