د. حسن المهدي البشرى الغبشاوي
أُجبرتُ على مغادرة وطني الحبيب، السودان، مع أسرتي الصغيرة، هربًا من أتون الحرب اللعينة التي أكلت الأخضر واليابس في بلدي الحبيب، ونزحنا إلى القاهرة نبحث عن الأمان. كانت الرحلة موجعة، لكنها ضرورية، وكأننا نُنتزع من أرضنا بأظافر الروح انتزاعا. وفي القاهرة، رغم الغربة، وجدنا ملاذًا آمنًا، وسَكنت قلوبنا قليلًا بعد عاصفة الفقد والتشرد… الحمد لله على كل حال.
لكن القلق لا يرحل بسهولة. وفي إحدى لياليه الثقيلة، وبينما أنا أتقلّب بين الذكريات والهموم، قادتني الصدفة إلى مقطع فيديو هزّني من الأعماق. كان لتلاميذ سودانيين في مدرسة “أبا ذر الكودة” الخاصة، يقفون كأنهم في موكب حب، ويرددون بأصوات رخيمة وأداء آسر أغنية وطنية خالدة:
“يا وطني يا بلد أحبابي
في وجودي أحبك وغيابي…”
ما إن سمعته حتى ارتعشت أوتار قلبي. كانت الكلمات تنفذ من حناجر صغيرة، لكن وقعها في نفسي كان عظيمًا. أولئك الأطفال لم يكونوا يغنّون فقط، بل كانوا يفتحون أبواب الحنين، ويُحيون في القلب وطنًا لم يغادرنا يومًا، مهما ابتعدنا عنه. كان مشهدًا يأسر القلب: أطفال، بعضهم لاجئون، يرفعون علم السودان، ويرتدون زيّه، ويتغنّون بأرضٍ لا تزال تنزف. لم يكن الأمر مجرد نشاط مدرسي، بل لوحة وجدانية. صوت الطفل وهو يهتف: “أنا بفخر بيك يا وطني” كان أبلغ من مئة قصيدة وطنية.
هؤلاء الأطفال لم يتعلّموا الوطنية من الكتب، بل استنشقوها من تنفّس المعاناة. كان معلموهم قد غرسوا فيهم المعنى الحقيقي للانتماء، وجعلوا من المدرسة ساحة تربوية تؤمن بأن الوطنية ليست درسًا، بل نمط حياة. رأيت في أعينهم وهجًا لا تراه إلا في عيون من ذاق الغربة قسرًا، ثم تذكّر حضن الوطن. دموع صامتة في لحظة أداء، وعناقٌ للعلم كما لو كان أمًّا غابت طويلًا. أحدهم كان يرتجف وهو يقول: “أنا هنا شبيت يا وطني… بالروح أفديك يا وطني”، كأن صوته يحمل كل من تبعثروا في المنافي.
هل أنا أمريكي أم سعودي أم سوداني؟
و بينما أنا استمتع بأداء الأطفال و انفعالاتهم و انفعالات بعض اساتذتهم رجعت بي الذاكرة إلى عام 1993 و تذكرت في لحظةٍ عابرة، وبينما كنت أساعد إبني محمد في كتابة موضوع مدرسي بسيط عن الوطن، باغتني بسؤال صغير في حجمه، لكنه عميق في دلالاته:
“بابا… أنا أمريكي؟ ولا سعودي؟ ولا سوداني؟”
تجمدتُ، ليس لأنني لا أعرف الجواب، بل لأنني شعرت بثقل السؤال، وارتطامه بجدران قلبي. محمد وُلد في أمريكا، وعاش طفولته المبكرة في لوس انجلوس، ثم السودان، ثم السعودية. يتقن الإنجليزية، ويتعثر في العربية. يتنقل بين لهجات وهويات، لكنه لم يرسُ بعدُ في مرفأٍ يسمّيه وطنًا بثقة. قلت له بحنان: “يا بُني، أنت سوداني… حتى لو عشت بعيدًا، وحتى لو حملت جوازًا أجنبيًا، فالوطن ليس وثيقة، بل هوية تنمو في القلب، ولهجة تسكن في اللسان، وذاكرة تُروى في الحكايات”. لكن… هل يكفي هذا التعريف لطفل في الصف الثاني من المدرسة الابتدايئة؟
بدأت أكتشف أن أبنائي لا يتحدثون عن السودان كما كنت أحلم. لا يحفظون أغانيه، لا يعرفون لهجاته، لا يحتفون بمناسباته. وفي أول إجازة لنا للسودان، اشتريت لهم مجموعة من الأغاني الخفيفة الشعبية، علّها تُقربهم. لكنها لم تُحدث الفرق. كانوا ينجذبون لما هو عالمي. حين يسمعون الأغاني، يميلون إلى الإنجليزية أو بعض الأغاني العربية. القنوات الفضائية كانت عربية أو غربية، بعيدة كل البعد عن لهجة جدّتي أو نكتة خالي في جلسة العصر. فرحت كثيرا عندما التحق تلفزيون السودان بركب القنوات الفضائية.ظل و لفترة طويلة كل ما هو سوداني بالنسبة لهم غريبًا، كأنهم ينظرون إليه من خلف زجاج.
فكرت كثيرًا: هل سيضعف ارتباط أبنائي بوطنهم؟
هل الغربة — رغم كل ما فيها من فرص — تسلخهم منا، من ذاكرتنا الجماعية، من تاريخهم، من جذورهم؟ كنت حريصًا أن يزوروا السودان كل عام، مهما كلّف الأمر. كنت أرى بعض الأسر السودانية تتفاخر بأنها أمضت إجازاتها السنوية في سوريا أو مصر أو الأردن بل الهند و ماليزيا تقضي الإجازات في دول سياحية… أما أنا، فكنت مصممًا: لا بد من السودان.
كان إبني محمد يسألني أحيانًا: “ليه الشوارع فيها طين؟” و”ليه الكهربا بتقطع؟”. لم أكن أغضب، بل كنت أشرح. لكني كنت أشعر أن السودان بالنسبة له واقعٌ لا يمكن احتضانه، بل يجب فقط تفهّمه. حتى رائحة المطار، حين نزلنا في الخرطوم لأول مرة، سألني عنها بدهشة: “بابا، دي ريحة شنو؟” فقلت له مبتسمًا: “دي ريحة الطين بعد المطر… ريحة الوطن الحقيقي.”
ومما زاد الطين بِلّة، أننا انتقلنا لاحقًا إلى مصر، وهناك… تغير كل شيء.
البيئة مختلفة تمامًا. محمد يجد فيها حرية الحركة التي لم يعرفها في السعودية، و أصدقاءه غيرالذين اعتادهم، يصحبهم أسبوعيا إلى المولات التجارية. كل شيء كان جديدًا، غريبًا، مُربكًا. ومع ذلك، ظل السودان، رغم كل ما مرّ، كأنه بعيد، وكأن حبه حبيس المفهوم لا القلب.
و جاءت فرصة التحاقهم بالجامعات. بدأت أفكر أبعد: إن ذهبوا إلى أوروبا لاحقًا، ودرسوا هناك، فهل سيتبقى من سودانهم شيء؟ في كثير من الحالات، الجواب: لا. أعرف من درسوا الجامعة خارج السودان، فلم يعد لهم أي علاقة به. لا يعرفون تاريخه، لا يعيشون قضاياه، ولا يحكون لهجته، ولا حتى يعرفون مناسباته الوطنية. بل إن بعض أبناء المغتربين، حين عادوا للدراسة في السودان، تعرّضوا لسخرية زملائهم و لو لحين. وفي المقابل، أبناء القرى والمناطق الشعبية، الذين شربوا من نيل السودان، وركضوا في شوارعه، وعاشوا المناسبات، هم الذين تشربوا الوطنية… دون أن يُطلب منهم ذلك.
أعود وأسأل نفسي:
هل من عاش في الغربة، وتربى بعيدًا عن أجواء السودان، يمكن أن يحب الوطن بنفس العمق؟ هل تكفي زيارة صيفية أو قصة عن الثورة لنزرع فيهم الانتماء؟
ليس الجواز ما يحدد الوطن، بل الشعور.
والوطن ليس مجرد مكان، بل إحساس، ولهجة، وحكاية، وذكرى، وحلم.
وسؤالي الحقيقي الذي يقتلني بصمت:
هل يستطيع ابني أن يحب السودان كما أحبه؟ هل تشرب من نيله ولو من بعيد؟ هل تغرس هذه الغربة الطويلة في قلبه جذورًا أم تقطّعها؟
تذكرت هذا كله حين رأيت فيديو على الإنترنت لمدرسة سودانية خاصة، وقد هرب طلابها إلى مصر بعد الحرب. أطفال عاشوا سنواتهم الأولى في السودان، ثم حملتهم ظروف الحرب إلى مصر. كان مشهدًا جميلًا… حزينًا في عمقه، حين طلب منهم الأستاذ التعبير عن حبهم للوطن.
أحد الأبناء قال لي بكلمات أحسبها صادقة: “بحب السودان… بس اتعودت على مصر.”
تأملت طويلًا:
هل حب الوطن هو حب البلد الذي وُلدنا فيه؟
أم الذي نشأنا فيه؟ أم الذي نشعر فيه بالأمان؟
هل هو الوطن بالمعنى الجغرافي؟ أم العاطفي؟ أم الثقافي؟
في مطار دبي… الوطن يُشبه الأم
تذكرتُ قصة قرأتها عن سوداني في مطار دبي، حين سألته موظفة الجوازات مازحة: “تحب السودان أكثر ولا الإمارات؟” فأجابها بحكمة: “الإمارات مثل الزوجة… أختارها وأحبها، لكن السودان مثل أمي… لا أرتاح إلا في حضنها، ولا أبكي إلا على صدرها، ولا أريد أن أموت إلا تحت تراب قدميها.”
لم تُجِب الموظفة، فقط ابتسمت بإكبار. قالت له: “لكن السودان فيه مشاكل.” أجابها: “هل تكرهين أمك إذا مرضت؟ أم تعتنين بها أكثر؟” قال لها: “قد لا تملك أمي ثمن الدواء، لكنها تملك حنانًا يشفي. قد لا تملك قصورًا، لكنها تملك أرضًا أستلقي فوقها مطمئنًا.” سكتت للحظة، ثم قالت بخجل: “لتكن أمك إذًا…”
الوطنية ليست شعارًا… إنها سلوك يُغرس ويثمر
في زمن تتزاحم فيه المصطلحات وتضيع القيم في زحام الحياة وضوضاء التحديات، تبرز الوطنية كقيمة أصيلة، لا يعلو عليها ولاء، ولا ينافسها انتماء. لكن الوطنية لا تُورث كالممتلكات، ولا تُكتسب تلقائيًا كالعادات، بل تُصنع في البيوت وتُغذّى في المدارس وتُختبر في المواقف. ولعل الفيديو الذي وثق نشاطًا لمدرسة “أبا ذر الكودة الخاصة” هو أكبر برهان على أن الوطنية، حين تُغرس في النفوس مبكرًا، تُزهر أفعالًا تبني وتُلهِم. في مشهد مؤثر، ظهر تلاميذ صغار يحملون على عاتقهم هموم وطن كبير، يلوّنون جدران الصمت بأهازيج الانتماء، ويرسمون على وجوههم علم السودان كمن يرسم الوعد بأن الغد سيكون أجمل. لم يكن النشاط مجرد استعراض مسرحي، بل كان تجسيدًا لتربية وطنية راسخة: علم مرفوع، كلمات صادقة، دموع فرح، ونظرات حنين. كانت العبارات التي يرددونها تنبع من القلب، وتدخل إلى القلب مباشرة: “وطني… أنت الأول، وأنت الآخر.
الوطنية في زمن الأزمات… لا ترف بل ضرورة
من يشاهد هذا الفيديو، لا يملك إلا أن يسأل نفسه: كم نحتاج من هذه المدارس؟ وكم نحتاج من هؤلاء المعلمين؟ في وقتٍ تنهار فيه بعض منظومات القيم، تظهر مبادرات كتلك التي رأيناها في مدرسة “أبا ذر الكودة” وكأنها ومضات نور تضيء طريقًا وسط عتمة. هم لم يكتفوا بتعليم الحروف، بل علّموا الصغار كيف يكون الحرف موقفًا، والكلمة مسؤولية، والقصيدة عهدًا.
لقد أثبت التلاميذ أنهم أكثر وعيًا مما نظن، وأكثر إخلاصًا مما نتوقع. حين صدح أحدهم قائلاً: “سأبنيك يا وطني مهما طال الطريق”، بدا صوته أكبر من سنّه، وموقفه أعمق من مجرد ترديد. هؤلاء هم الجنود الحقيقيون للغد، جنود لا يحملون السلاح، بل يحملون الوعي، والعزيمة، والحلم. وإذا كانت الأوطان تُبنى بسواعد أبنائها، فإن هذا الجيل من “أبا ذر الكودة” يحمل في وجدانه كل معاول البناء. ما فعله تلاميذ أبا ذر الكودة لم يكن مجرّد مشاركة فنية أو ترفيهية، بل كان درسًا في التربية الوطنية، يصلح أن يُعمم على كل مدارس السودان. فقد جمع النشاط بين الفن والمشاعر والهوية والانتماء، في قالب تربوي عميق التأثير. لقد عبّر الأطفال عن وطن لم يعرفوا منه سوى الشظف والفقد، ومع ذلك أحبوه، وتغنّوا له، وأعلنوا فداءهم له.
رسائل من قلب البراءة
عبر الفيديو، أرسل هؤلاء الأطفال رسائل صامتة ومؤثرة:
• قالوا لنا: رغم الحرب نحن نحلم.
• قالوا: رغم الدمار، ما زلنا نرى “جنة رضوان” في شوارع الخرطوم.
• قالوا: لا وطن بديل لنا.
• وقالوا: التعليم ليس فقط للنجاح الأكاديمي، بل لبناء جيل لا ينسى من هو ولا من أين جاء.
التحية هنا لا بد أن تُوجَّه أيضًا للأساتذة والمشرفين على هذا النشاط الجميل، الذين أدركوا أن إصلاح الوطن يبدأ من المدرسة، وأن بناء الإنسان لا يكون بالحفظ والامتحان فقط، بل بالشعور والانتماء والكرامة. لقد صنعوا من مدرستهم قلعة صغيرة للوطن في زمن التمزق.
الأغنية التي أصبحت مشروعًا تربويًا
أغنية “يا وطني يا بلد أحبابي” لم تعد مجرد نشيد وطني يمرّ في طابور الصباح. بعد هذا الفيديو، أصبحت مشروعًا تربويًا حيًا، ومادة تعليمية، ونواة لحوار وطني. لقد منحتنا مدرسة أبا ذر الكودة لحظة صدق مع الذات، وسؤالًا عميقًا: ماذا فعلنا نحن من أجل الوطن، إذا كان الأطفال قد سبقونا بهذا القدر من الحب والنقاء؟
فيا وطننا الجميل، إن كنت قد تألمت كثيرًا، فها هم أبناؤك يعلنون عنك الحب في وضح النهار، ويكتبون في عيونهم: “أنا بفخر بيك يا وطني، بالروح أفديك يا وطني…”
السودان في قلب الغربة
قد لا يعرف أبنائي “سوق أم درمان”، ولا “رقصة المردوم”، ولا “رائحة التراب بعد المطر”… لكن إن زرعنا فيهم قصص الوطن، حكايات الجدّات، نُكت العمّات، والأغاني التي كانت تخرج من الراديو في صباح يوم الجمعة في برنامج “جنة الأطفال”… فربما تنمو تلك البذور ذات يوم.
أُريد لمحمد أن يحكي لأبنائه ذات يوم عن شاي المغرب مع جدته، عن المولد في حيّنا، عن الرغيف الساخن و اللقيمات ساعة الفجر. أريده أن يشعر أن للسودان رائحة، وصوتًا، ونكهة لا تشبه أي شيء آخر. أريده أن يشتاق لرنة أقدام المارة في الأزقة، لصوت بائع اللبن في الصباح، لصلاة الجمعة التي تُرفع في جامع الحلة بصوت مألوف.
العولمة: سيف ذو حدين
من جهة، العولمة تسرق ملامح الهوية، تخلط اللهجات، وتغري بالصورة المستوردة. لكن من جهة أخرى، تفتح الأبواب لفهم العالم، وتُحفّز على نقل التجارب الناجحة إلى الوطن.
الذي يشاهد تجارب اليابان في التعليم، أو ألمانيا في الإنتاج، قد يعود ليقول: أريد مثل هذا لبلدي. لكن الشرط أن يبقى قلبه متعلقًا بالوطن، لا مستهلكًا في ثقافةٍ بلا جذور. أن يحب التكنولوجيا، لكنه لا يستبدل بها حكاية من جدته أو حكمة من والده.
أثر الاغتراب السلبي على حب الوطن
في بعض الحالات، يؤدي الاغتراب إلى فتور أو تآكل المشاعر الوطنية، خصوصًا حين يطول البعد، أو يعيش المغترب في بيئة لا تشجّع على الانتماء، أو حين يشعر بالغدر من وطنه. الاندماج الزائد وفقدان الهوية: بعض المغتربين يندمجون بالكامل في ثقافة البلد الجديد، حتى يكادون يتخلّون عن لغتهم ولهجتهم وتاريخهم. أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين قد ينشأون على حب بلد المهجر أكثر من بلد الأصل، خاصة إذا غاب التواصل.
الإحباط من الأوضاع في الوطن: من يغترب بسبب الفقر أو القهر أو الفساد، قد تتكوّن لديه مشاعر سلبية تجاه وطنه: “هربت لأحيا… فكيف أحبّ ما طردني؟” يتولد شعور بالغربة المزدوجة: لا ينتمي تمامًا لوطنه، ولا يشعر بالانتماء التام لبلد المهجر.
الاغتراب الذهني حتى داخل الوطن: ليس كل اغتراب مكاني، فبعض الناس “مغتربون في أوطانهم”، يشعرون أنهم غرباء لأنهم لا يجدون فرصة، أو يُقصَون من القرار، أو تُحتقر قيمهم. هذا النوع من الاغتراب أخطر من الهجرة
العولمة تؤثر على حب الأوطان سلبًا أو إيجابًا بحسب كيفية تعامل الشعوب معها. إذا لم تُربَّ الأجيال على قيم الانتماء، العدالة، والهوية الثقافية، فإن العولمة تذيب كل ذلك. أما إذا تم بناء هوية وطنية واثقة، منفتحة على العالم، معتزة بجذورها، فالعولمة تصبح أداة لتعزيز الانتماء، لا لإضعافه. كما قال أحد المفكرين: “العولمة ليست تيارًا يجرفنا، بل سفينة يمكننا أن نقودها.” مع ذلك، العولمة ليست كلها شرًا، بل يمكن أن تعزّز حب الوطن وتزيد من قيمته في نظر المواطن الواعي، وذلك من خلال:
• المقارنة والوعي: فعندما يرى الإنسان كيف طوّرت شعوب أخرى أوطانها، يشعر بالرغبة في نقل هذه النجاحات لوطنه. العولمة تفتح العيون: فيتعلم الشاب من اليابان احترام الوقت، ومن ألمانيا الانضباط، ومن الدول الاسكندنافية العدالة، ويسعى لتطبيقها في بلاده.
• التمكين التكنولوجي لخدمة الوطن: من خلال التكنولوجيا والانترنت، يمكن للناس أن يطلقوا مبادرات تنموية، إعلامية، وتعليمية تخدم أوطانهم من أي مكان. المهاجرون أنفسهم أصبحوا أداة لنقل المعرفة والاستثمار إلى أوطانهم.
• تعدد الهويات وتكاملها: العولمة نضجت: لم تعد تعني “ذوبان الهوية”، بل يمكن أن تكون فرصة لحمل هوية وطنية راسخة، وهوية إنسانية منفتحة. من يحب وطنه بحق لا يخاف من العالم، بل يجعله نافذته نحو التقدم. قضايا الكرامة الوطنية على مستوى عالمي. العولمة مكّنت الشعوب من إيصال معاناتها وحقوقها للعالم
.
ما هو أثر العولمة على حب الأوطان؟ وهل هو سلبي أم إيجابي؟
الجواب ليس واحدًا، بل معقد ومتعدد الأوجه، لأن العولمة تشبه السيف، يمكن أن تكون أداة بناء أو أداة تذويب. لنتناول الجانبين:
أولًا: الأثر السلبي للعولمة على حب الأوطان
في بعض الحالات، أضعفت العولمة مشاعر الانتماء الوطني، وساهمت في تآكل الهويات المحلية والوطنية لصالح “الهوية الكونية” أو “ثقافة الاستهلاك العالمية”. ويتجلى ذلك في عدة مظاهر:
• طمس الهوية الثقافية المحلية: سيطرة اللغة الإنجليزية، وانتشار الأغاني والأفلام والعادات الغربية، جعل بعض الشباب يشعر أن “الوطن متأخر” وأن “الآخر هو الأفضل”. كثيرون بدأوا يقلدون ثقافات أخرى ويشعرون بالخجل من لهجاتهم، أو تراثهم، أو عاداتهم الأصيلة.
• تقليل القيمة الرمزية للوطن: في ظل عالم مفتوح، يشعر البعض أن “الانتماء للوطن” لم يعد ضروريًا. طالما يمكنه أن يعيش، يعمل، ويدرس في أي مكان، فما الذي يربطه بوطن محدود الموارد أو تحكمه الأزمات؟
• تفكيك الانتماء لصالح الفردانية: العولمة تروّج لقيم “الفرد أولًا”، لا المجتمع. وهذا يقوّض روح التضامن، ويُضعف الرغبة في التضحية لأجل الوطن. الولاء يتحول من “أرض وتراث” إلى “مصالح وفرص”. العقول المهاجرة: كثير من الشباب الموهوبين باتوا يربطون أحلامهم بالدول الأخرى، ويتمنون الهجرة، ويشعرون بالإحباط تجاه أوطانهم.
ثانيًا: الأثر الإيجابي للعولمة على حب الأوطان مع ذلك، العولمة ليست كلها شرًا، بل يمكن أن تعزّز حب الوطن وتزيد من قيمته في نظر المواطن الواعي، وذلك من خلال:
هل أنا أمريكي، أم سعودي، أم سوداني؟
أنا سوداني، وهذا يكفيني. لا أنكر جميل البلاد التي احتضنتني، لكن وطني… هو الذي يحمل اسمي ودمعي ولهجتي.
أقول لمحمد، وصلاح وإيمان و أسامة وكل أبناء المغتربين:
ليس بالضرورة أن تكون طفولتكم مطابقة لطفولتنا، لكن يمكن أن تكونوا أبناء السودان بقلبكم، بحنينكم، بإحساسكم بالعدل والكرامة.
ويبقى السؤال لأبنائنا جميعًا: هل الوطن عندكم مجرد جواز؟ أم ذاكرة ووجد وولاء؟
كيف تغرس الدولة حب الوطن في قلوب الأبناء والبنات؟
ليس حب الوطن فطرة فحسب، بل هو أيضًا ثمرة تُزرع وتُرعى وتنمو. في زمن تتعدد فيه مصادر التأثير، وتتنازع فيه الهويات، لا يكفي أن نطلب من أطفالنا أن يحبوا أوطانهم بالكلمات فقط. لا بد للدولة، بكل مؤسساتها، أن تُسهم بوعي في بناء هذا الحب، حتى لا تتركه رهين الصدفة أو عرضة للذوبان في ثقافات الآخرين.
يبدأ كل شيء من المدرسة، حيث تُصنع القيم الأولى وتنقش في القلب والعقل. حين يكون الوطن جزءًا حيًا من المقرر، لا مجرد فقرة في كتاب، وحين يتحوّل إلى قصة تُروى، وأغنية تُردد، وتجربة تُعاش، عندها فقط تبدأ ملامح الانتماء في التشكّل. لا بد من تعليم يحترم عقل الطفل، ويُعرّفه بوطنه كما هو: بتاريخه وأبطاله وأخطائه، بجماله وتنوعه، وبأحلامه التي تنتظر أبناءها. لكن حب الوطن لا يُعلَّم في القاعة فقط، بل يُعاش في الساحات. عندما يشارك الطفل في رفع العلم، ويزرع شجرة في فناء المدرسة، ويشارك في احتفال الاستقلال، لا ينسى ذلك أبدًا. الدولة الواعية لا تكتفي بالمناهج، بل تخلق بيئة مدرسية تُشعل الحماسة، وتمنح كل طفل شعورًا بأنه جزء من الوطن، وأن الوطن جزء منه.
