بقلم عبدالفتاح عبدالسلام*
4 مارس 2026
سردية “تهافت الهاربين”
الحلقة الخامسة عشرة
” نحن نعيش في عالم نائم علينا إيقاظه بالحوار مع الآخرين “
غاستون باشلار
• آخر يوم في مصر
نعم ما أصدقَ مقولة باشلار أعلاه . الحوار هو الكلام . و إذا أردنا معرفة الآخر و حتي الحميم فلا بد من محاورته ، أو علي الأقل الإنصات لما يقوله . تماما كدافوري كرة القدم أو الشُراب في منتزهات الخرتوم قديما ؛ فمحاورة اللاعب الصبي لخصمه في ساحة الدافوري هي نوع من الاستنطاق ؛ هل هو عنيف ، ماكر ، حرامي ، أفّاك ؟ أم مسالم ، نبيل ، ، أمين ، منضبط و دوغري يُعتمد عليه ؟ … و لا أدري من أين جاءت هذه المفردة الخاصة بكرة القدم ” محاورة “؟! … هل هي مصرية ؟ إذ لم أسمعها في أي مكان آخر عند الناطقين باللهجات العربية …
و هكذا عرجت علي صاحب الميني ماركت الخمسيني أو الستيني ، كثير الشكوي من أوضاع الضائقة المعيشية كلما دخلتُ محله . أذكر أنه ذكر لي مرة أنه كن موظفا بالقطاع العام و لكنه أُبعدَ لأنه ليس من المرضِي عنهم ! . لم يُفصح عن طبيعة عمله السابق و قد خمّنتُ أنه ربما يكون من الجماعة إياهم !… و لاحظت أنه حسّاب تقليدي من الدرجة الأولي ، و حتي باستخدامه لآلة الباركود اسكانر ببطء شديد حتي لا يخطئ ، إلا أنه كان يعيد قراءة أسعار البضائع في دفتر بجانبه علي الكاونتر ، مما يشي بأنه جديد في الصنعة و صادق فيما ذكره عن عمله في القطاع العام …
رأيتُ أن أساله عن سعر حلاقة الشعر فأكّد لي : ما تدفعشي أكتر 60 – 70 جنيه و دي فيها البقشيش كمان . كما سالته عن محل ” الدراي كلين ” لأكوي الجاكت و القميص و البنطلون لزوم سفرية الطائرة ، فأشار لي بمحل لا يبعد كثيرا عن دكانه .. و ودعته باقتضاب فهو مثله مثل عم أحمد بائع العيش و الخضار لم يسألني و لا مرة عما جري لنا هناك بعيدا في أرض النيل الشاسعة الكائنة جنوب وادي حلفا القديمة أو بحيرة ناصر ، أو بحيرة النوبة ، أو بحيرة السد العالي !! سمّها ما شئت …
و أنا في طريقي إلي الشقة كان يقلقني أنني لم استوف شيئا من أم الدنيا هذه ، و انتبهت بفزع خفيف أنه كان عليّ زيارة أو رؤية البيت أو المتحف الذي عاش فيه طه حسين مثلا أو الشارع الذي كان يذرعه نجيب محفوظ كل صباح و هو في طريقه إلي العمل كموظف عام ، تماما مثلما تجولتُ في بعض الشوارع و وقفت في واجهات القليل من المحلات التي ذكرها الايرلندي جيمس جويس في روايته ” يوليس ” في مدينة دبلن التي زرتها عديد المرات قبل أكثر من عقد ، مع الفارق أن تلك الشوارع و المحلات قامت البلدية بترقيمها و وضع لوحات و علامات تسهل لواحد كحالتي آتٍ من آخر الدنيا لتتبُع مسار المستر بلوم في يوم واحد في المدينة ، هي كل زمن الرواية …
غير أن أكثر ما أحزنني هو أنه كانت لدي رغبة قديمة لزيارة حي ” الكيت كات ” في القاهرة من أجل كاتب حزين رغم بروزه في سنواته الأخيرة كصاحب عمود أو أعمدة صحفية في بعض الصحف التي كنا نطلع عليها . نعم إنه إبراهيم أصلان القادم من ريف الدلتا المصرية إلي القاهرة بشوارب كثيفة و قامة قصيرة ، ثم يبدع بأعماله ” بحيرة المساء ” و ” مالك الحزين ” و ” وردية ليل ” و ” خلوة الغلبان ” ، و غيرها .
كانت لدي رغبة خفية لسؤال الناس عن شارع فضل الله عثمان حيث عاش أصلان و كتب عن ذلك الشارع الذي أضحي بطلا متوجا لحكاياته و إبداعه … جولة في ذلك الشارع الضيق و القصير و نظرة و لو من بعيد علي بيت أصلان و النوافذ التي كان يطلّ على الدنيا حوله من خلالها … و لكن خامرني شعورٌ غامض بأنني لن يكون في مقدوري لا زيارة الكيت كات فحسب ، بل و لا حتي القاهرة القديمة و التجول في معالمها من فسطاطها وقطائعها و قلعتها و كتبها في سور الأزبكية . و أحسست أن القاهرة و تراث مفكريها و مبدعيها قد يختفي في هذا البحر الملاييني يوما بفعل فاعل و لن يبقي لهم أثر …. ثم قد لا تمهل الأيام … من يدري ؟! …
• أنت لست قطرة في المحيط ، بل أنت المحيط بأكمله في قطرة
و هل يحس المرء بأي شعور مغاير غير الضياع و سط هذه الملايين الزاحفة و الراكبة . في اعتقادي قاربَ إبراهيم أصلان أو فلنقل جسّد علي نحو ما حكمة متصوف قونية القديم جلال الدين الرومي ؛ فهو عاش في ذلك الحي الشعبي القديم و المكتظ كأنه قطرة في محيط وسط هدير البشر المتلاطم و لكنه جعل من إبداعاته موجة دائرية بالغة الشساعة مرئية من بعيد و قد لا يكترث بوجودها إلا نفرٌ قليل ممن يفِكون الخط و يهتمون بسحر الكلام و أثره الباقي …
تخيلتُ أصلان وسط هذه الجموع اليقظة نهارا و التي طال نومها مثلما نامت عازة الخليل عندنا في العشرينات ، و كأنه يحمل كاميرا خفيه يلتقط بها هذه الحيوات الجامدة و التي غاب عنها الغدُ بكل أبعاده ، حيوات تعيش رزق اليوم باليوم ، أو موظف يرفض الذهاب للعمل لأنه لا فائدة و كل العالم حوله ” … كلاب ” …
يرسم أصلان كل تلك العوالم و يصيغها بلا ضجيج …
و لكنه ” لاضجيج ” المعني … إنه ربما ” يحاور” خطابَ السلطة الذي لم يتغير ! …
عندما تجد نفسك وسط كل هذا الخضم و لا ومضة أمل ، و حيث لا تلتقي النهايات كما يقول الفرنجة فيومك خراب و يومك أسود كما تقول الناس في مصر و في جوارها ، و عندما تطغي التهويمات علي الإبداع الفعلي ليس في الأدب فحسب ، بل على النهوض و الارتقاء و مزاحمة الأمم الأخرى المشابهة و التي شبّت بإنسانها و جعلته مواطنا أدرك أن وهج العلم و التعليم الحديث هو الطريق الأوحد و المتاح لقهر الظلام و التخلف ، و يبقى السؤال قائما : ماذا حدث ؟! و لمَ التعثر و لمَ العرج !؟ …
• الخوف و غياب الأسئلة
الخشية من أطلاق الأسئلة تؤدي إلي موات المعرفة و موات المعرفة يؤدي إلي الصمت . من قال ذلك ؟ لعله كونفيشيوس ! لستُ متأكدا ، و لكن كونفيشيوس يُنسب إليه كلام مشابه : ” الرجل الذي يسأل سؤالا يكون أحمقا للحظة ، أما الرجل الذي لا يسأل فهو أحمق طيلة حياته ” …
و الخوف من شبح تسلط الواهمين هو أيضا حماقة …
الضابط بدبورة و زيه الأبيض و تلفظه بكلام غير لائق عن الشاويش الذي سمح لي بالجلوس علي المقعد الخالي … لما جاءت المرأة السودانية الكبيرة تستأذن للجلوس في الظل نهَرها و التفت نحوي … إنت قاعد هنا إزاي ؟! … كان ذلك في يوم ذهبت فيه للسفارة السودانية لتصديق بعض الأوراق و كان علينا الانتظار لساعات ريثما نتسلمها فلجأنا للظل الذي تلقيه العمارات المقابلة … ويبدو أنهم جاءوا بالبوليس لتنظيم الزحام و كان الضابط نفسه يجلس في الظل علي كرسي و أمامه طاولة صغيرة … و كنت أجلس في الكرسي الآخر بعيدا عن الطاولة و الذي اعتقد أنه كرسي الشاويش الذي اختفي بعد ذلك …
و تهزيئه للعسكري الصغير الفلاح أمام عيني و دهشتي … إذن ما شاهدناه قديما في أفلام عادل أمام و سمير غانم و نور الشريف و غيره عن التخشيبة و القِسم لم يكن خيالا محضا بل واقعا يمشي علي أقدام حافية …
وهل أهلُ النصف الشمالي من الأرض علي حق حين كانوا يطالبون فيما مضى أولئك القابعين في نصفها الجنوبي بأفق المواطنة و الحقوق المتساوية … عوضا عن الريع و الرعية ؟!
لا اعتقد أن إبراهيم أصلان قد أجاب علي مثل هذا السؤال … فقد طرح أسئلته ، بل هو سؤال واحد في جُل إبداعه … و مضي … مثلما مضي قبله ثلة من المبدعين و غيرهم من ثاقبي الفكر و الوعي …
• نفور من السماسرة
في مسار الهروب و اللجوء تلتقي أحيانا بأناس تتوسم فيهم الصحبة …
و لكن طالما خالطني شعور مبهم بأننا لم نتخلص بعدُ من العشائرية ( و لا أقول القبائلية بمعناها الأولي أو البدائي ) و العشائرية ربما كانت أمٌ المحسوبية و رديفتها – السمسرة …
و لا أدري حقيقة لمَ كنتُ دوما و منذ زمن أمقت هذه الصنعة و كل من ينتمي إليها و كل ما يمتُ إليها بصلة و ترتبط بلا وعي عندي بمفردات أخري غير مستساغة أو حميدة !! ” لماذا ؟ لست أدري …
فبعد عودتي من المغترب الطويل و سكني بأمدرمان التي لا أعرفها ، كنا عرضنا سيارة جلبتها معي و شحنتها لميناء سواكن و و استلمتها بعد شهور في موقع الكرين ببحري الذي رايته و تجولت فيه لأول مرة ، و قدناها إلي البيت و وضعناها في القرّاش … ثم بعد فترة قصيرة عرضناها للبيع …
فانهالت علينا جموع من السماسرة من كل نوع و كان من بينهم واحد سالته إن كان إثيوبيا … و من الأمهرة تحديدا فأجابني بعد تلعثم خفيف أنه فعلا من هناك ، و لكن الشك ساورني بأنه يكذب ، فقد يكون من أي قومية أخري مشابهة ، و رأيت أن أتركه يمرح في دَجله . أليس سمسارا ؟ هكذا قلت في سِرّي رغم شعوري بالقسوة عليه بلا داعٍ ، فهو في النهاية أجنبي وسط مجموعة من ” الذئاب ” ، و قد يكون أقلهم حظاً . و صاروا يلغطون فيما بينهم و الأمهري المزعوم وسطهم و لكني تجاهلتُ كلامهم و أغلقت أذني الاثنتين عن لغتهم و التي كانت عيونهم المفتوحة تعبر عما ينتوون أكثر من كلامهم !!
ذكرني هذا بالدكتور الطبيب عبدالكريم الذي التقيته في مترو برلين ، ذلك الذي يدبٌ تحت الأرض ، قبل عقود و كنت جئتها و أنا طالب أبحث عن عمل في عطلة الصيف ، و كنت أنتعل حذاء قديما ، و بما أن الركاب متقابلون و لامجال للنظر خارج النوافذ فكان نظري يسقط تلقائيا علي أحذيتهم ، بعضها جديد و بعضها لامع …
و انتشلني الدكتور عبدالكريم الذي علمت منه أنه أتي إلي ألمانيا ليتخصص في الأذن و الأنف والحنجرة ، انتشلني من صمتي و تحديقي في الأحذية بأن حكي لي قصة غريبة حين اضطر في استانبول تركيا لانتظار الفيزا الألمانية لثلاثة أشهر كاملة هناك … و في تلك الفترة أصابته متلازمة – هكذا فسًرها – النفور من اللغة التركية ، مع أن الأتراك في نظره قوم طيبون و مسالمون … و وجد نفسه و بلا إرادة منه كلما صعد في البصات أو مشي في الشارع تنغلق إذناه عن السمع !! ، و لا يسمع الترك و هم يتكلمون لغتهم التي نفر منها لسبب لا يعلمه !!…
• علاقات مؤقتة
أدرك أن الكثيرين مثقلون بالخيبة و الارتباك و كان ذلك بائناً في وجوه النساء تحديدا أول أيام الهروب بالبصات ، رغم أني وصفت تلك المرحلة من قبل بـــ ” البوهيمية ” لأننا و ربما وغالبية الهاربين صدّقنا أننا عائدون لبيوتنا و حياتنا السابقة للحرب في ظرف أسابيع أو أشهر معدودات …
و وعيتُ فيما بعد أن ذلك وهم …
خصوصاً بعد تجربة صاحبنا ” تمّام ” الذي كان يبحث عن الويكة في حي فيصل بينما كنت أنا أبحث عن الرقاق لزوم تناوله مع الشاي باللبن في الصباح لأنني لا أطيق البسكويت … و لقد ذكرتُ سابقا أننا تقابلنا صدفة في محطة الميكروباص في حي الهرم و سألته عن المركبات المتجهة إلي حي فيصل ، و لحسن الحظ كان هو ذاهبا إلي هناك ، فترافقنا ، و كان لابساً جلابية و طاقية كحالتي … و علمتُ منه أن لديه دكان لبيع اللوازم السودانية في ناحية من حي الهرم و أنه أعتاد جلب بعض البضاعة من فيصل حيث دكاكين الجملة …
و تجولنا معاً في فيصل و بقالاته العديدة الممتدة في شارع طويل و بعض الشوارع الجانبية .. كان يسأل عن الويكة و يساوم و يفاصل و كذلك يستفسر البائعين عن الرقاق الذي أبحث عنه .. و لكنا لم نعثر أبدا علي الرقاق … و اكتفي هو بالاستكشاف عن أسعار الويكة و عزَم العودة في فرصة أخري لجلبها عندما تروق له أسعارها …
و تبادلنا أرقام التلفونات … و بعد أيام قلتُ أتصل به و سؤاله عن الأحول فذكر لي باقتضاب أنه قد تخلي عن المحل في حي الهرم … و لاحظتً أنه كمن استكثر عليً الاتصال به … إذ كان ينطق كلمة ثم يسكت … فاستفسره ثم يصمت ثانية حتي أحسست بثقل الحديث معه و اختصرت المكالمة بحجة أنه قد يكون مشغولا … و لم أعاود الاتصال به مرة أخري حتي مغادرتي مصر …..
…. يتبع … الحلقة الأخيرة
*
fattah71@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم