د. مقبول التجاني
لم تعد السياسة السودانية الآن، مُجرد مجالاً لإدارة الإختلاف و التباين، وإنما تحولت إلى إمتداد للصراع العسكري بوسائل أخرى ناعمة، و لم تعد الحرب السودانية، مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين مُتحاربتين، تتنازعان السيطرة على الأرض ومؤسسات الدولة، وإنما أصبحت هذه الحرب تعبيراً عميقاً عن أزمة تاريخية في عملية إدارة المصالح المُتباينة، وعجز الدولة الوطنية السودانية الواحدة عن بناء إطار عام للمصالح المُشتركة، لجميع الأفراد.
لا أقصد بالمصلحة هنا، تِلك المصالح المادية المُباشرة للأفراد و المجموعات، رغم أهمية وجودها و مشروعيتها، بل أعني تِلك التوجهات الأساسية، التى تشكل علاقة الإنسان بالعالم وبالآخرين وبالسلطة.
الأزمة السودانية الراهنة أخذت تتجاوز حدود المُواجهة المسلحة، لتكشف عن شبكة مُتداخلة من صِراع المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية والإقليمية، وعن غياب مشروع وطني سوداني واحد، قادر على إخضاع هذه المصالح المُختلفة لمنطق المصلحة الكلية للدولة الواحدة بمُجتمعها المُتماسك، بدلاً من إخضاع هذه الدولة المُنقسمة و مُجتمعها المُتشظي لمنطق القوة.
الدولة التي ينبغي أن تكون إطاراً عاماً، لتنظيم المصالح المُتعددة وحمايتها، أصبحت الآن موضوعاً للصِراع عليها، و حولها.
كلُُ مِنا، ينظر إلى الحرب السودانية الآن، بناءاً على موقعه الإجتماعي و الإقتصادي مِنها، فالمُزارع في منطقة شمال الجزيرة الذي روعه الدعم السريع و هدد مصالحه الإقتصادية المُباشرة، يرى الحرب بصورة مُختلفة تماماً، عن الراعى في بادية نيالا الذي قصفه طيران الجيش و حرق ممتلكاته المادية، و هذا أمر طبيعي و مشروع.
لكن أن تدار مُجمل الحرب السودانية، كما هو الآن، بعقلية الخلاف بين مصالح مُزارع شمال الجزيرة، و مصالح راعي بادية نيالا، كُلُُ في حاكورته، فهو أمر مرفوض تماماً.
في هذا السياق، تكتسب نظرية المصلحة عند الفيلسوف الألماني هابرماس أهمية خاصة، ليس باعتبارها وصفة جاهزة لإنهاء الحرب السودانية، وإنما باعتبارها مدخلاً فلسفياً لفهم جذور الأزمة، وإعادة التفكير في شروط التسوية السياسية القادمة، وإمكانية الإنتقال من صِراع المصالح المُختلفة إلى بناء مصلحة وطنية واحدة مُشتركة، تكون قادرة على رعاية تعدد المصالح الجزئية للأفراد و المجموعات بداخلها.
كيف يُمكن للسودانيين أن يعيدوا تعريف مصالحهم؟ بحيث يُصبح السلام مصلحة مُشتركة، وتُصبح الدولة مُلكاً لجميع مواطنيها، لا مُجرد غنيمة تتنازعها القوى المُسلحة المُتصارعة والنخب السياسية المُتشاكِسة.
في كتابه، المعرفة والمصلحة الإنسانية (Knowledge and Human Interests)، يميز هابرماس بين ثلاثة أنماط من المصالح المُؤسسة للمعرفة الإنسانية: المصلحة التقنية، والمصلحة العملية التواصلية، والمصلحة التحررية.
المصلحة التقنية تتعلق بالقدرة على التحكم في البيئة والموارد والوقائع، والمصلحة العملية التواصلية تتصل بتحقيق التفاهم المتبادل وتنسيق الفعل الإنساني، أما المصلحة التحررية فتتجه إلى تجاوز علاقات الهيمنة والتبعية والأوهام الأيديولوجية التي تحول دون استقلال الإنسان.
لقد كشفت الحرب السودانية، عن خطورة إختزال المصلحة الوطنية المُشتركة، في مصالح القوى العسكرية المُتحاربة، أو في حِسابات النخب السياسية المُتصارعة، و التي ترى الدولة أداة للنفوذ السياسي والإقتصادي و العسكري.
هل يمكن بناء توافق وطني بين أطراف تتعارض مصالحها؟
الإجابة على هذا السؤال تقتضي التمييز بين مستويين من المصالح:
المستوى الأول هو المصالح الخاصة، وتشمل مصالح القوى العسكرية والسياسية والاقتصادية، ومصالح الأقاليم والمكونات الاجتماعية، ومصالح الأفراد والجماعات في المشاركة والسلطة والموارد.
أما المستوى الثاني فهو المصالح المُشتركة، التي لا يمكن لأي طرف تحقيقها بصورة مستدامة بمعزل عن الآخرين، وفي مقدمتها حماية الحياة، ووقف النزوح والتهجير، وإعادة بناء الإقتصاد، وضمان وحدة البلاد، وإستعادة مُؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة والمواطنة المُتساوية.
ليس المطلوب إلغاء المستوى الأول من المصالح، أو إنكار مشروعية المطالب المُختلفة، بل إدخاله في عملية تفاوض عقلاني، تكشف نقاط التقاطع والتعارض، وتبحث عن ترتيبات مُؤسسية تتيح التعايش بين المصالح المُتعددة.
المزارع في الجزيرة، والراعي في دارفور، والعامل في الخرطوم، وسكان الشرق والشمال، والشباب والنساء، قد تختلف أولوياتهم المُباشرة، لكنهم يشتركون في مصلحة أساسية واحدة تتمثل في إنهاء الحرب، واستعادة الأمن، وفتح الطريق أمام حياة كريمة.
المطلوب سياسياً، هو تحويل هذه المصالح المُشتركة، من مُجرد أمنيات أخلاقية إلى برنامج وطني قابل للتنفيذ، تتحدد فيه الإلتزامات والحقوق، وتوزيع الموارد، وضمانات المُشاركة، وآليات المُساءلة.
إن التسوية التي لا تتجاوز مصالح القيادات المُتفاوضة، ولا تنعكس على مصالح و حياة المُواطنين العاديين، تظل تسوية هشة مؤقتة، لأنها لا تمتلك أي قاعدة اجتماعية تحميها، و المصلحة التي لا تتسع لمصلحة الآخر لا تبني وطناً واحداً، والسلام الذي لا يصنعه المواطنون معاً، لا يستطيع أن يحمي مستقبلهم جميعاً.
في المقابل، فإن الحوار الذي ينطلق من مصالح المجتمع الفعلية، ويعترف بالتعدد، ويتيح للمواطنين التأثير في مُستقبلهم، يمكن أن يؤسس لسلام و شرعية سياسية تتجاوز شرعية القوة العسكرية، و هذا هو الفارق بين سلام يُفرض بتوازن السلاح، وسلام يتأسس على أساس توافق إجتماعي وسياسي قابل للإستمرار.
إن إستلهام نظرية هابرماس، لا ينبغي أن يتوقف عند حدود التحليل الفلسفي و الإجتماعي فقط، بل يتطلب ترجمتها إلى آلية عملية قابلة للتنفيذ، تستوعب المصالح المُتعارضة لجميع السودانيين، وتؤسس لعملية توافق وطني حول إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة.
يمكن تصور هذه الآلية، من خلال عدة مسارات مُترابطة، و هي؛ مسار وقف الحرب بوصفه مصلحة وطنية عليا مُشتركة، و عملية مُوازية و مُتقاطعة لإدارة حوار سوداني-سوداني يعيد تعريف المصلحة الوطنية العامة، و من ثم تحويل التوافق حول المصالح المُختلفة إلى مؤسسات حُكم إنتقالية، مع إيجاد مشروع جاد للحقيقة و المُصالحة و العدالة الإنتقالية بين مزارع الجزيرة و راعي دارفور.