وفي الإعلام، يمكن للكلمة أن تبني كما يمكن أن تهدم. البرامج الموجهة للأطفال والشباب يجب أن تقدم صورة محببة للوطن، بلغة قريبة من وجدانهم، وبقصص تشبه وجوههم وأحلامهم. الأغنية الوطنية، الفيلم القصير، القصة المصوّرة، كلها أدوات قوية لبناء علاقة حميمة بين الطفل وأرضه.
ولا يمكن تجاهل دور الأسرة، خاصة في زمن المغتربين واللاجئين والمهاجرين. على الدولة أن تمكّن الأسر السودانية في الخارج من موارد تربط أبناءهم بجذورهم، من خلال الدعم الثقافي، والمراكز التعليمية، والنشاطات الوطنية في الجاليات. الطفل الذي يعيش بعيدًا عن بلاده لا يفقد حبه لها، ما دام يجد من يُذكّره بها بحنان، لا بعتاب.
لكن كل هذا لا يثمر إذا كان الوطن، في نظر الطفل، لا يبادله الحب. كيف نطلب من الأبناء أن يحبوا بلادهم، إن كانت الشوارع مظلمة، والمدارس متداعية، والمرافق متعبة؟ حب الوطن يتغذى أيضًا من مشاهد الكرامة والعدل والنظافة والأمان. حين يرى الطفل موظفًا يبتسم في وجه المواطن، أو شرطيًا يساعد عجوزًا في العبور، أو معلمًا يشرح بشغف، يشعر أن هذا الوطن يستحق أن يُحب.
وتبقى النماذج الوطنية علامة فارقة. حين يكرَّم شاب سوداني ناجح في الطب أو التكنولوجيا أو الرياضة، يرى الطفل أمامه بطلًا يشبهه، ويقول في نفسه: “يمكنني أن أكون مثله، في وطني”. فالمثال الحي أقوى من ألف نص.
وأخيرًا، لا بد من ربط المناسبات الوطنية بالمشاركة الحقيقية، لا بالخطابات الجافة. حين يشارك الطفل في بناء شيء باسم وطنه، ولو صغيرًا، يصبح الانتماء جزءًا من كيانه، لا مجرد شعار يُردد صباحًا.
الأحاجي السودانية… وطن يُحكى على لسان الجدات
في قلب كل سوداني هناك ذاكرة دافئة، تختبئ في زوايا الليل البعيد، حيث تجلس الجدة على الحصير أو السرير الخشبي وتقول بصوت متهدج: “كان يا ما كان…”، وتبدأ الحكاية. الأحاجي السودانية لم تكن فقط وسيلةً لتسلية الأطفال قبل النوم، بل كانت مدرسة تربوية كاملة، تزرع القيم، وتروي جذور الانتماء، وتشكّل وجدانًا يعرف الوطن قبل أن يراه. كتاب الأحاجي السودانية للبروفسير عبد الله الطيب يرحمه الله قيم يعمل على تربية النشئ تربية سودانية بدوية حضرية راقية تعمل علي حفظ المورثات السودانية.
حين نتمعن في تلك الأحاجي التي رددناها صغارًا، نكتشف أنها لم تكن عشوائية، بل مشبعة بالمعاني العميقة التي تُحبّب الطفل في بيئته، وتجعله يفتخر بأرضه، ويؤمن بجماعته، وينشأ محصّنًا من الذوبان في الآخر. في “حسن البطل” و”فاطمة السمحة” و”تاجوج و المحلق ” و غيرها، وفي كل تلك الشخصيات التي تُخترع لتُضحكنا أو تخيفنا أو تنبّهنا، كانت البلاد تتحدث إلينا بلغتها الخاصة.
الحكايات كانت تُروى بلهجتنا، وداخل بيوتنا الطينية، وتحت ظل النيم أو عند مدخل القطية، وهي بذلك كانت تخلق علاقة حميمة بين الطفل ومحيطه. فحين يسمع عن النخلة والساقية والنيل والزرع والمطر والريح، لا يعود الوطن فكرة مجردة، بل يصبح ملموسًا، له رائحة وطعم وصوت.
