دكتور محمد عبدالله
كلما واجه السودان أزمة جديدة، عاد السؤال القديم: هل المشكلة في السودانيين أنفسهم، في طريقة تفكيرهم وسلوكهم، أم في البيئة التاريخية والسياسية والاجتماعية التي أسهمت في تشكيل هذه الطريقة؟ وقد تبدو الإجابة جاهزة: “العقلية السودانية هي المشكلة” . لكنها إجابة تختصر الطريق، وربما تهرب من السؤال الأصعب. فالإنسان لا يصنع عقليته في الفراغ؛ وإنما تتشكل نظرته إلى السلطة والعدالة والاختلاف والانتماء داخل الأسرة والمدرسة والجامعة والمجتمع والدولة.
لكن تحميل البيئة كل المسؤولية لا يقل خطراً عن اتهام المجتمع. فهناك لحظة يصبح فيها الناس شركاء، بدرجات مختلفة، في إعادة إنتاج البيئة التي يشكون منها. وربما لم تكن مشكلة السودان في أنه أنتج نخباً سيئة فحسب، وإنما في أنه أنتج ثقافة سياسية تجعل النخبة السيئة مقبولة، بل وتجعل المواطن يدافع عنها حين تكون في صفه.
تعاقبت على السودان أنظمة عسكرية ومدنية، وتبدلت الشعارات والتحالفات، لكن ظواهر كثيرة ظلت حاضرة: الشخصنة، والولاء للجماعة، وضعف المؤسسات، وتقديس الزعيم، والبحث عن الحماية في القبيلة أو الحزب أو الطائفة. وهنا لا يعود السؤال فقط: من يحكم السودان؟ بل يصبح السؤال الأهم: ما الثقافة التي تجعل الحكم بهذه الطريقة ممكناً؟
اعتدنا أن نحمل المسؤولية للعسكريين أو الأحزاب أو التيارات الإسلامية أو الطائفية أو الاستعمار. وفي كل تفسير جانب من الحقيقة، لكنه يصبح ناقصاً حين يتحول إلى تفسير شامل. فبعض النخب السودانية تتعامل مع الديمقراطية باعتبارها وسيلة للوصول إلى السلطة، لا ثقافة تقيد السلطة بعد الوصول إليها. نطالب بالديمقراطية حين نكون خارج الحكم، ثم نبحث عن الاستثناءات حين نقترب منه. نرفض المحسوبية عندما تضرنا، ثم نلجأ إليها عندما تخدم مصالحنا.
وحين تصبح الوظيفة العامة مكافأة للولاء، تتحول الدولة تدريجياً إلى غنيمة، والمؤسسة إلى امتداد للجماعة الحاكمة. ولا يعود الفساد مجرد سرقة للمال العام، بل يصبح سلوكاً يجد لنفسه مبررات اجتماعية: نتسامح مع المخالف لأنه “واحد منا” ، ونستنكر الفعل نفسه حين يرتكبه خصمنا.
الدولة الحديثة ليست جيشاً ومكاتب حكومية فقط؛ إنها قبل ذلك مبدأ: أن يحصل الإنسان على حقه دون واسطة، وأن يسري القانون على الحاكم والمحكوم، وأن تكون الوظيفة العامة مسؤولية لا ملكية شخصية. وحين تضعف هذه الفكرة، تصبح القبيلة ضماناً، والحزب حماية، والزعيم أباً سياسياً، والواسطة نوعاً من “الشطارة” .
ولا تقف المسؤولية عند السياسيين. فالمثقف الذي ينتقد الاستبداد حين يأتي من خصمه، ثم يبرره حين يأتي من حليفه، يساهم في تكريس الثقافة نفسها. وكذلك الصحفي الذي يتخلى عن استقلاله حين يتعلق الأمر بجماعته، أو المواطن الذي يرفض الظلم عندما يقع عليه، ثم يصمت عنه عندما يقع على غيره.
كشفت الحرب السودانية هذه التناقضات بصورة قاسية. فقد أظهرت قدراً كبيراً من التضامن والشجاعة والإيثار، لكنها كشفت أيضاً عن خطاب كراهية، وعن تبرير انتقائي للعنف. ولا يمكن أن نطالب بالعدالة لأنفسنا ونرفضها لخصومنا، أو نعتبر الجريمة جريمة حين يرتكبها الآخر، ثم نبحث لها عن مبرر حين يرتكبها من نؤيده.
ليست المشكلة في “جين سوداني” معيب، كما أنها ليست في بيئة تعفي الإنسان من المسؤولية. إنها علاقة متبادلة: بيئة سياسية ضعيفة تنتج سلوكاً انتهازياً، وهذا السلوك يعيد إنتاج البيئة نفسها.
ولهذا فإن تغيير السودان لا يبدأ بتغيير الحكام وحدهم، ولا بتغيير الشعارات. إنه يحتاج إلى إعادة بناء معنى الدولة، وإصلاح التعليم، وتعزيز استقلال القضاء، وترسيخ الديمقراطية داخل الأحزاب قبل المطالبة بها في الدولة، ومواجهة خطاب الكراهية، ووضع المواطنة المتساوية فوق الانتماءات الأولية.
فالعقلية ليست قدراً أبدياً، لكنها أيضاً ليست بريئة. إنها حصيلة تاريخ طويل، ونحن نعيد إنتاجها كل يوم، بأفكارنا واختياراتنا، وبما نقوله وما نصمت عنه.
