هكذا تحدَّثت الخنساء .. بقلم: فتحي الضَّو
أشهد أن الجغرافيا وحدها قيَّضت لي يومذاك أن أكون أحد حاضري تلك المشاهد التراجيدية الموجعة. كانت مشاهد أعادت للأذهان سيرة جلاوزة الأمويين والعباسيين، وهم يجهزون السيف والنطع والدماء السائلة مدرارا بتطاير الرؤوس. وإن كانت تلك أيام مأساوية في التاريخ الإسلامي، فأيامنا هذه التي انكسفت فيها شمس أهل السودان وانخسف القمر، لا تقل سوءاً عنها. يومذاك تجسد (عنف البادية) في أسطع صوره. وتسيَّد الموت الذي نشر أجنحته السوداء كفاحاً في تلك البقعة الصغيرة من أرض المليون ميل مربع. وبعد أربعة عقود زمنية تراكمت فيها الأحداث طبقاً عن طبق، ها هي تطل من ذاكرتي بكل ميلودراميتها الموغلة في الفجيعة، كجلمود صخر حطَّه الدهر من علٍ. وعليه، فما أعجب تصاريف أقدار هذا الوطن الصابر أهله، لكأنهم ارتكبوا من الموبقات ما عجزت عنه أنامل ملائكة الحساب والعقاب عن تسطيره، , فأصبحوا في كل عام يُرذلُون!
لا توجد تعليقات
