بقلم: أواب عزام البوشي
تأتي رسالة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أكد فيها استعداده للسلام، في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى مستقبل السودان. فالبلد يعيش تحت وطأة حرب مدمرة، وأزمة إنسانية غير مسبوقة، وضغوط دولية متصاعدة، وانهيار اقتصادي يضيق الخناق على القيادة العسكرية ويزيد كلفة استمرار الحرب. ولذلك، لا ينبغي قراءة الرسالة بمعزل عن ظروفها السياسية، ولا الاكتفاء بمضمونها الدبلوماسي، بل يجب ربطها بالتناقضات التي تحيط بخطاب البرهان وممارساته.
فهل تمثل الرسالة تحولًا حقيقيًا في موقف البرهان من الحرب، أم أنها محاولة لاحتواء الضغوط الدولية المتزايدة، وتخفيف كلفة المسار الذي اختاره منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم انزلاق البلاد إلى الحرب في أبريل 2023؟
من وجهة نظري، وبناءً على متابعتي للمشهد ، فإن رسالة البرهان تستحق القراءة باعتبارها مؤشرًا على حجم الضغوط التي بات يواجهها، لا باعتبارها دليلًا كافيًا على حدوث تحول استراتيجي نحو السلام. فالإعلان عن الرغبة في إنهاء الحرب موقف سياسي مهم، لكن صدقيته تُقاس بما ينعكس عنه على الأرض: من وقف للقتال، وخطاب داخلي متوافق، واستعداد حقيقي لتقديم تنازلات تضع مصلحة السودان فوق حسابات السلطة والتحالفات.
البرهان بين ضغوط الداخل والخارج
لم تعد أزمة البرهان محصورة في ساحة المعركة، بل أصبحت متعددة الأبعاد. فعلى المستوى الداخلي، يواجه واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا بالغ الصعوبة، في ظل انهيار قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتراجع الخدمات الأساسية، واتساع رقعة النزوح، وتهديد المجاعة لملايين السودانيين. وعلى المستوى الخارجي، تتزايد الضغوط المرتبطة بوقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، والعودة إلى مسار سياسي ينهي الحكم العسكري.
كما أن العقوبات الأمريكية التي استهدفت البرهان وشبكات وشركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، إلى جانب الإجراءات التي طالت أطرافًا متصلة بتمويل الحرب وشراء الأسلحة، تمثل تحديًا سياسيًا واقتصاديًا يتجاوز الأفراد المستهدفين إلى البيئة التي تتحرك فيها السلطة العسكرية. وقد ترافقت هذه الضغوط مع مؤشرات على تراجع بعض إمدادات السلاح والتمويل، ما جعل خيار استمرار الحرب أكثر كلفة وأقل قدرة على الاستدامة.
وفي ظل هذه التطورات، تصبح مخاطبة الرئيس الأمريكي محاولة ذات دلالة سياسية واضحة، خصوصًا أن واشنطن تمتلك أدوات ضغط دبلوماسية ومالية يمكن أن تؤثر في حسابات الأطراف السودانية. لكن المشكلة الأساسية أن البرهان لا يستطيع معالجة أزمته بمجرد إرسال رسالة إلى البيت الأبيض، إذا لم يصاحبها تغيير ملموس في سياساته. فالمجتمع الدولي يحتاج إلى التزامات قابلة للتنفيذ، تبدأ بوقف القتال، والسماح بوصول المساعدات، والاستعداد لتسوية سياسية تنهي الحرب بصورة مستدامة.
التناقض بين خطاب السلام والتعبئة العسكرية :-
إن أحد أهم المعايير التي ينبغي الاستناد إليها في تقييم موقف البرهان هو مدى التوافق بين رسائله الخارجية وخطابه الداخلي . فإذا كان البرهان يريد السلام بالفعل، فإن ذلك ينبغي أن ينعكس في طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي، وفي المواقف من المبادرات المطروحة، وفي الاستعداد لتقديم ضمانات عملية لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين.
أما إذا استمرت التعبئة العسكرية، وتصاعد خطاب الحسم بالقوة، وظلت التسوية السياسية تُعامل باعتبارها تنازلًا غير مقبول، فإن الفجوة بين خطاب السلام ومقتضياته العملية ستظل قائمة.
ومن هنا، فإن رسالة البرهان إلى ترامب ينبغي أن تكون بداية لاختبار جدي: هل هو مستعد لتغيير المسار، أم يريد تخفيف الضغوط الخارجية مع الإبقاء على المعادلات العسكرية والسياسية القائمة؟
الحركة الإسلامية.. التحالف الذي ورّط البرهان:-
في تقديري، لا يمكن فهم المأزق الذي يواجه البرهان من دون النظر إلى علاقته بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وشبكات النظام السابق. فقد مثّل انقلاب 25 أكتوبر 2021 نقطة تحول أجهضت الشراكة المدنية العسكرية، وأضعفت الثقة في الانتقال السياسي، وأعادت السودان إلى دائرة الصراع على السلطة. ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتدفع البلاد إلى كارثة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة، ولتجعل مستقبل الدولة نفسها موضع تهديد.
وأرى أن الحركة الإسلامية ورّطت البرهان في مسار سياسي وعسكري بالغ الكلفة، لأنها تعاملت مع الأزمة باعتبارها فرصة لاستعادة نفوذها، بدلًا من دعم بناء دولة مدنية مستقرة تستوعب التعدد السياسي وتمنع عودة الاستبداد. فحسابات استعادة النفوذ قد تتعارض مع متطلبات إنهاء الحرب؛ إذ إن التسوية السياسية التي تفتح الطريق أمام الحكم المدني والمساءلة وإصلاح المؤسسات قد تحد من قدرة القوى المرتبطة بالنظام السابق على العودة إلى السلطة. ولهذا، فإن استمرار الحرب قد يخدم مصالح بعض الشبكات السياسية، حتى عندما يؤدي إلى إضعاف الدولة وتوسيع دائرة العقوبات والعزلة.
وهنا تكمن المفارقة: قد يجد البرهان نفسه مضطرًا إلى مخاطبة واشنطن بلغة السلام، بينما تفرض عليه تحالفاته الداخلية حسابات مختلفة. وإذا كانت بعض القوى المحيطة به ترى أن بقاءها مرتبط باستمرار الحرب أو بإعادة إنتاج الحكم العسكري، فإن مصالحها لن تتطابق بالضرورة مع مصلحة البرهان في تخفيف الضغوط واستعادة القبول الدولي.
ومع ذلك، فإن المسؤولية السياسية عن قرارات القيادة العسكرية تقع على البرهان نفسه. فلا يمكنه أن يتذرع بحسابات حلفائه لتبرير استمرار الحرب، كما لا يمكنه أن يطلب من المجتمع الدولي التعامل معه باعتباره شريكًا في السلام، من دون أن يثبت ذلك بقرارات واضحة.
من الشراكة الانتقالية إلى أزمة شرعية سياسية :-
كان البرهان، خلال المرحلة الانتقالية، رئيسًا لمجلس السيادة ضمن ترتيبات دستورية شاركت فيها قوى مدنية، وكانت البلاد، رغم أزماتها، تمتلك حكومة مدنية برئاسة عبد الله حمدوك ومسارًا سياسيًا يمكن البناء عليه. لكن انقلاب أكتوبر 2021 غيّر طبيعة موقعه السياسي، وأضعف الشراكة التي استمد منها جزءًا من شرعيته الانتقالية. ومع اندلاع الحرب، أصبح البرهان قائدًا لطرف رئيسي في نزاع مسلح مدمر، وأصبحت علاقته بالمجتمع الدولي مرتبطة بدرجة أكبر بمسألة وقف الحرب، وحماية المدنيين، ومستقبل الحكم في السودان.
وهنا أرى أن البرهان خسر كثيرًا من الفرص التي كانت متاحة أمامه. فبدلًا من أن يقود البلاد نحو انتقال سياسي متدرج يعيد بناء مؤسسات الدولة، أصبح جزءًا من أزمة تهدد وحدة البلاد وتماسكها. وربما يتساءل اليوم، إذا أجرى مراجعة صادقة لمساره السياسي، عما إذا كان انقلاب 25 أكتوبر قد حقق له الاستقرار الذي أراده، أم أنه أدخله في سلسلة من الأزمات انتهت بحرب تهدد مستقبله السياسي نفسه.
لقد كان من الممكن أن يكون الحفاظ على الشراكة المدنية، مهما كانت خلافاتها، أساسًا لتجنب كثير من الكلفة التي يدفعها السودان اليوم. أما الرهان على القوة العسكرية وتحالفات النظام السابق، فقد أدى إلى إغلاق مساحات سياسية كان يمكن أن تتيح مخرجًا أقل كلفة.
البرهان أمام اختبار التاريخ :-
من وجهة نظري، فإن البرهان يقف اليوم أمام اختبار سياسي بالغ الأهمية. فإما أن يدرك أن استمرار الحرب والتحالف مع القوى الساعية إلى استعادة النظام السابق يضيّقان خياراته ويزيدان كلفة بقائه في السلطة، وإما أن يواصل المسار نفسه، متوقعًا أن تمنحه القوة العسكرية ما لم يستطع تحقيقه سياسيًا ودبلوماسيًا.
إن الحركة الإسلامية، إذا كانت تدفع باتجاه استمرار الحرب أو عرقلة التسوية، فإنها لا تضر بمستقبل السودان وحده، بل قد تسهم في دفع البرهان إلى مزيد من العزلة. فالقوى التي تسعى إلى استعادة نفوذها لا تستطيع أن تضمن له قبولًا دوليًا، ولا أن تعفيه من مسؤولية القرارات التي يتخذها.
وقد يكون البرهان اليوم أكثر إدراكًا من أي وقت مضى لحجم التحديات التي صنعها هذا المسار. لكن الإدراك وحده لا يكفي؛ إذ يحتاج إلى قرار سياسي يفصل مستقبل البلاد عن حسابات التحالفات العسكرية والحزبية، ويضع مصلحة السودانيين في مقدمة الأولويات.
إنني أرى أن الحركة الإسلامية ورّطت البرهان في مسار قد ينتهي بتقويض مستقبله السياسي، لكن الفرصة لا تزال قائمة أمامه لتصحيح المسار، إذا امتلك الشجاعة لاتخاذ قرار حقيقي بإنهاء الحرب. فالسلام ليس وسيلة لتخفيف العقوبات، ولا مناورة لاستعادة القبول الدولي، ولا شعارًا يُرفع عندما تضيق الخيارات العسكرية. السلام قرار سياسي يتطلب وقف القتال، وحماية المدنيين، وقبول الانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي.
وفي نهاية المطاف، سيُحكم على رسالة البرهان بما سيترتب عليها، لا بما ورد فيها. فإذا تحولت إلى خطوات عملية تنهي الحرب، فقد تكون نقطة تحول في الأزمة السودانية. أما إذا بقيت مجرد خطاب خارجي يتناقض مع السياسات الداخلية، فإنها لن تغيّر حقيقة أن السودان يحتاج إلى تغيير جذري في مسار إدارة الدولة والحرب.
إن مستقبل السودان لا ينبغي أن يكون رهينة لمصالح الحركة الإسلامية، ولا لطموحات القيادة العسكرية، ولا لحسابات أي طرف مسلح. فالسودان أكبر من الجميع، وحق شعبه في الحياة والسلام والحكم المدني أهم من بقاء أي سلطة.
