إبراهيم برسي
لم تبدأ هذه الحرب، في حقيقتها، في ذلك اليوم المشؤوم بالمدينة الرياضية، ولا من موائد الإسلاميين الرمضانية التي توعدونا فيها بإشعالها.
لا أقصد بذلك أن نعود بالتاريخ إلى الوراء حتى تتوزع المسؤولية على الجميع ويضيع المسؤول المباشر. البرهان وحميدتي، ومن خلفهما الإسلاميون بالطبع، يتحملون مسؤولية كل ما جرى، كلٌّ بحسب موقعه وبقدر ما فعل. لكن لو تأملنا قليلًا، فالرجلان لم يظهرا فجأة هكذا. كل واحد منهما وصل إلى ١٥ أبريل محمولًا على خلل قديم في الدولة: البرهان ابن المؤسسة العسكرية التي عمل فيها طوال سنوات حكم المؤتمر الوطني، وحميدتي من سياسة انتهجتها الإنقاذ في دارفور عندما قررت أن تواجه التمرد بالمليشيا، ثم تركت تلك المليشيا تكبر إلى جوار الجيش، ورعاها ووسّعها البشير خوفًا على منصبه من أي انقلاب عسكري، وخوفًا من الإسلاميين أنفسهم. وما مقولته “حميدتي حمايتي” ببعيدة عما يدور داخل أروقة السلطة من صراعات.
ربما لهذا لا تكفي عبارة “حرب البرهان وحميدتي” أو حرب “الجيش والدعم السريع” لفهم ما حدث. هي حربهما، لكنها أيضًا حرب الدولة على أخطائها القديمة منذ الاستقلال.
فالطريق إلى القصر عن طريق الدبابات كان قد جُرّب قبل أن يدخل البرهان المؤسسة العسكرية أصلًا. وحميدتي لم يخترع الجنجويد، ولم يكن أول من فكر في تسليح جماعات محلية واستخدامها في الحرب القذرة للدولة.
ولنخلص إلى أن الرجلين خرجا من كنف البشير.
ثم سقط البشير، وبقي الرجلان.
ربما كانت هذه من الحقائق التي لم نتوقف عندها طويلًا ونحن نهتف في أبريل ٢٠١٩: “حرية، سلام، وعدالة”، حتى إن بعضنا تمادى في الهتاف: “حميدتي الضكران الخوّف الكيزان”، متناسين أنهما وجهان لعملة واحدة لا رصيد لها يخدم قضيتنا.
كان سقوط البشير حدثًا تاريخيًا ينتظره كل السودانيين ويستحق كل ذلك الفرح الذي ملأ الشوارع… لم نصدق أن ثلاثين عامًا انتهت في لحظة بدا فيها أن حاجز السجن انكسر وانفتح الباب أخيرًا… ونحن في غمرة فرحتنا لم ننتبه إلى أن الذي سقط كان رأس جبل الجليد فقط.
بقيت أجهزة، وشركات، ومصالح، وعلاقات، وضباط صعدوا في عهده. وبقي الدعم السريع، والبرهان، وكباشي، وياسر العطا، وإبراهيم جابر، وكل أوجه الخراب، وبقي الإسلاميون أيضًا.
وكما نعلم، فإن الحركة الإسلامية، خلال سنوات الإنقاذ، تمددت في الجيش والأمن والخدمة المدنية والجامعات والبنوك والشركات والإعلام، تحت راية التمكين، فتداخل الحزب مع الدولة، والسياسة مع التجارة، والأمن مع الاقتصاد، حتى صار التفريق بين بعضها وبعض شديد الصعوبة.
وحين بدأت لجنة إزالة التمكين بعد الثورة تفتح ملفات الشركات والأموال والأراضي والوظائف، لم يكن الأمر بالنسبة إلى رجال النظام القديم مجرد خلاف مع حكومة انتقالية. كان عالم كامل، بُني على مدى ثلاثة عقود، يتعرض للمراجعة، ومن ثم المحاسبة والمصادرة.
كان الزمن يعمل في اتجاهين مختلفين لكل من قوى الثورة وقوى الظلام. قوى الثورة كانت تعمل وسط العراقيل التي تضعها أمامها القوات الأمنية والعسكرية، وتسابق الوقت لمحاصرة الفارين بموارد البلاد المنهوبة. وأصحاب النظام القديم كانوا يعرفون أن كل شهر يمر في ذلك الاتجاه قد يجعل الرجوع إلى ما قبل ديسمبر ضربًا من المستحيل.
ثم جاء ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١.
اشترك الرجلان اللذان يقتتلان الآن، بعد أن كانا يومها في خندق واحد، في إبعاد المدنيين وإجهاض حلم ملايين السودانيين. انتهت الشراكة الانتقالية، وعادت السلطة الفعلية إلى من يملكون السلاح.
الانقلاب خدم، في النتيجة، مصالح واسعة للنظام القديم. توقفت عملية إزالة التمكين، وعادت الوجوه والشبكات القديمة إلى مواقعها في الدولة، واستعاد الإسلاميون شيئًا من قدرتهم على الحركة. لا يحتاج الأمر إلى افتراض أن الحركة الإسلامية كانت تحرك البرهان بخيط خفي حتى نرى المستفيد من النتيجة.
وبعد الانقلاب بقي البرهان وحميدتي في مواجهة بعضهما، من دون مركز مدني قوي يمكنه أن يضبط العلاقة بين جيشين. كان لكل واحد منهما سلاحه ورجاله واقتصاده وعلاقاته.
وعندما بدأ الحديث عن دمج الدعم السريع في القوات المسلحة، لم يكن الخلاف فنيًا كما بدا أحيانًا في بيانات “إصلاح القطاع الأمني”. خلف النقاش عن سنوات الدمج وترتيبات القيادة كان هناك سؤال أكثر بساطة: من سيكون تحت إمرة من؟
حميدتي لم يكن يقود بضعة آلاف من الرجال يمكن توزيعهم على وحدات الجيش بقرار إداري. كان يقود قوة منتشرة في مناطق واسعة، لها المال والذهب والشركات والعلاقات الخارجية وتجربة قتالية اكتسب جزءًا منها في اليمن، فانقسم الإسلاميون بحسب مصالحهم، فصاروا “كيزان الدعم السريع وكيزان الجيش”، وهنا بدأت معركة كسر العظم التي كسرت ظهر الشعب السوداني.
وربما، إذا نظرنا إلى الأمر الآن بعين فاحصة، لأدركنا أن الحرب تأخرت أصلًا عن موعد اشتعالها، وأن عودة الإسلاميين إلى الواجهة بعد اندلاعها لم تكن بعيدة عن السياق.
ظهرت كتائبهم، وعلى رأسها “كتيبة البراء بن مالك”، وهي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة، وتملي عليها التعليمات، وعادت أسماء من عهد الإنقاذ، وخرج أحمد هارون وآخرون إلى العلن يفتون في أمر البلاد والعباد، ثم أخذ بعض رموز الحركة يتحدثون، بمرور الوقت، لا عن الحرب وحدها، وإنما عن شكل الحكم الذي ينبغي أن يأتي بعدها.
وهنا تبرز المفارقة التي يصعب تجاوزها: الإسلاميون الذين عادوا إلى قلب المشهد من بوابة الحرب يخوضون اليوم معركتهم ضد قوة خرجت أصلًا من رحم الدولة التي حكموها.
الدعم السريع الذي يقاتله الإسلاميون اليوم لم تصنعه ثورة ديسمبر، ولم يأتِ به حمدوك، ولم تنشئه دولة أجنبية. جذوره في حرب دارفور وفي سياسة الدولة التي حكمها الإسلاميون أنفسهم.
