سردية (4)
بقلم عبدالفتاح عبدالسلام*
16 أغسطس 2025
سردية “تهافت الهاربين”
الحلقة الرابعة
ما زلنا في بورسودان
” فعل الخير يبدأ من المنزل، و العدالة تبدأ من المنزل المجاور” – تشارلس ديكينز
في الحلقة الثالثة الماضية حكيت عن التقائي مصادفة بأحد مواطني بورسودان، أصوله من أم روابة بكردفان، و توقفت عند سؤالي له عرضا عن المعارك الدموية التي جرت بالمدينة في 2018 أو 19 علي ما أظن. فذكر لي أنها كانت بين “الهدندوة” و “البني عامر” تحديدا و انها جرت في أحياء بورسودان الشعبية. و فيها انضم “نوبة” بورسودان إلي الهدندوة، و كان عدد الضحايا كبيرا من الجانبين. و أظنه ذكر لي أن قوات الدعم السريع وقتها ساهمت في فض النزاع. و أشار إبن أم روابة أن الوضع هادئ الآن رغم ما يشوبه من حذر متبادل و تمترس كل فريق في حيه أو الأحياء التابعة له.
و كنت سمعت من أحد سكان بورسودان، من غير البجا، أن البني عامر في السنوات الأخيرة أصبحوا يسيطرون علي كثير من الأعمال أو “البزنس” المتوسط في بعض القطاعات اللوجستية و الخدمية كمحلات بيع المعدات الكهربائية و المواصلات (الحافلات و الركشات) و الورش و “السوبرماركت” الصغيرة و بقالات الأسواق و ما شابه.
لم تهدأ محاولاتنا في العثور علي باخرة إلي جدة. و لكن في إحدي الليالي جاءنا خبر صادم بوفاة صهري، شقيق زوجتي بالقاهرة بعد وصوله إليها بيوم واحد، في هروب طويل من الحلفايا ، حيث وصلها قبيل الحرب بأيام لقضاء جزء من رمضان و عيد الفطر مع أسرته، حين كان ناويا العودة بعدها للدوحة القطرية حيث يعمل و يقيم منذ سنين عديدة. فقررنا أنه لو نجحنا في عبور البحر، نرسل الأولاد إلي “المدينة المنورة” إلي خالتهم المقيمة هناك، ثم بعد ذلك نسافر إلي القاهرة جوا لالتقاء بزوجة الفقيد، و بقية الأصهار.
غير أن خطتنا لم تنجح بالمجمل … فقد أفلحنا أخيرا في إيجاد تذاكر لنا علي الباخرة العابرة للبحر الأحمر. و أكد لنا القبطان أنني استطيع الدخول لميناء جدة بمستند التأشيرة. و اشترينا التئاكر بموجب ذلك و صعدنا الباخرة الكبيرة الممتلئة بالبشر.
لقد كانت تلك أول تجربة لي لعبور البحر الأحمر … بل لأي بحر في هذا العالم ..و كانت فرصة لأخوض مع عائلتي هذه السانحة .. و كان من الطبيعي أن نخشي من دوار البحر الذي سمعنا و قرأنا عنه كثيرا، إذ قضينا سحابة النهار، و الباخرة ماضية في طريقها تتأرجح برفق يسارا و يمينا ، علي جانب من ظهرها نتأمل زرقة المياه و السماء الصافية، و نلتقط صورا بموبايلاتنا.
دروس و عبر
هبطنا جدة في المساء و كنت الوحيد في العائلة الذي لم يستطع الدخول، إذ أن مستند الدخول لا يغني عن التأشيرة التي يجب أن تكون صادرة من القنصلية في الخرتوم… ماذا نفعل؟ لحسن الحظ كان إبن خالة الأولاد في انتظارنا خارج مبني الميناء و تواصلنا معه بالهاتف … فتكفل بأخذ الأولاد إلي محطة القطار لتسفيرهم إلي المدينة المنورة حيث خالتهم، و كان لا بد لي و زوجتي، التي قررت الأ تتركني وحدي لأعود لسواكن، و قامت بإلغاء تأشيرة الدخول الخاصة بها و توجهنا إلي باخرة أخري عائدة إلي سواكن دون تذاكر، إذ أنها تتبع لنفس الشركة التي جاءت بنا و عقابا لهم كان عليهم إعادة من لم يحمل تأشيرة في جواز سفره كحالتي. و كان العائدون مثلي لا يزيدون عن إثنين أو ثلاثة. المهم أودعونا في غرفة في الطابق القالث.
وصلنا سواكن مساء اليوم التالي و توجهنا بعربة أجرة إلي موقف سوق بورسودان. و لم نفلح في العثور علي غرفة في الهوتيلات القريبة، و قررنا الذهاب إلي مبني هيئة الموانئ البحرية لايجاد مخرج. و كنا الوحيدين في طرف الموقف حيث كانت الساعة تقترب من منتصف الليل و كنا نجلس فوق حقائبنا عندما توقفت ركشة و سألنا صاحبها عن وجهتنا، فأوضحنا له أننا نود الذهاب إلي مبني الموانيء البحرية. و لما عرف أننا نازحون من العاصمة إقترح علينا أن يأخذنا إلي مبني يأوي النازحين أمثالنا. كنا مرهقين وحيارى، و لم تأخذنا الشكوك التي تراكمت علينا و لكن صاحب الركشة و زميله الذي يجلس بجانبه و فرا علينا اللت و العجن وقالا لنا صراحة أنهم متطوعون. و بالطبع هدأ ترددنا. و خرشت الركشة بصوتها المميز هدؤ شوارع بورسودان الساكنة تلك الليلة حتي توقفنا أمام مبني يبدو أنه “استراحة” لجهة ما. دخل الشابان و خرج معهما شخص يبدو أنه “الحارس” و لكنهما لم يفلحا معه إذ أوضح لهما أن المكان “مستّف”. و لم ييأس الشباب و اقترحا أن يأخذانا إلي نادي “اتحاد البني عامر” – أو اسم قريب من ذلك علي ما أذكر، و هناك سيجدان لنا مأوي لتلك الليلة. و لكن كل الأماكن كانت مشغولة فشكرناهما علي مسعاهما الخيّر و طلبنا منهما أن ياخذانا إلي مبني هيئة الموانئ و هناك سندبر حالنا. و بالفعل أوصلانا هناك و أخذنا منهما رقم موبايل مع وعد بالاتصال بهما متي ما احتجنا.
عثرنا علي مساحة بالقرب من عوائل سورية كانت تنام في ما يشبه الخيام الصغيرة من البلاستيك أو الحصائر داخل ساحة مبني الموانئ و تتطوع بعضهم و منحونا وسائد. و استيقظنا مع الفجر و بحثنا عن الحمامات التي وجدناها في غاية القذارة و الماء مقطوع عنها. و أرشدنا بعضهم – أي السوريون – إلي حمامات بعيدة خارج المبني تبدو بوضع أفضل.
في ذلك النهار فكرت زوجتي في الاتصال بواحدة كانت جارتنا يوما في مدينة الرياض السعودية، فرحبت بنا و طلبت منا القدوم إلي منزلهم في أحد أحياء بورسودان. و هناك تناولنا معهم طعام الغداء و في المساء عدت وحدي إلي مبني الموانئ البحرية.
جلست وحيدا في برندة مبني يواجه الموانئ البحرية و كان البعض يفترشون الأرض نياما او جلوسا مشغولين بموبايلاتهم.
فكرت في إنسانية المتطوعين (أصحاب الركشة) الذين قدما لنا تلك الخدمة و جعلت أقلب الأمر من جديد … فلقد كنت مطلعا علي الكثير من الكتابات أن دولة “الانقاذ” قد فعلت فعلها طيلة العقود الثلاث و نيف الماضية في خلخلة البنية الأخلاقية للكثيرين، و لكن ثورة شباب ديسمبر 18 بينت العكس، بل أوضحت أن أولئك الشباب اليافعين قد اكتووا بالممارسات اليومية للإنقاذيين و من التحق بهم، و “الكلبتوقراطية” الصريحة التي كانت تسير حافية أمام أعينهم و المغلفة بالقشور و الادعاءات الطهرانية الخالية من أي سلوك واقعي، لما كان الناس العاديون يسخرون من قادتهم و بعض رجال دولتهم بوصمة “أبو أربعة و أربعين” أو كما شرحها أحدهم: أربع زوجات و أربع عمارات و أربعين مليار في البنك (بالقديم جدا طبعا) …. و لكن نفس بورسودان هذه قد أسهمت في (وضع عصا في دولاب) المرحلة الانتقالية حسب التعبير الشامي!!!!.
هل هو تكسب سياسي يقوم به أولئك الشباب أو أمثالهم من المتطوعين؟ في مواجهة جسم سياسي أو إثني آخر ؟؟؟ أم هما حقيقة من جيل شباب الثورة المتأثرين بنظرائهم في أتبرا و العاصمة المثلثة و بقية المناطق؟؟؟. أم أن الأمر كله ينحصر في “أن أفضل طريقة للعثور علي نفسك هي أن تضع نفسك في خدمة الآخرين” كما قال المهاتما غاندي… ؟!
تعرفت في تلك البرندة أيضا علي اثنين ينتظران التأشير لهما للسفر إلي سلطنة عمان. كان أحدهما من شباب المسيرية بكردفان و الذي انتقد شيطنة الناس لقوات الدعم السريع، بينما صمت الآخر و الذي بدا أنه من العاصمة و لم يبد تعليقا.
رأيت الاتصال بأحد أشقاء صديق لي من أيام الرياض السعودية ، مقيم حاليا في شيكاغو الأميريكية. و كان أرسل لي رقمين لشقيقيه المقيمين في بورسودان حين علم أنني جئت نازحا هناك و في طريقي إلي الرياض. و بالفعل جاءني أحد الشقيقين و أخذني بسيارته من مبني هيئة الموانئ إلي بيتهم في حي المطار و الذي هو أصلا بيت والدهم الذي نزح لبورسودان منذ زمن بعيد..
و لا أود هنا أن أسهب في مدح أهل صديقي، فما فعلوه هو الشئ الطبيعي و البديهي في ألأعراف أو الواجب الذي درج عليه السودانيون من شتي مناطقهم و أقاليمهم منذ أزمان بعيدة و لا يحتاجون لسلطة أو وعظ أو وزارة لترشدهم ماهو الصح و ما هو الخطأ.
نزح أحد الشقيقين من بحري و الآخر من الخرتوم و تحدث النازح من بحري عن المعارك التي شهدها ببحري قبل أيام من وصوله بورسودان و عدد القتلى الكبير في صفوف جنود الجيش. و في الجامع القريب من بيتهم في حي المطار تحدث الإمام في خطبة الجمعة عن ضرورة السلام و الاتفاق…
وداعا بورسودان
جاءت لحظة الحقيقة إذن و أزفت ساعة رحيلنا من بورسودان، في ملحمة جديدة بالبص إلي القاهرة. و في فجر ذلك اليوم أخذني مضيفي بسيارته متوجهين إلي موقف البصات بعد أن عرجنا علي حي آخر لاصطحاب زوجتي.
هذا هو البص الثالث (أو اللامكان) حسب مارك غوشيه، في مسار نزوحنا أو هروبنا الطويل، و الوجهة كما قال مكتب الشركة: “أرقين” أولا ثم بعد ذلك العبور شمالا. جلسنا في المقعدين خلف الباب في منتصف البص هذه المرة، و علي يسارنا تموضعت عائلة سورية من أب و أم و أطفال صغار و يافعين. لا بد أنهم يئسوا من الانتظار الطويل و الممل في بورسودان. أما الباقون من الركاب السودانيين فلا نعرف منهم أحدا. و ران صمت ثقيل قبل أن يتحرك البص قبيل شروق الشمس في طريقه المرسوم.
عبرنا كبري علي النيل حول أتبرا دون المرور بها. أشرقت وجوه السوريين حين مشاهدتهم مياه النيل و الخضرة حوله. و لكن سرعان ما ولجنا صحراء بيوضة التي عبرناها نهارا و في آخر النهار كنا علي أعتاب “القرير” ثم مررنا بمطار مروي عن بعد، و توقفنا لدقائق بمروي و عبرناها إلي مروي شرق حتي ألفينا أنفسنا علي سفح جبل “البركل”. وجه بعض الركاب كاميرات هواتفهم لالتقاط صور مما أدهش السوريين، فحاولت أن أشرح لهم بأن هذا جبل “أثري” من آلاف السنين؛ و رغبت أن استرسل بأن في جانبه المقابل للنيل معبد للملكة المصرية “حتشبسوت” و لكني أحجمت وقلت لنفسي: نحن لسنا في رحلة سياحية. نحن هاربون…نازحون … قلقون….إلخ. و لكننا عائدون … أسابيع… شهر.. شهرين بالكتير….
بمجرد مغادرتنا الجبل بعد هبوط الظلام كنا علي أمل الوصول لدنقلا، حسب ما سمعنا، و المبيت في استراحة .. ففرحنا …. فعلي الأقل سنرتاح قليلا قبل مواصلة الرحلة إلي أرقين.
في عتمة صحراء العتمور و التي أخافت فيما مضي جحافل الغزاة، أحدهم و هو “قمبيز”، القائد الفارسي في العصور الغابرة، ابتلعته الرمال و الشمس الحارقة، فيما اكتفي الإغريق و الرومان ببناء حصون علي حافة الشلال الأول، أو اسوان الحالية.
كان الأسفلت الأسود – و الذي بدا أن الصينين أقاموه علي أطلال الردمية القديمة التي كانت تسير عليها فيما مضى بعض البصات السفرية و الكومرات الحكومية من حين لآخر عند الضرورة . الوحيد الذي اجتاز تلك الصحراء الوحش بتكنولوجيا الثورة الصناعية البريطانية هو الجنرال “كتشنر”، بماكينته التي تنفث البخار و التي احتار فيها طلائع عساكر محمود ود أحمد في ضواحي أتبرا، قبل نحو 127 سنة.
عادني السؤال السخيف و المكرر و أنا أحاول النوم علي مقعدي عبثا: هل التاريخ يسير فعلا إلي الأمام كمأ أشار العديد من فلاسفة العصر الحديث و علي رأسهم “هيغل”، أم أننا و أمثالنا حالة خاصة ، استعصت لديها الحداثة بمعناها الأوسع. لماذا نجح اليابانيون و الصينيون و الكوريون و أقربائهم في جنوب شرق آسيا و كذلك الهنود أخيرا ؟؟؟!!!! أين المشكلة ؟؟!!
يتبع….
fattah71@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم