بقلم عبدالفتاح عبدالسلام*
31 ديسمبر 2025
سردية “تهافت الهاربين”
الحلقة الثانية عشرة
• معاملة تستحق التنويه
وصلتُ مبكرا إلي مبني تصديق أو توثيق الشهادات التابع للخارجية المصرية في حي يبدو بعيدا نوعا عن وسط القاهرة . و شاهدت صفا طويلا من المصريين أهل البلد و كان الوقت قبيل الثامنة بقليل . وقفتُ في آخر الصف ، و فيما يبدو أن الوقت المحدد للدخول قد أزف فجاء أحد الموظفين المشرفين حيث كنت الأخير… بجلابيتي البيضاء و طاقيتي البيضاء و خاطبني : ” اتفضل معايا ” . لم أتردد و سرت معه ، و اختار شخصا آخر ثم اثنين و ثلاثة آخرين و تقدّمنا هو متجاوزا الطابور الطويل و فتح البوابة ، ثم أجلسني كأول واحد في شريط من الكراسي داخل صالة رحبة ، حيث تنتظم نوافذ الإجراءات و التصاديق . لم تمض سوي خمس دقائق و إذا بنفس الموظف المشرف يشير إليّ أن أمشي إلي الكاونتر حيث وقفتُ أمام نافذة زجاجية ، و كان الموظف المعني – بدا في الخمسينات من عمره يرتدي قميصا و بنطلونا – نموذجا حياً لبيروقراطي معتّق ، يرتب منضدته و يحمل قهوته ببخارها الساخن ثم يفتح دفترا و يتسلم مني شهادة ميلاد ابنتي التي وثقتها في السفارة السودانية و صورة من جواز سفرها و يتناول الرسوم التي دفعتها له من فتحة النافذة ، و يضع ختم التصديق و يوقّع و يناولني أوراقي . لم يستغرق الأمر سوي دقائق ، و ألفيت نفسي خارج الصالة و كل شيء كما ينبغي …
قلتُ الفضلُ يعود للشعر الأبيض الذي كسا رأسي و شاربي ، و من ثم جلست علي كرسي فارغ تحت شجرة في حوش المبني أفكر ماذا سأفعل ببقية النهار . فكرتُ في السرعة و الانضباط الذي جري منذ دقائق أمام عيني ، مقارنة بالزحام و انعدام النفس (بفتح الفاء) في السفارة …
و جلست أمامي عائلة سودانية علي دِكة فارغة و حياني الرجل الذي بمعيتهم و شرع في الحديث عن المشقة التي نعيشها و و .. فقلت له بعفوية إذا رجعتُ أنا إلي السودان فلن أكون مرتاحا بعد ما جرى لنا ، لم يحمِنا أولئك المكلفون بحمايتنا و هربوا و تركونا لوحدنا ، لماذا هربتِ الشرطة من أول دقيقة ؟ ، و لماذا هرب بعض ضباطها إلي مصر مثلنا ؟ بل لماذا انسحب الجيش و احتمي ببعض حامياته في العاصمة و تركنا كمواطنين عزَل لا ندري ما نفعل ؟ من كان قادرا علي الهروب …هرب … و من لم يقدر استسلم لمصيره !! …
شرع صاحبنا في التفسير و الشرح و بلهجة مهذبة و متصالحة … فظننت أن قد يكون ضابطا في الشرطة أو غيرها … و لم يسترسل كثيرا و أخذ عائلته و ودعني قائلا ” إن شاء الله ينصلح الحال و نرجع …” و جلستُ و حدي أفكر … و أمسكتُ بموبايلي و انشغلتُ به لعله ينسيني ما أنا فيه ، فوقعت عيني علي مقولة لــ ” استيف جوبز” : لا تدع نفسك أسيرا للأفكار الجامدة … أن تعيش وِفقا لنتائج تفكير الآخرين . لا تدع ضجيج آراء الآخرين يطغي علي صوتك الداخلي ..” هل صدق مستر جوبز ياتري ؟ … لم لا ؟ فعلي الأقل لو لم يكن صادقا لما انجز شيئا سعدت به البشرية . و نحن و الآخرون من هناك ، جنوبا من وراء مدار السرطان ماذا نفعل الآن غير الضرب بالطيران و بالمدافع الثنائية و الرباعية !؟ و الانسحاب و الجري المودي للقتل و للنهب و الغنائم و السرقة ! … ذلك الشخص الذي ساهم في إمكانية أن تحمل هذا الموبايل أو الــ ” اسمارت فون ” و هو عبارة عن كمبيوتر متنقل ! … بدأ ضخما في الستينات في حجم غرفة و ها أنت الآن تحمله في جيبك … و مبسوط كأنك ساهمت فيه ! فلم لا يكون المستر استيف حكيما مثل سقراط و كونفيشيوس و لقمان الحكيم و الشيخ فرح ود تكتوك؟! …
عدتُ للواقع بعد لحظات و سألت عن محلات الفطور فالبطن جاعت ، فمشيت مسافة ثلاثة شوارع و عثرت علي محل هادئ يقدم سندويتشات الفلافل …