ومن خلال هذه الأحاجي، تعلّم الطفل أن يكون شجاعًا، حين يسمع عن الذئب الذي يُهزم بالحيلة، وعن الفأر الذي ينجو بالذكاء. وتعلّم أن يكون كريمًا، حين يرى البطلة التي تقاسم جيرانها آخر ما عندها. وتعلّم أن يُحب أسرته، ويحترم الكبير، ويصدق القول، ويخاف على سمعته. كل هذه القيم ليست بعيدة عن حب الوطن، بل هي جذر أصيل فيه.
الأحاجي لم تكن مكتوبة، بل منقولة من جيل إلى جيل، شفاهةً ومحبةً ودفئًا. هي من فنون الذاكرة السودانية التي قاومت النسيان، وعبرت من القرية إلى المدينة، ومن الساقية إلى الرصيف، ومن الفانوس إلى الضوء الكهربائي، ولم تفقد روحها. لكنها اليوم، للأسف، بدأت تتوارى خلف شاشات الهواتف، وضجيج الرسوم المتحركة، ولهجات الغربة.
كيف يغرس المصريون حب الوطن في قلوب أبنائهم؟
في مصرالجارة الشقيقة، لا يُترك حب الوطن للصدفة، بل يُزرع منذ الطفولة بخطوات واثقة تبدأ من المدرسة. هناك، يقف الطفل كل صباح ليحيي العلم ويردد النشيد الوطني، كأنما يُجدّد عهده بالانتماء. الدروس المدرسية تزخر بقصص عن النيل، والأهرامات، والجنود، والفلاحين، لتصنع في خياله صورة وطن يستحق الحب والولاء. وفي البيت، يتلقى الطفل رسائل غير مباشرة عن قيمة الوطن، في حديث أمه، في دعاء جدته، في حكايات تُروى على مائدة الغداء عن كفاح الجدود وأصالة الأرض. حتى اللغة اليومية تنضح بالوطنية، بعبارات مثل “عشان خاطر مصر” أو “بلدنا غالية علينا”.
أما الإعلام، فيغني للوطن من كل زاوية: فيلم يُخلّد بطولة، مسلسل يُظهر حارة مصرية أصيلة، أغنية تُبث كل عيد وطني فتوقظ الحنين في القلوب. الوطن في الإعلام المصري ليس فكرة، بل صوت وصورة ووجدان. وفي المناسبات، لا تكتفي الدولة بالخطب. هناك عروض مدرسية، وأناشيد، واحتفالات تُشرك الناس في الفخر الجماعي. الطفل يرى بلده مزينة في عيدها، فيشعر أنها تستحق أن يُحبها. المصريون بارعون في تحويل الوطن إلى شعور حي. الوطن عندهم ليس مجرد أرض، بل أم لا تُنسى، حتى في التعب. يشكون الواقع أحيانًا، لكنهم لا يتخلّون عن حبهم، ولا يتوانون في التضحية.
إذا أردنا أن نزرع في أبنائنا حب السودان، فلنحكِ لهم السودان. لنقصّ عليهم ما كنا نسمعه صغارًا، بلُغتنا، بنكهة ضحكة الجدة، وبرائحة اللبن المسخّن على الكانون. لأن الطفل الذي يضحك ينام كل يوم بعد سماعه قصة وطنية مؤثرة لا بد أن يكبر وهو يحمل الوطن في قلبه دون أن يدري.
إن الأحاجي ليست فقط وسيلة تعليمية، بل هي أداة وجدانية لبناء الشخصية، وتحفيز الخيال، وتعميق العلاقة مع الأرض، والناس، واللغة. هي وطن يُروى على لسان الجدات، وطن لا يعرف الحدود، لكنه يسكن في كل من يعرف طعم الحكاية القديمة.
حب الوطن ليس درسًا يُدرَّس، بل هو شعور يُصنَع. هو تفاعل بين الدولة ومواطنيها الصغار، بين الحكاية والواقع، بين الشعار والتجربة. وإذا أحس الطفل أن الوطن يحبه، سيبادله الحب دون تردد.
د حسن المهدي البشرى الغبشاوي
القاهرة 21 يونيو 2025
hassanemelbushra@gmail.com
حسن المهدي البشري
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم