هروبنا من أمدرمان القديمة …. “بدأ بخطوة واحدة” (8)

بقلم عبدالفتاح عبدالسلام*
1 أكتوبر 2025
سردية “تهافت الهاربين”
الحلقة الثامنة
مقبرة الصحراء
وصلنا الشقة المقصودة في حي الهرم بالقاهرة و قضينا النصف الأخير من الليل في الحديث مع المضيفين الذين سبقونا باسبوعين أو ثلاثة ، و كانوا قد هربوا من الخرتوم و تخلف أحد أبنائهم في أرقين لأنه أكبر من الثامنة عشرة من عمره . و اتفقنا علي زيارة المقابر حيث دفن شقيق زوجتي و كان جاء هاربا مع قرينته ، و كانا ينويان السفر من القاهرة إلي الدوحة القطرية حيث يعملان ، و توفي في الفندق من إرهاق السفر بالبصات صبيحة الليلة التالية لوصولهما.
و جاء الشقيق الأكبر للمتوفي و ركبنا تاكسيا توجه بنا إلي هضبة الأهرامات و منها انطلقنا في طريق مسفلت في قلب الصحراء حيث توارت كل المعالم خلفنا ، بما فيها الأهرامات الثلاثة، حتي وصلنا أخيرا وبعد أكثر من ساعة و نصف إلي مبان مسوّرة بجدران عالية بلون أقرب للأصفر…
اهتدي الأخ الأكبر للمربع المقصود و سط الكم الهائل من البوابات المرقمة و لكنه لم يستطع تذكر البوابة المقصودة ، و برز فجأة من أحدي الممرات شخصان أو ثلاثة و هم يشيرون إلي بوابة صغيرة …
دخلنا البوابة بوجل، و كنا أربعة ؛ شقيقتا الميت و شقيقه الأكبر و أنا . كنت الوحيد من خارج العائلة لذا ربما كان شعوري مختلفا. و كانت المقبرة مرتفعة و كأنها علي مسطبة و فوقها سماء شاسعة و كان الوقت عصرا. و المصطبة تحتوي أربعة قبور ، و كل قبر عليه شاهد و اسم المتوفي ، و يبدو أنهم دفنوا حديثا إمرأة ، و كانت المقابر كلها لسودانيات و سودانيين ، و أشار الأخ الأكبر إلي أن المقبرة كانت خالية عند مواراة شقيقهم “محمد”….
و رفعنا جميعا أكفنا وقرأنا الفاتحة و تلا الشقيق الأكبر دعوات كثيرة رددناها خلفه …
لقد شاركت في جنازات عديدة و أنا في المغترب الطويل لأناس عديدين بعضهم أقرباء و بعضهم من أعز الأصدقاء ، و كان إحساس الفقد يعظم كلما تذكر أقرباؤهم بأنهم لن يتمكنوا يوما من زيارة مقابر موتاهم لأسباب كثيرة ، بينها أنهم مؤقتون هناك و قد يعودون يوما لمدنهم و قراهم تاركين وراءهم أجداثا لأحبة في أماكن بعيدة و “أجنبية” ….
و عند الفرار و النزوح من الحرب يتضاعف الألم و الخسران …
• ” الكون مدينة عظيمة مترامية ، و ما الموت إلا رحلة من أرض إلي أخري “
هذه مقولة رواقية لفيلسوف إغريقي قديم هو ” فيلوستراتوس ” Philostratus ، و لكن أبيات “مالك ابن الريب ” الذي مات في بدايات العهد الأموي ، و رجا صاحبيه ألّا “يستعجلا” مبارحة قبره ، وقعها أوجع و تحرك الوجدان و تهوّل مفارقة الدنيا ذات الطول و العرض:
• فيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا
برابية إني مقيم لياليا
أقيما عليَ اليوم أو بعض ليلة
و لا تعجلاني قد تبيَن ما بيا
و هي أبيات أو قصيدة معبرة لا تحتاج ، في اعتقادي المتواضع ، “للمرشد في فهم أشعار العرب” لفهمها ، لخلوها من الكعكعة و الخشلبة و الحجررة…..
و غادرنا المقبرة عند الأصيل و أنا أقول متأسيّا: يوسّد محمد ثري صحراء مصر الغربية وحيدا فمن سيزوره في منفاه هذا يا تري بعد شهور أو أعوام . شقيقاته و شقيقه ، و كلهم نازحون أتوا القاهرة عرضا هاربين من حرب لا شأن لهم بها ، و زوجته و أولاده يقيمون في دوحة قطر.
مفوضية اللاجئين
بعد يومين من زيارة المقابر توجهنا عاجلين نبحث عن مقر مفوضية الأمم المتحدة لللاجئين، وركبنا ركشة حمراء اللون. و كنا ثلاثة أنا و زوجتي و امرأة، هي التي كانت متلهفة للوصول و الحصول علي المعلوم لها و و لبنتها و أولادها الإثنين . كنا مرعوبين… سائق الركشة صغير السن يقودها بأسرع ما يستطيع… و لم أكن أعلم أن لهذا الإختراع الهندي هذه المقدرة ليسير بهذه السرعة. الأوتوستراد المتجه خارج المدينة واسع و مستوى، و صاحبنا السائق الغر يشغل استريو الركشة بأعلي صوت بأغاني أو موسيقي تحاكي ضجيج مركبته، حتي وقف بنا بجانب منطقة زراعية ليقول: “المحل هنا” ..
عثرنا علي المبني بعد طوافنا علي عدد من المباني حتي ظهر سائق ركشة آخر و أوصلنا للمكان…
و هناك رأينا أمما من السودانيين، معظمهم نساء و كثير منهن مع أطفالهن.
كانت هناك طوابير طويلة و دخلنا بعد نحو ساعة قاعة فسيحة عليها كراسي مرصوصة الواحد خلف الآخر ، و في صدر القاعة جلست الموظفات المصريات أمام اللابتوبات ليسجلن بيانات المتقدمين . و تبين لي أن المنظمة المعنية هي (برنامج الأغذية العالمي WFP) التابع للأمم المتحدة و مهمته تقديم العون الغذائي في الكوارث و الحروب و النزوح …
لم يكن جل الحضور من الهاربين حديثا .. بسبب الحرب الأخيرة ، بل كانت هناك أعداد لا تحصي ممن جاؤوا قبل أعوام … و لكنهم لم يحصلوا علي شئي .. فالمنحة المقصودة تخص الذين دخلو مصر بعد 15 أبريل 2023….
و كنا سعداء طبعا بالحصول علي الكروت المبتغاة ، إذ يمكننا الحصول علي معونة مالية لكل فرد 450 جنيها مصريا في الشهر لشراء الأغذية…
……….
عدنا عند نهاية اليوم إلي شقتنا المستأجرة في حي الهرم و رحت استكشف المكان . كانت الشوارع تزدحم بالمحلات المتنوعة: بقالات و سوبرماركتس صغيرة و صيدليات و قرطاسية و محلات خضار و حلاقة و وجبات سريعة و مقاهي و غيرها …
و دهشت لكمية العمارات المتلاصقة ما بين ستة و عشرة طوابق و شقتنا في الطابق الثالث، لذا كنت أفضل النزول بالسلالم تجنبا للمصاعد…
و من هناك غادرت زوجتي بعد ذلك بأيام متجهة بالطائرة إلي الرياض السعودية … و كان عليّ أن أنتظر حتي تصلني التأشيرة من هناك… فانتقلت إلي مصر الجديدة لأقيم مع شقيق زوجتي الأكبر و النازح بدوره من بري بالخرتوم.
مترو القاهرة
كان مترو القاهرة تجربة مختلفة، منذ آخر مرة انحشرت فيها بهذا النوع المتحضر من المواصلات داخل المدن في نهاية العقد الأول من الألفية في لندن ، و بدت عربات مترو القاهرة أحدث و أمتن ، و كنت قرأت أن الفرنسيين هم من أقاموه ، و أنه يعبر النيل من أسفله رابطا القاهرة بالجيزة …
كنت طيلة شهور إقامتي في القاهرة ارتدي جلابية و طاقية و حذاء للمشي المريح ذا أرضية من المطاط . و كنت أبدو نشازا وسط الركاب الذين يغلب عليهم الزي الأفرنجي .. وكان المترو خيارا عمليا بعد تناقص الفلوس المدخرة .. و بعد أن نصحني أحدهم بالاستغناء عن التنقل بالتاكسيات الغالية الثمن و اللجوء إلي المترو و الحافلات الصغيرة و المتوسطة تحسبا …
لذا و في غير مرة كان الشباب يفسحون لي لأجلس علي المقاعد، في لفتة تشير إلي الاحترام للشيب الذي كسا أسفل رأسي.
مشوار إلي السفارة
لم أتوقع أن يكون ذلك المشوار هينا و مريحا ، ففي المرة الأولي كان عليّ تصديق بعض الشهادات اللازمة للتأشيرة السعودية و رايت احتياطا أن التاكسي سيكون اسرع من الهرم إلي حي الدقي ، و لدهشتي كان معظم سواق التاكسيات و أحيانا الأوبر يعرفون جيدا موقع السفارة . و كان بعضهم يسأل “أيه اللي حصل عندكو في السودان؟” . و كانت إجابتي مكررة: – قائد الجيش و هو رئيس البلد و نائبه الذي يقود جيشا موازيا اتخانقوا، و نحنا هربنا – . لم يكن لدي سواق التاكسيات الوقت لمعرفة المزيد من التفاصيل و لم يكن لدي أنا تحديدا المزاج في الغالب لأشرح و أفسر ، و يبدو أن وسائل الإعلام المصرية المرئية تحديدا لم تشتغل بموضوع الحرب كثيرا …
كانت السفارة و ما حولها عبارة عن زحمة بائنة ، تمتد حتي الشارع الرئيس الذي تتفرع منه . قد يكون غالبية المراجعين من الهاربين حديثا من العاصمة المثلثة ، و عند الدخول إلي الصالة الضيقة عديمة التهوية يتعامل الموظفون الجالسون خلف الشبابيك بصبر ، و أهم بند في موضوع التوثيق و استخراج الشهادات هو الرسوم ، و هو ما يعتاش عليه طاقم السفارة الضخم ، تماما كبقية السفارات ، خصوصا في دول الخليج …
بعد تقديم الاستمارات و دفع الرسوم عليك الانتظار للاستلام حسب حظك ، إما في آخر النهار أو في اليوم التالي. في الانتظار تتوزع الجموع في ظلال العمارات المقابلة لمبني السفارة.. و الملاحظ وجود شرطة يرأسها ضابط صغير بزي رسمي جالس في ركن إحدي العمارات . علمنا أن سكان العمارات المجاورة قد شكوا من التكدس حول سلالم المداخل التي يكسوها الظل ، لذا حضرت الشرطة لتنظيم الأمر… و استفاد البعض و افتتحوا قرطاسية صغيرة في الزقاق الضيق ، غير بعيد من مبني السفارة ، لمستلزمات النسخ و تصوير المستندات ..إلخ يعمل فيه سودانيون…. و غير بعيد تجد مقهي صغيرا جدا للشاي و القهوة يتناثر حوله السودانيون من الجنسين و بعضهم يجلس علي كراسي أو صناديق صغيرة ، و تديره إمراة مصرية مع أبنائها …..
في مثل هذه التجمعات يسهل التعارف ، كعادة السودانيين ، فهناك و علي سلم إحدي مداخل العمارات المقابلة لمبني السفارة تعرفت بالصدفة علي السيد إيهاب أندراوس ، الهارب من بحري. عرفت منه أن أسرته ” آل اندراوس” هم أول وكيل لشركة لواري فورد (الأميريكية) في بلدة “الدبة” بالمديرية الشمالية سنة 1946 . و مصداقا لمعلومته ، كانت أول مركبة اشاهدها و أنا طفل صغير ، بين الخامسة و السابعة من العمر في بلدتنا في الشمالية الواقعة بالضفة الشرقية لمنحني النيل الكبير ، و انطبع في ذهني منظر مقدمتها المميز بالـشبك المتعدد الأعمدة الرأسية و كذلك تعشيقتها المنفصلة و المنحنية المثبتة علي الأرضية… و أشهر تلك المركبات أو اللواري الفورد واحدة كانت تعرف قديما بــ “دهبية العجيمية” نظرا لمقدمتها الصفراء تماما ، و كانت تنقل البضائع في الخمسينات و حتي منتصف الستينات للقرى مابين بلدة كريمة حيث السكة حديد و قرية مورا ، و الطريف أن الركاب كانوا يتجنبون ركوبها ، بحسبهم أن أصحابها “منكرين” أو منشقين عن دعوة الختمية …..
و عدتُ السيد أندراوس أن نلتقي لآخذ المزيد من المعلومات عن عملهم و إقامتهم ببلدة “الدبة” في تلك السنوات البعيدة ، و تبادلنا أرقام التلفونات….
في إحدي جلسات المقهي الصغير قرب السفارة همس أحد الهاربين من أمدرمان أنه تعرف علي كثير من ضباط الشرطة الهاربين من العاصمة (اختفت الشرطة جميعها منذ اليوم الأول للحرب).

يتبع…..

fattah71@gmail.com

عن عبدالفتاح عبدالسلام

عبدالفتاح عبدالسلام

شاهد أيضاً

هروبنا من أمدرمان القديمة …. “بدأ بخطوة واحدة” (11)

بقلم عبدالفتاح عبدالسلام*12 ديسمبر 2025 سردية “تهافت الهاربين” الحلقة الحادية عشرة • ” الدنيا كدا …