• لغة الميكروباص الخفية
ميزة المدن الضخمة كالقاهرة و ملايينها التي تربو على العشرين من الأنفس أنها تنسيك بحركتها و جلبتها ما انت فيه من غم و لو لساعات . فما أن فرغت من فطوري في ذلك المحل الهادئ حتي بدأت أسال عن كيفية الوصول لحي الهرم و محطة كايرو مول بالميكروباص . دلّني أحدهم و أشار إلي الشارع العريض الذي يلي موقع تصديقات الخارجية . كانت الشمس ساطعة و نحن في أواخر يوليو و الوقت قريب من منتصف النهار و الوهج حارق نوعا ، فوقفت كالعاجز ، إذ توجب عليَ قطع الشارع المهول بنصفيه و حركته المتسارعة ، و لا مكان محدد للعبور أو كبري علوي للمشاة أو نفق ، و أنا لا أستطيع الجري مثل بقية المارة إذ ألَمَ بي غضروف أو ديسك أسفل الظهر قبل سنوات معدودات … و إذا بأحد المارة يساعدني في شق الشارع الحافل بالمركبات المسرعة من الاتجاهين و يقول لي وهويحثني : ” ما توقفشي .. خليك ماشي! ” و في لحظات و جدت نفسي في الطرف الآخر بانتظار الميكروباص . سألني نفس الشخص عن وجهتي فأشار بييده و أصابعه ما يعني حي الهرم و قال لي : ” لما تعمل كدا السواق ها يفهمك و يوقف ! ” . و فعلا أشرت بأصابعي مثلما تعلمت منه و توقف الميكروباص و أنا اتبسم لنفسي و أقول ” من تعلم لغة قوم صار منهم ” …
و عندما انحشرتُ في الميكروباص الممتلئ تذكرتُ اللغة الأخري و هي كيفية ايصال أجرة المشوار إلي السائق البعيد عني قبل النزول و تضييع وقت الناس . و من ضمنها لغة الفكّة التي حرصت دائما – و بعد مفارقتي للتاكسيات الغالية و بعد استدلالي علي الميترو و الميكروباص – علي وجودها في جيبي ، فقمت بمناولة الأجرة للشخص الجالس أمامي ، قد تكون امرأة أو رجل أو طفلة أو طفل ، لا يهم ، و في ثوان معدودة يستلم السائق الأجر ، و إذا كان هناك باقٍ من الفكه يرجعه للذي خلفه و هكذا في تعاون تام دون مشادات و جوطة . فقد لاحظت أن المصريين نساءً و رجالا لا يتكلمون كثيرا في المواصلات العامة و معظمهم مشغولون بموبايلاتهم …
و لكن المشوار طويل و أنا لا أحب الانشغال بالموبايل في المركبات العامة ، فقد ينسيني الانتباه لمحطة الوصول ، التي طالما ضاعت علي ملامحها في زحام القاهرة ، و لأنني أرغب في رؤية معالم المدينة و استكشافها . رايتُ قبالتي في مقعد وحيد شخصا لا يشبه المصريين كثيرا ، بشعر أحمر و لحية متوسطة ويرتدي زيا إفرنجيا ، فظننه سوريا أو أرمنيا أو إغريقيا ، كان يجلس صامتا غير منشغل بالموبايل ، فسالته إن كان سورياً ، فأجابني لدهشتي إنه مصري من القاهرة ، أيكون من بقايا المماليك ؟ و لكن التاريخ ذكر لنا أنهم انقرضوا منذ مذبحة محمد علي باشا الشهيرة في القلعة ، و أن نفرا منهم فروا جنوبا حتي وصلوا دنقلا و ربما بربر و شندي ! …
• استيف جوبز مرة أخرى
لا أدري ، بل لا أذكر لمَ أخرجتُ الموبايل من جيبي الأيمن و قلت لجاري في الميكروباص ، ذو الشعر الأحمر و الملامح شبه أوروبية : ” عندما نصنع جهازا عبقريا مثل هذا سنكون بخير.. أما بحالتنا هذه فلن نصل لبر الأمان ..” أو شيئا من هذا القبيل …كان موضوع الكلام الذي تشعب مع جاري ذو الشعر الأحمر الذي ظننته أجنبياً قد دار حول العلم و التقدم و الحداثة و ما إليها … و لكني ظننت أن صاحبنا سلَفِي عندما قال بلهجة واثقة ” إحنا كان ممكن برضه نعمل جهاز زي دا لو رجعنا للطريق الصحيح ” و لم أفهم ماذا يعني بالرجوع أو العودة للطريق الصحيح ! … و لم اتطرق لزملائه في جنوب مدار السرطان و ما فعلوه ويفعلونه لما يقرب من الأربعة عقود مضت ، فمن الجائز أنه لم يسمع بهم . و قلت هامسا ، مختصرا النقاش شبه البيزنطي “الله يرحمك يا مستر استيف ” …..
و أذكر أننا قرأنا في الثمانينات الماضية في صحف أو مجلات – لبنانية غالباًً – أن اليابان ابتعثت موفدين خلال عهد الميجي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر لدراسة أنظمة شبكة السكك الحديدية المصرية التي أقامها المهندسون البريطانيون ، و التي كان مضي علي إنشائها في ذلك الحين نحو ثلاثين عاما . و كانت تلك البعثة جزءً من مثابرة اليابان لتحديث بنيتها التحتية الخاصة بها في ذلك الزمن و التعلم من تجارب البلدان الأخري ، و من بينها مصر ، في شتي المجالات ! ….
و رغم ” قندفتنا ” في بعض الأحيان فنحن نتاج الثقافة المصرية ، نفكر باللغة التي انتجتها المطابع المصرية بعد عام 1820 ، عام الفتح أو عام البحث عن ” الرجال ” و الذهب الملعون في بني شنقول النائية ، كما علمتنا دروس التاريخ الرسمية في المدارس . و مع ذلك بدات قلة تكتب أن الحكاية لم تكن فتحا بل غزوا و أن الرجال المقصودين كان جزء منهم يذهب فعلا كأجناد لجيش الباشا و الباقي يذهب و لا يعود ….
أقول إننا نشأنا مدبّجين بالأثر المصري وسط النخب المدينية – خلال الحقبة الخديوية – في السودان كدنقلا و بربر و شندي و الخرتوم و الأبيّض ، منذ عقود طويلة ، مرورا بالتشريعات العثمانلية الفقهية و حتي الإنقلاب الذي جرى في الأزياء الرجالية تحديدا ، فانتشرت الجلابية و العمة الصعيدية و الفلاحية البيضاء و أصبحت مظهرا في المدن المذكورة ، في إزاحة تدريجية للتوب الرجالي القديم في . و كذلك المطبخ – و الطبخ جزء من الثقافة المادية كما يقال – الذي انساب بطيئا من الشمال ؛ إذ غدا الفول المصري و الطعمية وجبة فطور الضحي ، و أيضا عشاء خفيفا إن عزت اللحمة و السمك في الأمسيات ، كما أضحت الملوخية المفرومة و البامية المطبوخة باللحمة الضاني و البطاطس بالدمعة و السلطة بالطماطم و الجرجير و العجور أساسا في وجبة غداء المدن عوضا عن ” الخدرة ” و البامية المفروكة و أم رِقيقَة ، و كذلك المحشي و ” الضّلِع المحمّر” و الباذنجان المسقعة ، و قوالب الحلو و الجاتوهات لزوميات لا غني عنها في الولائم و المناسبات … و لا ننسي الرغيف الذي كان يصنع في أفران طينية في دنقلا و بربر وشندي و الخرتوم و الأبيّض ، وبعض المصادر التاريخية ذكرت أن جنود حملة إسماعيل باشا جلبوا معهم مطاحن لطحن القمح و صناعة العيش البلدي لتزويد العسكر بالمونة …
تكتب صحفنا منذ أن بدأت في العشرينات و الثلاثينات علي نهج الصحف في القاهرة و الاسكندرية ، و عندما فرّ عباس محمود العقاد من القاهرة خوفا من جحافل رومل سنة 1941 و جاء إلي الخرتوم بالقطار من حلفا احتفل به شعراء و أدباء الخرتوم و نعتوه بـــ ” الجبّار! ” …
