عمر العمر
انشغال النُّخبة السياسية السودانية بهَتْر (جهل) عبد الفتاح البرهان، وانصرافه عن الحوار، يؤكّد فشلَ النُّخبة مقابلَ نجاح الجنرال. فالخوض في هذا الهَتْر ليس سوى هدرٍ للفكر وتبديد للزمن. هذا تكتيك عسكري قصير النظر، هدفه صرف الانتباه عن قضية الساعة السودانية. فلا شيء يعلو في لحظة الوطن الآنية فوق السلام. ينبغي لكلّ ذي فكر مستنير أو شعور وطني عميق ألا ينصرف عن إنجاز هذه القضية المركزية العليا. بغضّ النظر عن معمار الدولة الحالية أو ظروف مخاضها وبقائها السياسية، فهي ليست غير بناء مؤقّت.
طرح كلّ قضية منه محكومٌ عليه بالموات، إذ إنّه نظام يفتقر إلى شرعية البقاء، دعك من البناء. من هذا المنظار، ليس تكتيك البرهان سوى هروب من مواجهة تحدّي استرداد السلام والسلم الوطني. هو تكتيك مزدوج غايته تغطية الفشل العسكري وفتح جبهة تشغل النُّخبة بجدل عقيم في شأن قضية خاسرة، حالها حال جنين سِفاح وُلد ميتاً. هكذا تنشغل النُّخبة بـ”القُراف” متجاهلةً الجمل، وبـ”البردعة” متناسيةً الحمار، وبوضع العربة أمام الحصان.
يفرض الجنرال نفسه أباً وأمّاً وقابلةً لوليد حدّد مسبقاً جيناته وملامحه وشروط تنشئته، كما رسم فصول دراسته واختار زملاءه وشهادة تخريجه. أكثر من ذلك، افترض في الوليد الاعتراف له بالأبوة والسيادة والبِرّ والولاء المطلق والالتزام بأوامره، ما صدر منها وما لم يصدر.
هكذا يحرق البرهان مراحلَ سياسيةً متعدّدةً بغية الوصول إلى هدف ذاتي وحيد؛ البقاء في رأس شبه الدولة الحالية. من الممكن حرق المراحل حينما يتعلّق الأمر بأجندة التنمية والتقدّم، لكنّ تلك مناورة خطيرة، إن لم تكن مستحيلةً، إذا اتصلت بأمّهات القضايا الوطنية. الأخطر أنّ الجنرال لا يستهدف حرق المراحل، بل هو يحرق بالفعل جسور التواصل مع القوى الوطنية المُفترَضة مشاركتها في الحوار المزعوم. حتّى الجسور التي أبقاها زرعها ألغاماً تنسفها نسفاً قبل العبور عليها، إذ ترك الثقة قاعاً صفصفاً. هو يريدها جسوراً تُذكر وهو بانيها، ولا يُذكر العابرون عليها.
من أدبيات التفاوض السياسي أنّ قبول الشروط المسبّقة يؤشّر إلى الاستعداد لتقديم التنازلات. فمن غير المنطقي أن تبدي النُّخبة السياسية أيَّ قدر من الاهتمام بالردّ على هذه المناورة الشوهاء العرجاء. كما من أدبيات الحوار الوطني، خاصّةً، التشاور المُسبَّق مع الأطراف المعنية بقضية الحوار. ذلك تشاور يشمل بالضرورة أطراف الحوار وأجندته وهيكلة إدارته. غالباً ما تذهب المشاورات إلى حدّ الاتفاق على بيان أو إعلان اختتامي.
تلك خطوات إجرائية أبجدية، مثل ما هي ضمانات لنجاح الحوار. إذا حاول بعضهم التغنّي بهذا الهَتْر بتوصيفه مبادرةً من جهة الدولة، فينبغي تذكير هؤلاء بأنّ من أولى واجبات الدولة كفالة أمن المواطنين وصون كرامتهم وضمان حقوقهم. كما عليهم إدراك أنّ القائد الحقيقي هو أحد محرّكات صناعة التاريخ، لكنّه ليس صانع التاريخ.
الأخطر أنّ الجنرال لا يستهدف حرق المراحل، بل هو يحرق بالفعل جسور التواصل مع القوى الوطنية المُفترَضة مشاركتها في الحوار المزعوم
هكذا، بدلاً من إزالة العوائق في درب حوار وطني يطفئ نار الحرب، وينهي عذابات الشعب، ويعيد تطبيع الحياة السودانية، يراكم الجنرال مزيداً من الحواجز والعقبات أمام الشعب، مستلذّاً بأبَّهة سلطة مشوّهة، متنقّلاً في مواكب نصر منقوص مُختلَق. هو يستهدف حرق هذه المرحلة بواسطة آلية شعبية مركّبة تركيباً. هذه المناورة تعكس، أكثر من أيّ وقت مضى، إصرار الجنرال على البقاء في السلطة بغضّ النظر عن استفحال أزمات الشعب المُركَّبة.
وإلّا، فينبغي له المبادرة إلى إعلان استعداده لتقديم مساومات، إن لم نقل تنازلات، من أجل استرداد هيبة الدولة وسلطة القانون والسلم الاجتماعي والوحدة الوطنية. في غياب مثل هذه الروح، فلا يُقابل التجاهل إلّا بجزاء من نوع العمل. كلّ الجدل المبذول في شأن مناورة الجنرال هدر للطاقة وتبديد للوقت.
aloomar@gmail.com
نقلا عن االعربي الجديد