حين سلحت الإنقاذ الجنجويد كانت تبحث عن قوة سريعة تقاتل بها التمرد. لم يكن السؤال وقتها ماذا سيحدث بعد عشر سنوات إذا امتلكت تلك القوة المال والذهب والرتب والقانون والعلاقات الخارجية، وأصبح قائدها يجلس في الخرطوم إلى جوار قائد الجيش.
كانت السلطة تعالج مأزق يومها، وتؤجل سؤال الغد.
وجاء الغد.
ومع اندلاع الحرب خرج هذا الصراع، شيئًا فشيئًا، من حدوده السودانية. كانت العلاقات الخارجية موجودة قبل ١٥ أبريل، لكن الحرب حولتها إلى جزء من ميزان القوة على الأرض.
كان لحميدتي قبل أبريل ٢٠٢٣ بسنوات علاقاته في الخليج، وقد تعززت بعد مشاركة قواته في حرب اليمن، ثم جاء الذهب ليضيف إلى تلك العلاقات وزنًا اقتصاديًا لا يقل عن وزن السياسة. وعلى الجانب الآخر كانت للجيش علاقته القديمة بمصر، ثم دخلت إيران وتركيا بصورة أوضح إلى دائرة التسليح أثناء الحرب، فيما ظلت روسيا تنظر إلى السودان من باب الذهب والبحر الأحمر ومصالحها العسكرية.
أما الدعم السريع، فقد أصبحت شبكات إمداده الخارجية جزءًا من الحرب نفسها. وفي أواخر يوليو ٢٠٢٦ كشفت رويترز عن نتائج توصل إليها خبراء تابعون للأمم المتحدة، ضمن مسودة تقرير كان مقررًا نشره لاحقًا، تفيد بأن طائرات بوينغ ٧٢٧ نقلت مقاتلين وأسلحة وطائرات مسيرة لصالح الدعم السريع، ضمن شبكة إمداد عابرة للحدود.
إن وجود مقاتلين أجانب، بينهم كولومبيون، في حرب دارفور، هو واحد من أكثر الشواهد غرابة على المسافة التي قطعتها الحرب بعيدًا عن حدود السودان. تحقيقات صحفية حديثة تتبعت شبكات تجنيد ونقل لهؤلاء المقاتلين عبر أكثر من دولة قبل وصولهم إلى جبهات القتال. والأمر تجاوز التقارير الصحفية؛ ففي أبريل ٢٠٢٦ أدرج مجلس الأمن الكولومبي ماتيو أندريس دوكي بوتيرو على قائمة العقوبات، وقال إن مقاتلين كولومبيين قدّموا إلى الدعم السريع خبرات قتالية وفنية وشاركوا في معارك الخرطوم وأم درمان وكردفان والفاشر.
وظلت الإمارات في قلب الجدل حول دعم قوات الدعم السريع، وهي تنفي تسليحها. لكن الاتهامات لم تأتِ من خصومها السياسيين وحدهم، وإنما ظهرت في تقارير أممية وتحقيقات دولية تتعلق بالسلاح وخطوط الإمداد والذهب.
ومصر، من الجهة الأخرى، ظلت أقرب إلى القوات المسلحة السودانية، وهو موقف مفهوم من زاوية مصالح القاهرة في النيل والحدود وأمنها الجنوبي ونظرتها إلى بقاء جيش مركزي في السودان.
ولا توجد دولة من هذه الدول تتحرك بدافع واحد. ففي السودان ذهب، وساحل طويل على البحر الأحمر، وأرض زراعية، ونيل، وموقع يصل بين شمال أفريقيا والقرن الأفريقي والساحل. وكل دولة ترى في هذه الخريطة شيئًا يخصها.
لكن تحميل الخارج كل شيء يمنح الداخل براءة لا يستحقها.
الإمارات لم تصنع الجنجويد. ومصر لم تدخل الجيش السوداني إلى السياسة. وإيران لم تزرع الإسلاميين داخل الدولة. وروسيا لم تخلق أزمة دارفور. الخارج وجد شقوقًا موجودة أصلًا، ثم دخل منها.
وجد قادة يحتاجون إلى السلاح والمال والاعتراف، وسياسيين وعسكريين يعرف بعضهم طريق العواصم الخارجية أكثر مما يعرف طريق المجتمع الذي يريد أن يحكمه. ووجد مؤسسات ضعيفة إلى درجة أن علاقة دولة أجنبية بالسودان يمكن أحيانًا أن تمر عبر قائد أو شركة أو جهاز، لا عبر الدولة وحدها.
وهنا تبدأ السيادة في التآكل قبل أن يعبر الحدود جندي أجنبي واحد. حين يصبح بقاء قائد في السلطة متعلقًا بعاصمة أخرى، وحين يصبح الذهب الذي يخرج من السودان جزءًا من شبكة يعود منها السلاح إلى السودان، وحين يدخل حساب الخارج في قرار الحرب والسلام، فالمشكلة لم تعد في التدخل الأجنبي وحده. صارت في الداخل القابل لهذا التدخل أيضًا.
لكن حتى هذا لا يفسر وحده لماذا أصبحت الحرب قادرة على الاستمرار.
مع الوقت أنشأت الحرب اقتصادها.
ظهر من يربح من المعابر، ومن الوقود، ومن التهريب، ومن الذهب، ومن السلاح، ومن الجبايات، ومن الحركة بين مناطق السيطرة. تغيرت طرق التجارة، وظهرت أسواق لم تكن موجودة قبل الحرب، وأصبحت السيطرة على طريق أو منجم أو مدينة مصدر دخل بقدر ما هي مكسب عسكري.
وفي الفاشر وصل هذا الاقتصاد إلى صورة تكاد تختصر بشاعة الحرب كلها: أصبح بعض الناس يدفعون المال لكي يُسمح لهم فقط بالخروج من المدينة المحاصرة.
حين يصبح الهرب نفسه سلعة، نكون قد تجاوزنا الحرب بمعناها العسكري ودخلنا إلى مجتمع كامل بدأ يتشكل حولها.
وهنا يصبح السلام مكلفًا لبعض المستفيدين.
قائد قد يخسر سلطته. قائد آخر قد يجد نفسه أمام ملفات الجرائم والمحاسبة. تاجر بنى ثروته في الفوضى لا يريد عودة القانون. من يربح من المعابر لا يحتاج إلى دولة تستعيدها. ودولة أجنبية ربما تخسر نفوذًا أو موقعًا حصلت عليه لأن السودان ضعيف.
لهذا لا تطول الحروب دائمًا لأن أحدًا لا يستطيع وقفها.
أحيانًا تطول لأن أشخاصًا كثيرين تعلموا كيف يعيشون منها.
لكن اقتصاد الحرب ليس وحده ما يطيلها. هناك أيضًا حقيقة عسكرية أصبحت أوضح مع مرور الوقت: لا أحد يستطيع أن يحسم هذه الحرب لمصلحته.
استعاد الجيش معظم العاصمة في ٢٠٢٥ ودخل القصر الجمهوري، وتراجع الدعم السريع من الخرطوم. كان ذلك تحولًا عسكريًا كبيرًا، لكنه لم يكن نهاية الحرب، فقد انتقل مركزها غربًا.
ظلت الفاشر آخر المواقع الكبيرة للجيش في دارفور، محاصرة لأشهر طويلة، حتى سقطت في يد الدعم السريع في أكتوبر ٢٠٢٥. سقوطها لم يكن مجرد تبدل عسكري على الخريطة. كان يعني أن الدعم السريع أصبح صاحب السيطرة الفعلية على معظم دارفور، وأثار ما جرى بعد دخول المدينة تقارير واسعة عن قتل جماعي وانتهاكات ضد المدنيين.
والفاشر ليست مدينة عادية في هذه الحرب. تجمع حولها عشرات الآلاف من النازحين، وظلت لوقت طويل واحدة من آخر المساحات التي يقصدها الفارون من مناطق أخرى في دارفور. حصارها وتجويع سكانها ثم سقوطها أعادا إلى الذاكرة أشياء كثيرة ظن السودانيون أن دارفور دفنتها مع سنواتها القديمة.
لكن الأهم سياسيًا أن سقوط الفاشر جعل خط الانقسام في السودان أكثر وضوحًا. ففي يوليو ٢٠٢٥ كان تحالف تأسيس وقوات الدعم السريع قد أعلن بالفعل تشكيل حكومة موازية، ووضع حميدتي على رأس مجلس رئاسي، وعبد العزيز الحلو نائبًا له، ومحمد حسن التعايشي رئيسًا للوزراء. لم يعد الحديث عن وجود سلطتين مجرد تخوف نظري. بعض ملامحه موجودة بالفعل.
في الشرق والوسط والشمال سلطة مرتبطة بالجيش، وفي دارفور سلطة أخرى تحاول أن تصنع لنفسها مؤسسات وشرعية وامتدادًا، وبين الاثنين تقع كردفان.
لهذا اكتسبت الأبيض هذه الأهمية في المرحلة الحالية من الحرب. المدينة ليست مجرد عاصمة لشمال كردفان؛ موقعها يجعلها عقدة تصل وسط السودان بغربه، والسيطرة على طرقها تؤثر مباشرة في حركة القوات والإمداد بين دارفور وبقية البلاد.
في أغسطس ٢٠٢٦ عادت الهجمات على الأبيض بالطائرات المسيرة والعمليات البرية، بالتزامن مع حشود كبيرة في كردفان، ووصلت هجمات المسيرات في الأيام نفسها إلى الخرطوم وبحري وعطبرة.
وهذا وحده يقول الكثير عن شكل الحرب الآن. استعادة العاصمة لا تعني استعادة السودان كله، والسيطرة على معظم دارفور لا تعني القدرة على حكم السودان كله. لم يستطع الجيش أن ينهي الدعم السريع، ولم يستطع الدعم السريع أن يهزم الجيش.
هذه، في رأيي، هي أخطر نقطة وصلنا إليها: أن يصبح كل طرف قويًا بما يكفي كي لا يُهزم، وعاجزًا عن أن ينتصر.
الحروب تستطيع أن تعيش طويلًا في هذه المسافة. ومع مرور الزمن تستطيع الخطوط العسكرية المؤقتة أن تصبح حدود مصالح، تظهر حولها إدارات وأسواق وطرق عبور وشبكات علاقات خارجية، ويكبر جيل من المقاتلين لا يعرف وظيفة خارج الحرب.
وقد لا ينقسم السودان بطريقة جنوب السودان. ربما لا يكون هناك إعلان انفصال، ولا علم جديد، ولا مقعد جديد في الأمم المتحدة. الأخطر أن يبقى البلد واحدًا في الخرائط والوثائق، ومنقسمًا في الواقع: سلطتان، وقوتان عسكريتان، واقتصادان، وعلاقات خارجية مختلفة، ومناطق نفوذ ينتظر كل طرف الوقت المناسب لتوسيعها.
لهذا تبدو المقارنة بليبيا، مع كل الاختلافات بين البلدين، مقلقة أكثر من سيناريو الانفصال الصريح: دولة واحدة قانونًا، وسلطات متعددة على الأرض، والخارج له حلفاؤه، والاتفاقات تأتي وتذهب، بينما يبني كل طرف واقعًا يصبح التخلي عنه أصعب مع مرور الوقت.
وفي كل ذلك يصبح المدني، وهو الذي دفع الثمن الأكبر، أقل الأطراف قدرة على تحديد النهاية.
وهنا نعود إلى ديسمبر.
كان شعار “مدنية” في جوهره محاولة بسيطة لاستعادة شيء بديهي: أن يكون الحكم شأنًا سياسيًا، لا نتيجةً لميزان السلاح. لكننا، بعد سنوات قليلة من سقوط البشير، عدنا إلى وضع أصبحت فيه البندقية مرة أخرى مصدر السلطة الأول.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي حديث جاد عن السلام ليس فقط كيف نوقف الحرب، وإنما ماذا نفعل بالدولة التي ستبقى بعدها؟
إذا توقفت المعارك وبقي الجيش لاعبًا سياسيًا فوق الدولة، فإن جزءًا أساسيًا من المشكلة سيبقى. وإذا توقفت وبقي الدعم السريع، أو أي قوة شبيهة به، محتفظًا بجيش واقتصاد وقيادة مستقلة، فسنكون قد أجلنا الصدام. وإذا خرج الإسلاميون من الحرب وقد أعادوا بناء نفوذ مسلح داخل مؤسسات الدولة، فستظل العلاقة بين الحزب والجيش قابلة لأن تعيدنا إلى المربع القديم. وينطبق الأمر نفسه على أي حزب أو حركة أخرى ترى في السلاح طريقًا مضمونًا إلى السلطة.
هذه ليست دعوة إلى إضعاف الجيش، كما يحب البعض أن يصورها. السودان يحتاج إلى جيش قوي ومهني أكثر من أي وقت مضى، لكن الجيش القوي ليس الجيش الذي يحكم. هو الجيش الذي لا يحتاج إلى الحكم لكي يكون قويًا، ولا يحتاج أي حزب إلى اختراقه لكي يحمي نفسه. والدولة القوية ليست التي تملك عشرات التشكيلات المسلحة، وإنما التي لا تسمح بوجود أكثر من مركز شرعي واحد للسلاح.
المشكلة في السودان لم تكن يومًا أننا لا نعرف كيف نسقط الحكومات. أسقط السودانيون عبود في أكتوبر ١٩٦٤، ونميري في أبريل ١٩٨٥، والبشير بعد ثورة ديسمبر. مشكلتنا تبدأ غالبًا بعد سقوطهم.
يتغير الرجل، وتبقى أشياء كثيرة مكانها. يبقى الجيش قريبًا من السياسة، وتبقى الثروة موزعة بطريقة تجعل أطراف البلاد تشعر أنها بعيدة عن الدولة، ويبقى السلاح وسيلة فعالة للحصول على نصيب من السلطة، ويبقى الاقتصاد العسكري خارج الرقابة المدنية. ثم تأتي أزمة جديدة وتجد أدواتها جاهزة.
لهذا لا يحتاج السودان فقط إلى إنهاء حرب البرهان وحميدتي. يحتاج إلى إنهاء الطريقة التي أنتجت البرهان وحميدتي.
وقد تتوقف هذه الحرب باتفاق، أو بهدنة، أو بانتصار عسكري في جبهة ما، لكن توقف إطلاق النار لن يكون في حد ذاته جوابًا عن السؤال الذي بدأنا به.
هل دخل السودان زمن الحروب التي لا تنتهي؟
أعتقد أن الخطر حقيقي.
ليس لأن حرب البرهان وحميدتي ستستمر إلى الأبد. لن تفعل. لا توجد حرب تفعل ذلك.
الخوف أن تنتهي هذه الجولة، كما انتهت جولات قبلها، من دون أن نمس الأشياء التي صنعتها: الجيش في السياسة، والمليشيا خارج الدولة، والحزب داخل المؤسسة العسكرية، والمال خارج الخزانة، والمركز الذي لا يسمع أطراف البلاد إلا حين يرتفع صوت السلاح، والعواصم الأجنبية التي تجد دائمًا من يفتح لها الباب من الداخل.
قد يذهب البرهان، وقد يذهب حميدتي، وقد يعود الإسلاميون أو يتراجعون مرة أخرى. كل هذه الأسماء قابلة للتغير.
ما يستحق الخوف فعلًا هو أن تبقى الدولة القادرة على إنتاجهم.
عندها قد تنتهي هذه الحرب.
لكن حرب السودان لن تكون قد انتهت.
zoolsaay@yahoo.com