و الإذاعة في الخمسينات و مابعدها كانت برامجها نسخة من إذاعة القاهرة ؛ و كذلك فرقة موسيقي الإذاعة في بداياتها كانت محاكاة للتخت المصري – عدا آلة القانون التركية التي أضيفت لفنرة محدودة في الخمسينات ، بل كان الفنانون و شعراء الأغنية الرومانسيون في تلك الفترة ينسخون الأغاني المصرية ، فإذا غني عبدالحليم حافظ ” توبة إن كنت أحبك تاني ” نسج شاعرنا إسماعيل حسن علي منوالها توبة أخري تغني بها الفنان الكبير وردي في بداياته … و هكذا مرورا باالأثر الطاغي لنجوم مصر في الموسيقي و المسرح و الأفلام و المسلسلات المصرية …إلخ
• الحداثة اختيار
لكن ذلك العهد أخذ في التلاشي بعد بروز و سيادة الانترنت … غير أن جذوره و مداميكه ما زالت حية … و ما حرب القذارة الماثلة إلاّ انعكاساً باهرا من أثر زرع تقافة و ربما أفكار و سياسات القرن التاسع عشر و كذك العشرين ، و ازدهار تلك الثقافة ، و الوعي – الذي تجمد في مرحلة معيّنة – ذو الأنبوب الأحادي من رأس الدلتا صعودا إلي تخوم ود مدني و سنار جنوبا و منها إلي كردفان و دارفور غربا … و علي قول المصري طارق البشري: ” الحضارة تُبني و الثقافة تُورث أما الحداثة فهي اختيار ! ” …
و ذات الثقافة المصبوبة ، من الشمال للجنوب ، كانت موعودة بتراكم اقتصادي منذ بدايات القرن العشرين و سنوات ما بعد الاستقلال ، يفضي بدوره لتراكم معرفي و علمي يقود إلي خلق فوائض من القوة و الإزدهار علي كل الصعد . فما الذي حدث ؟ و لماذا تراجعت شعوب وادي النيل و حولت نخبها المتحكمة أبصارها إلي الماضي السحيق عوضا عن ترصد التجارب اليابانية أو الصينية أو الكورية في السنوات الستين أو السبعين الماضية … أو الماليزية حتى … في الثلاثين سنة الأخيرة !؟؟ …
حاولنا السير في طريق الحداثة كما فعلت الشعوب حولنا بل و كل الشعوب في عالمنا المعاصر . وضع لنا البريطانيون المدارس الأولية أو الإبتدائية فالمتوسطة فالثانوية والجامعة مثل ما فعل الفرنسيون في مصر منذ الخديوية، بل و أُرسلت البعثات الخارجية إلي بريطانيا ، و بعد الاستقلال إلي باقي أوربا بشقيها الغربي و الشرقي و كذلك أميريكا ، و أقيمت المراكز الصحية و المستشفيات بنفس النهج الأوروبي ، و حتي الجيش الذي أنشأه الحاكم العام البريطاني في سنة 1925 تحت إمرته ، تزيا عسكره من الضباط بنفس أزياء الجيش البريطاني ويؤدون التحية علي منوال كل جيوش العالم ، و تسمية الرتب كانت حتي أواخر الستينات هي نفسها ألأوروبية بترجمة تركية من ترجمات عهد السلطان عبدالحميد الثاني ، و لا تنس المنشآت الصحية من نقط الغيار و الشفخانات و حتي المستشفيات المتخصصة ، و كذلك إدارة الدولة علي النهج الأوروبي من وزارات و مصالح و غرف تجارية و مشاريع زراعية و و و …إلخ …
أسئلة كثيرة تجابهك أينما حللت و لا تكف عن تدوير راسك المتعب فأين العلة أو العلل ؟!… هل الأمر لا يعدو أن يكون كما قال حكيم الصين كونفيشيوس في زمان قديم ” التعلم من دون تفكير جهد ضائع ، و التفكير من دون تعلم أمر خطير. “!!….
….. يتبع
*
fattah71@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم