هكذا نصنع الكاذب… ثم نلعنه

هكذا نصنع الكاذب… ثم نلعنه
mohamedabdelgadir405@gmail.com

في مجتمعاتنا، حيث تغيب الرحمة أحيانًا باسم التربية، وتُختزل الصراحة في حدود ضيقة من المقبول والمسموح، نزرع الكذب بأيدينا ثم نرفع أيدينا احتجاجًا عليه. ليس الكذب خللاً فطريًا في النفس البشرية، بل هو مهارة مكتسبة، تُلقّن بأساليب غير مباشرة، وتُفرض بقوانين الصمت والمهابة والخوف من العقاب لا من الخطأ. نحن لا نعلم أبناءنا الكذب، بل ندفعهم إليه دفعًا كلما ضيقنا على صدقهم، وقاطعنا اعترافاتهم، وهاجمنا ضعفهم، أو استهزأنا بتجاربهم.

في البيوت، حيث يُفترض أن تُروى الحكايات بحرية، تتحول الصراحة إلى فخ، والبوح إلى مادة للاتهام أو التوبيخ. كم من طفلٍ صدق، فندم؟ وكم من مراهقٍ قال الحقيقة، فانهالت عليه الأحكام؟ ثم حينما يكبر، ويمتهن مهارة الإخفاء، نلومه لأنه لم يكن صادقاً.

إن الكاذب، في كثير من الأحيان، ليس سوى صادقٍ خذلته بيئته. شخص تعلم مبكرًا أن الحقيقة تؤلم، ولكن ليس لأن فيها خطأ، بل لأن من حوله لا يحسنون استقبالها. ففضل أن يختصر الألم بكذبة صغيرة، ثم بأخرى أكبر، ثم بكتمانٍ طويل لا يُكسر.

ما نحتاجه ليس جلد الكاذب، بل النظر في كيفية صناعته، لا نريد مجتمعًا يخشى قول ما يشعر به، لأننا علمناه أن الخطأ ليس في الفعل، بل في الاعتراف به. حينما نربي أبناءنا على أن الكمال شرط للقبول، فإننا بذلك نربّي فيهم رُعب النقص، وندفعهم إلى تزوير ذواتهم. وهكذا، نصنع الكاذب… ثم نلعنه،،،،

حين تنتشر هذه التربية المُرتبكة في البيوت، فإنها لا تبقى هناك، بل تشق طريقها إلى المجتمع الأوسع، فتصبح ثقافة عامّة. الكل يراقب الكل، لا بنية الفهم، بل بنية الاتهام. ويصير المرء مطالبًا بأن “يُحسن التمثيل” أكثر من أن “يُحسن التصرف”. تتفوق مهارات الإخفاء على مهارات الإخلاص، ويُصبح الذكاء مرادفًا للمراوغة. وفي أجواء كهذه، لا مجال للثقة.

تنكمش العلاقات ويفضل الإنسان العزلة على المشاركة، والسكوت على المصارحة. بل قد ترى من يبطن غير ما يظهر، لا لأنه فاسد، بل لأنه خائف، تربّى على أن الصدق يُقصي، وأن الاعتراف يُقصم، وأن الخطأ لا يُغتفر، مهما كان بسيطًا. ومن هنا تتشكل مجتمعات “الادّعاء”: الجميع يدّعي المثالية، الجميع يخفي زلاته، والجميع يحاكم الآخرين كأنهم لم يخطئوا قط. ويصير الكذب فيه فضيلة مضادة، دفاعية، مكتسبة.

لن نغيّر هذا الواقع بضجيج الخطابات ولا بضرب الأمثلة الأخلاقية، بل بالتربية على الأمان النفسي. على الطفل أن يشعر بأنه يستطيع أن يقول ما يشاء، دون أن يخشى السخرية أو التوبيخ أو التشكيك.على الأب والأم أن يضبطا ردة فعلهما قبل أن يطالبا أبناءهما بالصدق. فالثقة تُبنى في لحظات الضعف، لا القوة. حين يخطئ الطفل ويجد من يحتويه، لا من يدينه، فإنه سيتعلّم أن قول الحقيقة ليس خطرًا، بل خيارًا نبيلًا وان التصحيح لا يعني الإهانة، والتقويم لا يتطلب الانكسار.

نحن لا نحتاج إلى أن نخيف أبناءنا لنربّيهم، بل أن نطمئنهم لننير لهم طريق الصواب لأنه فقط حين يشعر الإنسان أن قول الحقيقة لن يفقده مكانته، أو حب من حوله، أو أمنه، فقط حينها سيتكلم دون قناع، وسيرتكب الأخطاء بثقة المتعلم، لا بخوف المدان. فلنربي أبناءنا – ومن قبلهم أنفسنا – على أن الخطأ لا يُنقص من الكرامة، وأن الصدق لا يُعاقب، وأن الحقيقة لا تكون جميلة دائمًا، لكنها ضرورية دومًا.

حينها فقط سننجب جيلًا لا يُجيد التمثيل، بل يجيد الحياة،،،

محمد عبدالقادر محمد أحمد

عن محمد عبدالقادر محمد أحمد

محمد عبدالقادر محمد أحمد

شاهد أيضاً

كف ساموطي بقامة مجتمع كامل

mohamedabdelgadir405@gmail.com انتشر مقطع قصير لفتاة في عمر الثالثة عشرة، كانت في درس يفترض أنه للعلم، …