هل سيغير اقتصاد الشيخوخة شكل الاقتصاد العالمي؟
تحولات كبرى في العمل والادخار والإنفاق في القرن الحادي والعشرين
اعداد: عبدالعظيم الريح مدثر
اقتصادي – كلية الاقتصاد، جامعة الخرطوم (1971)
متقاعد من المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا
مقدمة:
العالم أمام
تحول ديموغرافي غير مسبوق
عبر التاريخ كانت المجتمعات البشرية مجتمعات شابة. فقد كان متوسط العمر في معظم الحضارات القديمة لا يتجاوز أربعين عاماً. لكن القرن العشرين شهد ثورة صحية وعلمية أدت إلى ارتفاع كبير في متوسط العمر.
نتيجة لذلك دخل العالم اليوم مرحلة يسميها علماء السكان:
عصر الشيخوخة الديموغرافية.
وتشير تقديرات United Nations إلى أن عدد الأشخاص الذين تجاوزوا سن الخامسة والستين سيتضاعف تقريباً خلال العقود القادمة، ليصل إلى ما يقارب 1.6 مليار إنسان بحلول عام 2050.
وهذا التحول ليس مجرد تغير في التركيبة السكانية، بل يمثل تحولاً اقتصادياً عميقاً قد يعيد تشكيل:
أسواق العمل
أنظمة التقاعد
أنماط الاستهلاك
السياسات المالية للدول.
ولهذا بدأ الاقتصاديون يتساءلون بجدية:
هل نحن أمام اقتصاد عالمي جديد تقوده الأجيال المتقدمة في العمر؟
أولاً: الشيخوخة كقوة ديموغرافية عالمية
إن أبرز ما يميز التحول السكاني المعاصر هو أنه يحدث في معظم مناطق العالم في وقت واحد.
ففي أوروبا واليابان أصبحت نسبة كبار السن من بين الأعلى في العالم، حيث تتجاوز في بعض الدول ربع السكان.
كما أن دولاً كانت توصف تقليدياً بأنها مجتمعات شابة – مثل الصين وكوريا الجنوبية – بدأت تدخل بسرعة مرحلة الشيخوخة السكانية.
ويشير تقرير صادر عن World Bank إلى أن ارتفاع متوسط العمر وانخفاض معدلات الخصوبة سيؤديان إلى تغيرات عميقة في هيكل القوى العاملة خلال العقود القادمة.
إن هذه التحولات تعني ببساطة أن نسبة العاملين إلى المتقاعدين ستنخفض بشكل ملحوظ،
وهو ما يضع ضغوطاً كبيرة على نظم الضمان الاجتماعي.
ثانياً: التأثير على أسواق العمل
أحد أهم الأسئلة التي يطرحها اقتصاد الشيخوخة هو:
كيف ستتغير طبيعة العمل عندما يتقدم المجتمع في العمر؟
في النماذج الاقتصادية التقليدية كان الإنسان يعمل خلال مرحلة الشباب ثم يتقاعد في سن الستين أو الخامسة والستين.
لكن مع ارتفاع متوسط العمر أصبح كثير من الناس يعيشون عشرين أو ثلاثين عاماً بعد التقاعد.
وهذا الوضع يخلق تحدياً اقتصادياً واضحاً، إذ لا تستطيع معظم الاقتصادات تحمّل خروج أعداد كبيرة من القوى العاملة في وقت مبكر.
ولهذا بدأت عدة دول في:
رفع سن التقاعد
تشجيع العمل بعد التقاعد
إدخال أنظمة التقاعد التدريجي.
وفي دول مثل اليابان أصبح من الشائع أن يواصل الأفراد العمل حتى سن السبعين.
ثالثاً: التحولات في أنماط الاستهلاك
لا يقتصر تأثير الشيخوخة على سوق العمل، بل يمتد أيضاً إلى أنماط الاستهلاك.
فكبار السن ينفقون بطريقة مختلفة عن الشباب.
فبينما يميل الشباب إلى الإنفاق على:
التعليم
السكن
تربية الأطفال
يميل كبار السن إلى الإنفاق على:
الرعاية الصحية
الأدوية
الخدمات الاجتماعية
السياحة الصحية.
وقد أدى هذا التحول إلى ظهور ما يسمى:
الاقتصاد الفضي (Silver Economy)
وهو الاقتصاد المرتبط باحتياجات كبار السن.
وتشير بعض الدراسات الاقتصادية إلى أن حجم هذا الاقتصاد قد يتجاوز عشرات التريليونات من الدولارات خلال العقود القادمة.
رابعاً: التأثير على الادخار والاستثمار
من المعروف في النظرية الاقتصادية أن الأفراد يميلون إلى الادخار خلال سنوات العمل ثم الإنفاق من مدخراتهم خلال التقاعد.
لكن عندما ترتفع نسبة كبار السن في المجتمع، فإن هذا قد يؤدي إلى:
انخفاض معدلات الادخار الوطنية
تغير اتجاهات الاستثمار.
وقد ناقش الاقتصاديان رونالد لي وأندرو ميسون هذه القضية في كتابهما المهم
Population Aging and the Generational Economy
حيث أشارا إلى أن التحولات الديموغرافية يمكن أن تؤثر بعمق في توازنات الاقتصاد الكلي.
خامساً: الضغط على المالية العامة
يُعد تمويل معاشات التقاعد والرعاية الصحية لكبار السن أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومات.
فمع زيادة عدد المتقاعدين ترتفع النفقات العامة في مجالات مثل:
المعاشات
التأمين الصحي
الرعاية الاجتماعية.
وقد أظهرت تقارير Organisation for Economic Co-operation and Development أن الإنفاق على المعاشات في بعض الدول الأوروبية قد يصل إلى نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العقود القادمة.
ولهذا أصبحت إصلاحات نظم التقاعد قضية سياسية واقتصادية حساسة في كثير من الدول.
سادساً: الابتكار الاقتصادي في عصر الشيخوخة
رغم التحديات، فإن اقتصاد الشيخوخة قد يفتح أيضاً مجالات جديدة للابتكار الاقتصادي.
من بين هذه المجالات:
التكنولوجيا الطبية
تطوير الأجهزة والتقنيات التي تساعد كبار السن على العيش باستقلالية.
المدن الصديقة لكبار السن
وهي مدن مصممة لتوفير بيئة مريحة وآمنة لكبار السن.
الصناعات الصحية
التي أصبحت من أسرع القطاعات نمواً في الاقتصاد العالمي.
وقد أشار تقرير صادر عن World Health Organization إلى أن التحول الديموغرافي قد يؤدي إلى توسع كبير في الصناعات المرتبطة بالصحة والرعاية.
سابعاً: الدروس للدول النامية
الدول النامية لا تزال في مراحل مختلفة من التحول الديموغرافي.
لكن كثيراً منها سيتجه تدريجياً نحو الشيخوخة السكانية خلال العقود القادمة.
وهذا يفرض تحديات مهمة، منها:
تطوير نظم التقاعد
تحسين خدمات الرعاية الصحية
خلق فرص عمل مرنة لكبار السن.
كما أن هذه الدول قد تستفيد من التجارب التي مرت بها الدول الصناعية في إدارة التحول الديموغرافي.
خاتمة:
اقتصاد جديد للأعمار الطويلة
إن اقتصاد الشيخوخة ليس مجرد قضية سكانية، بل هو تحول اقتصادي عميق قد يعيد تعريف العلاقة بين:
العمل
والعمر
والإنتاج.
فإذا كان القرن العشرون هو قرن اقتصاد الشباب والصناعة، فإن القرن الحادي والعشرين قد يكون قرن اقتصاد الأعمار الطويلة والخبرة البشرية.
وقد يكون التحدي الحقيقي أمام المجتمعات ليس في كيفية التعامل مع الشيخوخة بوصفها عبئاً اقتصادياً، بل في كيفية تحويلها إلى مصدر جديد للقوة الاقتصادية والمعرفية.
المراجع
United Nations – World Population Ageing Report.
World Bank – Population Aging and Economic Growth.
Organisation for Economic Co-operation and Development – Pensions at a Glance.
Population Aging and the Generational Economy – Ronald Lee & Andrew Mason.
The Economics of Aging – James H. Schulz & Robert Binstock.
World Health Organization – Global Health and Aging.
azeem muddather
sanhooryazeem@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم