بقلم عبدالفتاح عبدالسلام*
9 سبتمبر 2025
سردية “تهافت الهاربين”
الحلقة السابعة
صمت العائلة المحير
بعد ساعة من تحركنا في منتصف الليل من أرقين بالبص المصري و سائقه المصري، و الهدوء يلف الجميع انهارت المرأة الصامتة و تمددت علي الممر، فأسرع إليها الإبن، و كأنما كان يتوقع ذلك، و شرع يربت علي رأسها و يريحها في رقدتها وهو ممسك بيدها. و سارع الركاب القريبين و خاصة السيدات عارضين المساعدة و لكن الإبن الصامت لم يتجاوب مع أحد. و قلت بصوت خفيض و هو بجواري تماما “حاول تدلك اليدين شوية”، مستذكرا شذرات من الإسعافات الأولية التي تدربت عليها فيما مضى. و لكنه لم يهتم و ظل يحدق في وجه أمه التي استسلمت للرقاد.
و قالت واحدة أخري قريبة من مقاعدهم:
- أمكم دي و دوها دكتور لمن نصل مصر …
نعم … تعاطف الكل معهم .. غير أن الإبن مازال في صمته العجيب . لقد تداعت الأم و الرحلة في ثلثها الأخير … إنها حرب التفاهة إذن … و هي السبب … و لكنها لا تشبه أية حرب أخري حديثا أو في التاريخ السحيق … سوى أنها ربما جرت أمام أو فوق أعين هؤلاء الذين فروا منها … و ما زالوا يجترون نزوحها، من المؤكد أنهم سمعوا هديرها مثلنا … و عوض أن يهبطوا من لواري أو يسيروا علي أقدامهم … ركبوا بصات وفرتها لهم بعض حداثة، ألمت ببلدهم عرضا في صدفة من صدف التاريخ المحيرة… و مشعلوا الحرب لم يسهموا قطعا في هذه الحداثة التي جلبت لهم منذ زمن البواخر علي النيل و سكك الحديد بين ألقري و الأمصار و اللواري بين الفيافي و القفار و أخيرا الطائرات أشكال و ألوان تنقل المتنفذين و المنقلبين فيما مضي من علي مدرج مطار الخرتوم إلي العالم المبهر الفسيح …
وبات أقرب وصف لحال الهاربين بعد النزوح قول شاعرنا المحدث نصّار الصادق الحاج:
كل القرى شاحبة
و الأرض مأهولة بالديون
العربات التي تنقل النازحين توقفت قليلا
حتي ينزل الركاب من سطحها المهترئ
تقيأ الكثيرون هناك
و أشجار الفطريات و السلاحف خرجت من شقوق الخشب
….
هذه الصورة هي أقرب ألف مرة في اعتقادي من أبيات زهير ابن أبي سلمى من القرون الغابرة:
و ما الحرب إلاّ ما علمتم و ذقتم
و ما هو عنها بالحديث المرجّم
إلخ …
و التي أخذني العجب لاستشهاد الكثيرين بها في أول اندلاع الحرب ، رغم “خشبيتها” الظاهرة و “كعكعتها” الحجرية السحيقة…
و توقف البص في الصباح في استراحة قيل لنا أنها في طرف أسوان أو مقابل أسوان و لم يبد أحد اهتماما !! … طيب … أين السد العالي و أين خزان أسوان و أين أبو سمبل و غيرها من المعالم ؟!
طبعا نزلنا عند الأستراحة كالعادة بحثا عن الحمامات و طعام نشتريه.
و عند الحمامات كان زحام و لم يكن هناك رسوم لاستخدامها، و لم نلحظ أن هناك بعضها مخصص للسيدات، و اندهشت لإقدام السيدات السودانيات بالتكتل أمام الحمامات و انتزاع حقهن باستخدامها، خصوصا الفتيات. فاستذكرت قطار الشمال قديما حيث كانت النساء من جميع الأعمار يأنفن من استخدام حمامات القطارات نهارا و ينتظرن حتي أواخر الليل، أو عند التوقف في المحطات الكبيرة. و كنّ في ذلك الزمن لا يجرؤن حتي علي الأكل أمام أنظار الركاب الآخرين من الذكور.. فبدا أن التمدن أو التحضر urbanisation قد فعل فعله بمرور الزمن ، و كما ذكرت آنفا فغالبية ركاب البص هم من نازحي العاصمة المثلثة. هل تصرف السيدات هذا فلنقل بفعل العولمة .. جايز! إذ أن معظم أولاء الفتيات و السيدات يستخدمن الموبايلات الذكية … إذن أين المعضلة ؟؟؟ …
أختفت بالطبع العائلة الصامتة و يبدو أنهم ذهبوا للبحث عن عيادة لفحص الأم المريضة … و من الجائز أنهم لم يودعوا أحدا من ركاب البص ! ….
و قضينا بقية النهار في البص الذي ينهب الطريق الصحراوي البعيد نوعا عن النيل و لم نقترب منه مطلقا أو من المزارع … حتي أننا كنا ندور حول المدن الكبيرة كقنا و الأقصر و نجع حمادي و سوهاج و أسيوط و بني سويف و المنيا و غيرها….
و توطدت علاقتي بالأخوين من جماعة الخرتوم 3 و كنا نتناول الوجبات المصرية القليلة و المشروبات المثلجة و الشاى في الاستراحات ، و كالمعتاد كان لاعب الكرة القديم الذي انتقل للموسيقي و الفن حديثا يثرثر و أخوه غارق في أفكاره.
ميدان رمسيس
توقف البص في ميدان رمسيس في قلب القاهرة قبل منتصف الليل بساعة تقريبا، معلنا نهاية رحلته. الرحلة التي بدأناها قبل ثلاثة أيام بلياليها من بورسودان … و عشر ساعات كاملة في هجير أرقين مع حسن الحظ و لطف الأقدار كما قال أصحاب الأكشاك فيها…
غادرنا ذلك البص إلي الأبد … إنه “لا مكان” بالفعل كما حاول ذلك الخواجة مارك غوشيه فلسفته بسلاسة…. أو كما قال مريد البرغوثي ذات يوم:
” أنا أعيش في بقع من الوقت … بعضها فقدته و بعضها أملكه لبرهة ثم أفقده … لأنني دائما بلا مكان”!! …
سارع الشقيقان من الخرتوم 3 بمنحي رقم هاتف لأحد أقربائهم في القاهرة مع التوصية الملحًة بالاتصال بالرقم بعد يوم أو يومين.. أما بقية الركاب فقد تفرقوا في الميدان الضيق بحثا عن وسيلة تنقلهم لمبتغاهم بينما اتكأنا نحن علي حقائبنا ريثما نعثر علي تاكسي…
تلفتٌ أبحث عن العائلة السورية لنقول لهم وداعا .. كانوا قد اختفوا …. ابتلعتهم المدينة الضخمة …..
الأقدام متعبة و متورمة قليلا …هذه هي أم الدينا إذن .. كم سنمكث فيها؟ لأ أدري !
و أخيرا غادرنا الميدان داخل تاكسي انطلق بنا صاعدا هابطا كباري القاهرة حتي وصل بنا بالقرب من أحد المولات و وانبهرنا بالأنوار و ضجة الخلق و العربات و كأن الدنيا نهار …
هذه هي عاصمة مصر إذن … بلد طه حسين و العقاد و الحكيم و نجيب محفوظ مرورا بيوسف إدريس و خيري شلبي و إبراهيم أصلان و صنع الله إبراهيم …
بلد الصحفيين و الشعراء من كل الأوزان … بلد الحناجر الذهبية للفنانين التي ألفناها و نحن صغار….و الممثلين الكبار الذين انبهرنا لأول مرة و نحن أيفاع في العيد و أمامنا شاشة عريضة “أد الدنيا” تعرض “خيالات ملونة وسحرا” …
جئتها قبل سنين سائحا أول عهدي بالعمل بالخليج … هل كانت القاهرة أهدأ .. لا أظن …كان الميترو قيد الإنشاء … نزلت حينها بشقة صغيرة بالدقي و شهدت في ذلك الزمن مسرحية “شاهد ما شافش حاجة” لعادل إمام في مسرح الفنانين المتحدين في قلب القاهرة …. و زرت الأهرامات و حي الحسين و جلست في مقهي الفيشاوي و تناولت الملوخية في مطعم في “خان الخليلي” و كنت أحمل كاميرا …
أما الآن فالنازحون لا وقت لديهم … و لامزاج .. و لا فلوس يبعزقونها … ثم إننا عابرون… سنمكث ريثما أحصل علي التأشيرة السعودية …
و تذكرت الشاعر الراحل حلمي سالم الذي شاءت مقادير الكتابة يوما أن أتعرف عليه بالهاتف حين كان علي رأس إدارة مجلة “أخبار الأدب” …و القطب الآخر رؤوف مسعد (المولود في بورسودان) و الذي هاتفته من الرياض السعودية بمنفاه الاختياري بالأراضي المنخفضة مع أسرته الهولندية … أساله نسخة عن روايته الأولي الرائعة “بيضة النعامة” التي دارت صور و أحداث كثيرة منها في ود مدني ومنها رحلات القطار إلي حلفا و أسوان (قبل السد العالي) ….
….. يتبع
fattah71@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم