دكتور الوليد آدم مادبو
في لحظات الانهيار الكبرى، لا تنكشف هشاشة الدول فحسب، بل تنكشف كذلك هشاشة النخب التي ادّعت طويلًا أنها تملك مفاتيح الخلاص. ولعل “الاجتماع الثاني لقوى إعلان المبادئ السوداني” في نيروبي لم يكن حدثًا سياسيًا بقدر ما كان لحظةً كاشفةً لانفصال طبقة كاملة من الناشطين السودانيين عن منطق السياسة نفسه؛ لا السياسة بوصفها خطابة أخلاقية أو بيانات ملساء، بل السياسة بمعناها الثقيل: إدارة القوة، وفهم الاجتماع، وتقدير توازنات الدم والمصالح والخوف والتاريخ.
ذلك أن المعضلة السودانية لم تكن يومًا في قلة الوعاظ، بل في ندرة رجال الدولة. فالسودان، منذ الاستقلال، أُثقل بطبقة من الخطباء والمثقفين والناشطين الذين ظنوا أن البلاد يمكن أن تُدار بالنيات الحسنة والبلاغة الحقوقية، بينما كانت الأرض في الأسفل تغلي بالتناقضات القبلية والإثنية والطبقية والجهوية التي تراكمت عبر قرون من الهيمنة والعنف الرمزي والمادي. ولذلك ظل الجميع يؤجل مواجهة السؤال السوداني الحقيقي، حتى تحولت الأسئلة المؤجلة إلى حرب شاملة التهمت البلاد بمن فيها.
ومن هذه الزاوية، فإن اجتماع نيروبي ليس محاولةً لحل الأزمة، بل هو استمرار للطريقة نفسها التي أنتجت الأزمة منذ البداية: تفادي المشكلة بدل اقتحامها، والالتفاف على جوهر الصراع عبر صناعة لغة ضبابية تتحدث عن “السلام” و”المدنية” و”إيقاف الحرب” دون أن تملك الجرأة الأخلاقية أو الفكرية لتعريف ماهية الحرب أصلًا.
فأول ما يلفت النظر في خطاب هؤلاء المجتمعين أنهم يتحدثون كما لو أن السودان مختبرٌ أكاديمي يمكن فيه تعليق التاريخ إلى حين انتهاء الندوة. لا أثر لفهم الدولة بوصفها بنية قسرية نشأت تاريخيًا لضبط الجماعات السودانية لصالح مركز احتكر السلطة والثروة والهوية. ولا أثر لفهم الحرب بوصفها انفجارًا لمسألة اجتماعية مؤجلة، لا مجرد سوء تفاهم بين جنرالين. والأسوأ من ذلك أنهم يتعاملون مع السياسة كما يتعامل ناشطو المنظمات مع ورشة تدريبية: لغة محايدة، مصطلحات ناعمة، أخلاق كونية سائبة، ثم افتراض طفولي بأن الأطراف المتحاربة يمكن أن تُقنعها البيانات بأن “تضع السلاح وتذهب إلى الثكنات”.
وهنا يتجلى الفرق بين الناشط ورجل الدولة. فالناشط يتعامل مع السياسة بوصفها حقلًا أخلاقيًا محضًا، بينما يدرك رجل الدولة أن السياسة، خصوصًا في المجتمعات الممزقة، هي فن التعامل مع الوقائع القاسية لا مع الأمنيات المجردة. من درس الحروب الأهلية أو تمرّس بدهاليز السلطة يعلم أن جيشين فقدا ما يقارب نصف مليون قتيل، وتورطا في بحر من الدم والثأر والمصالح والتحالفات، لا يمكن ببساطة مطالبتهما بتسليم أسلحتهما والانصراف إلى الثكنات كما لو أن الأمر يتعلق بفضّ شجار طلابي.
إن الحرب، مهما بلغ عبثها، تُنتج وقائع سياسية جديدة، وهذه الوقائع لا تُمحى بالخطب ولا بالأماني. فالجيش والدعم السريع لم يعودا مجرد تشكيلين عسكريين؛ لقد تحول كل منهما، بحكم الحرب نفسها، إلى حامل لتوازن اجتماعي معيّن. الكيزان نجحوا — عبر الإعلام والتعبئة الأيديولوجية — في تجيير قطاعات واسعة من الوسط النيلي لصالح الجيش بوصفه آخر حصون الامتياز التاريخي، بينما استند الدعم السريع إلى قواعد اجتماعية لم يكن التهميش بالنسبة لها حادثًا استثنائيًا، بل قدرًا تاريخيًا ممتدًا عبر عقود من الإقصاء والإذلال السياسي والثقافي.
ولهذا فإن أي حديث جاد عن إنهاء الحرب لا بد أن يبدأ من الاعتراف بهذه الحقائق لا القفز فوقها. فالحروب لا تُنهى عبر اختراع “ممثل شرعي” هلامي يدّعي الوقوف فوق المتحاربين، بل عبر بناء تسوية تُقنع الأطراف المسلحة بأن مصالح قواعدها الاجتماعية ستكون أكثر أمنًا داخل صيغة سياسية جديدة لا خارجها. وهذه هي النقطة التي يعجز ناشطو نيروبي عن فهمها، لأنهم يتعاملون مع الشرعية كما لو أنها شهادة حسن سلوك تمنحها السفارات الغربية، لا كتعبير عن موازين قوة وتشابكات اجتماعية معقدة.
ولذلك بدا اجتماعهم كله أقرب إلى محاولة لإعادة تدوير الفشل القديم تحت لافتة جديدة. فهذه القوى نفسها لعبت دورًا محوريًا في تخريب الفترة الانتقالية، ليس فقط بسبب ضعف الخبرة، بل بسبب العجز البنيوي عن فهم طبيعة الدولة السودانية. لقد ظنت أن إسقاط رأس النظام يعني سقوط البنية التي أنتجته، وتعاملت مع المؤسسة العسكرية بوصفها مجرد جهاز إداري يمكن “إصلاحه” عبر الخطاب المدني، بينما كانت تلك المؤسسة — في عمقها التاريخي — التعبير الأكثر كثافة عن هيمنة المركز النيلي وعن الدولة التي تشكلت لخدمة أقلية احتكرت تعريف الوطنية نفسها.
لكن اجتماع نيروبي، بدل مواجهة هذه الحقيقة، اختار لغة التطفيف السياسي. لم يجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها، ولم يقترب من السؤال الأخطر: هل المشكلة فعلًا بين “جيشين”، أم بين تصورين متناقضين للدولة السودانية؟ بين دولة ترى السودان ملكية تاريخية لمركز ثقافي وإثني بعينه، ودولة أخرى — مهما شابها العنف والفوضى — فتحت الباب لأول مرة أمام الجماعات المهمشة لتشعر أن بإمكانها اقتحام المجال السيادي الذي ظل مغلقًا لعقود؟
إن مأساة هؤلاء الناشطين أنهم يريدون قطف ثمار السياسة دون المرور بجحيمها. يريدون سلطة مدنية بلا قاعدة اجتماعية، وسلامًا بلا تفاوض حقيقي، ودولةً بلا إعادة توزيع للسلطة والثروة والعنف المشروع. ولذلك تراهم يهربون دائمًا إلى اللغة الأخلاقية الفضفاضة، لأن اللغة الأخلاقية تُخفي العجز عن إنتاج سياسة حقيقية.
والحال أن السياسة ليست درسًا في الطهارة، بل قدرة على تحويل الخصومات الدموية إلى ترتيبات قابلة للاستمرار. ومن ثم فإن المطلوب ليس “الاختفاء السحري” للجيش والدعم السريع، فذلك وهم طفولي لا يقوله إلا من لم يقرأ تاريخ الحروب الأهلية، بل المطلوب هو دفع الطرفين إلى تجاوز منطق الثأر ومنطق الوكالة الإقليمية، والتحول — تحت ضغط داخلي وخارجي — من فاعلين عسكريين إلى أطراف سياسية مضطرة للتفاوض على مستقبل جديد.
فإذا استطاع البرهان وحميدتي، لا بوصفهما بطلين وطنيين بل بوصفهما قائدين لقوتين استنزفتهما الحرب، أن يدركا أن استمرار المعركة يعني انتحار قواعدهما الاجتماعية قبل انتحارهما الشخصي، فقد يصبح بالإمكان تفكيك قبضة الإسلاميين من جهة، وكبح منطق المليشيات من جهة أخرى، ثم الشروع تدريجيًا في بناء مركز سياسي جديد لا يقوم على الهيمنة القديمة ولا على الفوضى المسلحة.
أما أوهام نيروبي، فهي لا تُنتج إلا مزيدًا من العمى. لأن السودان لا يحتاج اليوم إلى ناشطين يجيدون مخاطبة المجتمع الدولي بقدر ما يحتاج إلى عقل سياسي يعترف بأن الدول لا تُبنى بالأمنيات، وأن الحروب لا تنتهي عبر البلاغة الأخلاقية، وأن أخطر ما يمكن أن تفعله النخب هو ادعاء الحياد وهي غارقة حتى أرنبة أنفها في تاريخ الفشل ذاته.
May 24, 2026
auwaab@gmail.com
