بقلم عبدالفتاح عبدالسلام
23 أغسطس 2025
سردية “تهافت الهاربين”
الحلقة الخامسة
حفلة “العنقريب” في دنقلا العرضي
“عرب وين … طنبورة وين”
مثل عراقي
و هو من مرويات التراث العراقي الحية و قريب في تفسيره (الفج) من المثل المصري: “اللي ما يعرفش يقول عدس” و هو عن رجل فقير يدعي “عرب” و زوجته البسيطة “طنبورة” التي لا تسمع و لا تتكلم. و يذكر عادة عندما تحل فجيعة، و يعني باختصار مخل أنه و وفق مخزونك القابع في تلافيف الدماغ، إذا كنت ناقص المعرفة و التخيّل، تجد أن الأمر الذي كنت قد استبطنته يختلف مئة و ثمانون درجة عن ذلك الذي توقعته.
و لأنني مولع بالتراث و الشعر و الحكايات العراقية – كذلك اللهجة العراقية المحكية (سأعود لأبين السبب في سانحة أخري) – و بالتراث العراقي عموما منذ أيام طيب الذكر “أبو عثمان عمرو الجاحظ” و “أبو تمام” و “البحتري” مرورا بشعراء القرن العشرين العظام: الجواهري و السياب و سعدي يوسف و عبدالكريم قاصد و محمود البريكان و حسب الشيخ جعفر …. و غيرهم كثيرون – مع أني ما زرت يوما العراق – إلا أن المثل المذكور يكاد ينطبق علي حالتنا نحن المساكين “الهاربين” الذين هبطوا طرفا من دنقلا المدينة أو “العرضي” – بضم العين و كسر الضاد… ذات ليلة ليلاء ….
كان أصحاب البص أو مكتب شركتهم ببورسودان قالوا أننا سنبيت في استراحة في دنقلا ففرحنا كما قلت سابقا و منينا النفس بالمستطاب…. و توقف البص وسط جمع من البصات علي طرف مايبدو أنه شبه سوق به أنوار شحيحة، و صاح صائح: “الحقوا العناقريب قبل ما تخلص…” عناقريب؟؟؟!!! ليه؟ دارت بعض الرؤوس تسأل بعضها. طبعا مفردة “استراحة” للذين كانوا أو لا زالوا في الخليج تعني مكان أو “خان” عادة في أطراف المدن، أو علي الطرق السريعة بين المدن المتباعدة مجهزة بغرف عليها مفارش أرضية (أو سرر) و وسائد للنوم و مجهزة بمرافق حديثة ، إلي جانب المطاعم و المقاهي و غيره، و تكون بمثابة “كومبليكس” حسب مخترعيها الخواجات، أساسها محطات البنزين و الجازولين السفرية.
شاهدنا البعض في الضوء الشحيح يحملون عناقريبا فوق رؤوسهم و أكتافهم تتهاوى و تتمايل بحثا عن مساحة خالية قرب بصاتهم .. و العنقريب بلا لحاف أو وسادة، أجرته في الليلة الواحدة 1000 جنيه، و العاجبه عاجبه و الما عاجبه ينوم في الواطة. و انتبهت ساعتها أن العناقريب ليست العناقريب التراثية المعتادة من الخشب، بل من الحديد و مجلدة بحبال من البلاستيك. و طبعا وقفت “كتور الله الأنطح” أمام موزع العناقريب الذي “لا ينبس ببنت شفة” كما يقول التعبير المبتذل و ناولته الإيجار و طلبت عنقريبين مشفوعا برجاء أن يقوم أحدهم بحملهما نيابة عني لأني عندي الديسك أو “الانزلاق الغضروفي” حسب ترجمة كليات الطب السورية. و أصر “مستر صامت” علي صمته و أشار برأسه بما يعني: انتظر شوية. و لكنه كان شهما و عندما قلّت العناقريب اتجه نحو اثنين منها و نادي أحدهم فسار خلفي “الأحدهم” الذي لم أتبين شكله في الظلمة رافعا عنقريبين تحفة فوق رأسه و و ضعهما قرب موقف بصنا واختفي “لا يلوي علي شئ” كما يقول التعبيير – غير المستهلك الآخر. و “تنفست الصعداء” كمن انزاح عن رقبته حمل ثقيل.
مقولة “حلبي” و “بيضا”….
بعدها اتجهت إلي المطعم الكبير.. لا يوجد غير الفول .. حسنا… و لكن ليس في شكل ساندويتش بل في صحن …. طيب! كان صاحب المطعم رجلا بدينا فاتح اللون ملامحه مصرية، فاستنتجت أنه قد يكون من أهالي “دنقلا العرضي” الأصليين الذين طالما رغبت أن أعرف منهم مباشرة، دون وسيط، منبتهم و حكاياتهم و تراثهم. رغم أني عاشرت كثيرين منهم في الدراسة و العمل أو في المهاجر، إلا أنني لا حظت ما من واحد منهم “تبرع” يوما ليسرد حكاياتهم مثل الآخرين. قد تكون هناك قصص عن “العٌرضي” لم يسعفني الحظ أو الظروف بالإطلاع عليها، و قد تكون في أضابير البحوث و الدراسات الأكاديمية غير المبذولة. غير أني أعرف أن كثيرين من المهنيين و المعلمين الإداريين و السياسيين قديما، خصوصا الإتحاديين مثل “الأستاذ علي محمود حسنين المحامي” أصولهم من “دنقلا العرضي” هذه. و هنا أتذكر صديقي القديم “أبو بكر الشامي” الذي تعرفت عليه في الرياض السعوديه قبل سنوات طويلة، و الذي ترجع أصوله أيضا إلي “العرضي”، إذ كان دائم التهكم علي طريقة كثير من السودانيين “العجيبة” في تصنيف مواطنيهم من سكان المدن: إذ يقولون عن الرجل – خلف ظهره – “حلبي” ، أما المرأة فلا يقولون عنها “حلبية” بل “بيضا” ؟؟!!. اشمعني يعني؟ حسب تعبيره..
المهم… تعشينا أنا و قرينتي ولم يكن لدي رغبة في النوم، رغم أنني قديما كنت أحب النوم في الهواء الطلق، و كان الهواء في “استراحة” دنقلا ، رغم الزحمة، رحبا و طلقا بالفعل. و توسدت زوجتي حقيبتها الصغيرة و حاولت النوم و جلست أنا علي طرف العنقريب الآخر “العريان”…. و عند مراجعة الأمر الآن و أنا أخط هذه السطور اكتشفت أننا كهاربين كنا ما زلنا في المرحلة “البوهيمية” … أي مرحلة “أسبوع إسبوعين… أو شهر شهرين” و تنتهي الحكاية و كان ذلك النزوح – بالنسبة لي حقيقة – فرصة للاستكشاف، رغم الخيبات، لهذا البلد و أهله الذين كنت ما زلت اعتقد في طيبتهم و شهامتهم و حبهم للغير، و نهمي الدائم لاستبعاد شكوكي المبهمة نحو كثيرين منهم.
ثم فجأة علت جلبة و صياح و سط السكون جهة الحمامات…
كان شاب يرتدي جلابية واقفا قرب فنطاز ماء متوسط الحجم يشتم و يصيح “بملء فيه” كما تقول العرب في الأزمنة الغابرة: كلاب ! …. قمتو جارين من الدعم السريع يا خوافين يا جبنا و … و …. كان يصيح في وجه أو وجوه بعض المسافرين النازحين الواقفين أمام الفنطاز .. الذي قد يكون خلا من الماء.
توجهت نحو الصوت و وقفت علي خطوات بعيدة من الشاب الهائج، و لكنه كان جالسا فوق أحد الفناطيز الفارغة مديرا وجهه ذواللون الأصفر و البائن وسط الأشباح، المتجهة خلفة صوب الحمامات، نحو جمهور النازحين المكدسين حول أو فوق العناقريب في ساحة الموقف. و خفت صوته كمن يحدث نفسه و إن واصل في اجترار السباب و اللعنات…. أصل الحكاية كما عرفت فورا أن الفناطيز خلت من الماء الخاص بالحمامات، مما أدي لاحتجاج النازحين و وقوف بعضهم مذعورين أمام ذلك الشخص القابع فوق أحد الفناطيز الخالية….
هنا جذبني شبح من يدي و صحبني إلي حيث رصّت العناقريب و رجاني ألاّ أتفاعل مع الشخص الذي يشتم النازحين. ربما كان مسطولا أو معتوها ما أدراك؟؟ هكذا قال “محمد” و هذا اسمه حسبما أذكر. عرفت أنه زميلنا في البص، لفت نظري عندما صعد البص في بورسودان فجر اليوم و معه شخص آخر يشبهه، أنهما كانا يرتديان الجلابية الزرقاء الداكنة و لا يضعان طواقي علي رأسيهما، كحالتي. كانا شقيقين من “الخرتوم 3” كما عرفت لاحقا. و أفسحا لي مساحة علي سريرهما للجلوس. ظل محمد يثرثر، بينما لم “يدل” شقيقه “بأية أقوال” كما يقولون. ذكر محمد أنه لعب في فريق “المريخ” يوما جوار اللاعب الشهير حينها “كمال عبدالوهاب” و لكنه لم يستمر طويلا، فنسيه الناس. ثم اتجه في أواخر التسعينات و الألفينات إلي التلحين لبعض المغنين و المغنيات الناشئات. كنت سعيدا نوعا ما بأن ألاقي “خرتومي عريق” و لاستعادة بعض الذكريات: مدرسة الخرتوم الثانوية الجديدة “مدرسة شوره” و ميدان “نادي الأسرة” – عبدالمنعم أو المولد قديما. و حديقة القرشي أو “الدومة” كما يشير إليها سكان خرتوم الأربعينات و الخمسينات. و شارع و موقف “كترينا” لبصات الديوم الشرقية ، و جامع “شروني”، و غيرها من المعالم.
سألته عن بعض شعراء الأغاني الذين عاصرهم فذكر أحد الرومانسيين الذي غني له طيف من الفنانين الكبار في الستينات و السبعينات وحتي أوائل الثمانينات، والذي كان يسعّر أغانيه قبل توزيعها علي الفنانين المشهورين و غيرهم – و هذا جانب خفي لا يعرفه الكثيرون. و رغم ذلك كما قال – لم يغتن ذلك الشاعر و اضطر إلي الهجرة في أواخر الثمانينات إلي بلدان الخليج .
عندما تعبنا من الونسة استأذنت لأذهب و أحاول النوم، غير أني وجدت عنقريبي مشغولا. كانت امرأة نحيفة ملفوفة بثوبها تغط في النوم. همست لي زوجتي أن هذه المرأة الكبيرة رجتها أن تنام لآنها متعبة، فصعدت أنا إلي البص و حاولت عبثا النوم دون فائدة. بعد قليل صعد محمد، إبن الخرتوم 3 و شقيقه، و واصلنا الثرثرة و كان هناك بقية من الركاب.
بعد قليل أطلق البص بوقه فجرا معلنا استئناف مساره شمالا نحو أرقين. تموضعنا هذه المرة علي الجانب الأيسر في خلفية النصف الأمامي من المركبة. و قبعت زوجتي قرب النافذة و شكت من تورم ساقيها و أقدامها بفعل رحلة البص الطويلة.
و بما أننا كنا لا نزال في مرحلتنا “البوهيمية” من النزوح الهروبي إذا صح التعبير، فقد توالت خيبات “البوهوميزم” في أننا سنسير ليلا و ستفوتني مناظر مدن و قري قرأت عنها و سمعت عنها الكثير أمثال “البرقيق” و “أرقو” و “دلقو” و “كرمة” مهد حضارة كوش و جزيرة “بدين” و “عبري” التي حدثنا عنها المرحوم والدنا كثيرا، إذ أمضي فيها عاما كاملا – بعيدا عن أسرته و أهله – في منتصف الستينات مشرفا علي إنشاء مبني مجلس ريفي عبري. و كنت أود مخلصا مشاهدة، و لو من بعيد، جزيرة “صواردا” موطن الفنان الكبير محمد وردي. و لا أدري حقيقة شكل الطريق التي سلكناها، فالدنيا ليل و الكل متعب، و لا عزاء للهاربين النازحين…
و أنا بين اليقظة و النوم و التهاويم … كانت العائلة السورية أمامنا مباشرة، و في الجهة اليمني جلست عائلة من أم و ابنها الشاب و ربما أمرأة شابة أخري معهم، ربما كانت أخت الشاب… بدا الشاب متحفظا و لا يرغب في التواصل مع أحد. كانت ألوانهم الفاتحة و ملامحهم تشي أنهم من أسرة “مرتاحة” رغم القلق البائن علي وجه الشاب و الأم، لا يصدرون أصواتا و لا همسا. تفاهمهم فقط بلغة العيون… و الشاب منكب علي موبايله بلا كلل …. هم قطعا من العاصمة المثلثة …. و تبعتها خاطرة – من عندياتي طبعا: “كلا ثم كلا !” مثل هؤلاء لا يبدو عليهم أنهم “مستجدي نعمة”. من هم إذن؟؟!!
هناك عائلة أخري صغيرة، من أم و أبنها الصبي. طلبت منهما زوجتي “قليلا من النت” لأنها “قطعت” فاستجابت الأم بسرعة و أمرت إبنها فقام باللازم بأريحية، مثلما قام به معي إبن العائلة السورية من قبل. سمعت المرأة تقول لزوجتي أنهم هربوا من كافوري. “كافوري؟!” …. اللّااا !!!!… كا يقول “عادل إمام” عادة عندما يستغرب و يستعجب!! إذن قد يكون هؤلاء من الذين سمعنا وقرأنا عنهم في العقود الأخيرة، و إن لم نرهم “رأي العين”، …. ملامحهم “الخدراء” و ملابسهم – خصوصا المرأة – أكثر من عادية، أقرب للبداوة …
هكذا استرسلت في تلك الخواطر “الأنثروبولوجية” أو “النفسية – الاجتماعية” الآنية محاولا الاستكشاف أو التفسير … رغم صعوبة هذا الجانب و نتائجه التي قد تكون متحيزة و غير آمنة كما تقول الدراسات.. منذ زمن طيب الذكر الخواجة “يوهان لافاتير” أواخر القرن الثامن عشر و إلي “اليكساندر تودوروف” من جامعة برينستون حديثا. و هنا استذكرت كتابات قديمة للأستاذ شوقي بدري في هذ الجانب و الذي كتب ذات مرة: اللون الفاتح في بلاد السودان قد يساعد في جني الثروة و فرص التوظيف و حتي الزواج والتموضع الاجتماعي …أو إلي ذلك … و العكس صحيح….
….. يتبع
fattah71@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم