حمد مدنى حمد
و نحن و فى الأيام نعيش و نتفيأ ظلال هجرة رسولنا الكريم عليه افضل الصلاة و اتم التسليم اذا تتبعنا السيرة النبوية العطرة نكتشف فيها الكثير من العبر التى تتجدد بتجدد الزمان و المكان و المعطيات و لعل هذا سر و اسرار جعل الاجتهاد مصدر من مصادر التشريع الاسلامى و هو مصدر يقوم على اعمال العقل بعيدا عن التسليم المطلق بالموروث فى جانبه البشرى و على احترام الرائ و الرائ الاخر و لذلك كان ائمة المذاهب الاسلامية يحترم بعضهم بعضا و ياخذ عنه دون ان يسلم له قيادة بلب تقول الروايات ان كل منهم كان يخضع اراء الاخر للدراسة و التمحيص فياخذ بما يقتنع به بالدليل و المنطق و يخالفه على اساس الدليل و المنطق ايضا و قد لخص الامام الشافعى ذلك كله عندما قال : كل ياخذ منه او يرد الا صاحب هذا القبر و يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى نستلهم من هجرته الكثير من العبر و الدروس الجديدة فى اطار الاجتهاد و لعل هذا سر قوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث : ( ان الله يبعث على راس كل مائة سنة من يجدد لهذه الامة امر دينها ) و التجديد المقصود هنا يشمل كل شئ الا ثوابت العقيدة .. و حتى يتحقق التجديد الذى تحدث عنه المصطف ( ص ) لا بد من ان تتوفر شروطه و ادواته و اولها اعمال العقل فى كل ما يصلنا من شئون الدنيا و مفاهيم الدين المستنبطة من اجتهادات البشر باستثناء ثوابت العقيدة و لا نعتقد ان شكل الدولة و نظامها السياسى من ثوابت العقيدة بل من شئون الدنيا التى فتح باب الاجتهاد فيها حتى فى وجود الرسول صلى الله عليه و سلم كما حدث ذلك فى معركة بدر و معركة احد و فى اقرار صيغة الاذان .. الخ ؟؟
لقد تبلور الاجتهاد و دوره اكثر منذ اللحظة الاولى لوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم و ما جرى من خلاف و جدال فى سقيفة بنى ساعدة حول الخلافة و من يتولاها و هو الخلاف الذى ما زالت اثاره تسرى فى الامة الى يومنا هذا حول شكل الدولة و نظامها السياسى و شروط الحاكم و الخلاف الذى قسم الامة الى قسمين او فسطاطين ( سنة و شيعة ) فقد بدا الخلاف بين هذين الفسطاطين على اساس سياسى تبعه اجتهادات مذهبية تمحورت فى اساسها على البعد السياسى و شروط الخلافة مما يؤكد ان نظام الحكم و شكله ليس من ثوابت العقيدة بل من فروع التشريع و هذه قاعدة غيب الجدل حولها الكثير من الحقائق عن طبيعة الدولة كما بناها الرسول صلى الله عليه و سلم و تاسيسه لاول دولة قائمة على التصور الاسلامى بعد هجرته الى المدينة المنورة قادما من مكة .. ؟؟
ان أية قراءة محايدة و موضوعية للدولة التى اسسها رسول الله ستقودنا الى انه عليه الصلاة و اتم التسليم لم يبن دولة دينية لكنه اسس دولة مدنية بكل ما يعنيه المصطلح فى عصرنا هذا و اول ذلك اسم الدولة و عاصمتها فلماذا قام الرسول عليه الصلاة و السلام بتغيير اسم يثرب الى المدينة المنورة .. ؟؟ و لماذا لم يسميها يثرب المنورة .. ؟؟ ام ان لفظ المدينة نفسه كان مقصودا لذاته و دلالاته .. ؟؟
ان كانت الاجابات على هذا السؤال كما فى كتب السيرة و التاريخ تصب فى تعزيز مفهوم الدولة المدنية فمن الماثورات ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحب اسم يثرب لان من معانيه الفساد فيثرب من الثرب و هو الفساد و هو ما جاء الرسول ( ص ) ليحاربه و لذلك اختار اسم المدينة بدلا من يثرب و هو اسم له دلالاته لقوله عليه السلام : ( امرت بقرية تاكل القرى يقولون يثرب و هى المدينة تنفى الناس كما ينفى الكير خبث الحديد ) و هنا نقول اليس من اهم صفات الدولة المدنية محاربتها للفساد من خلال رقابة المجتمع على اداء المؤسسات و الافراد و هى الرقابة التى جعلها الاسلام فرض عين على كل الناس الشركاء فى الوطن .. ؟؟
فيرد هذا الذى جاء فى الحديث عن دلالات تغيير اسم يثرب الى المدينة و علاقته بطبيعة الدولة التى بناها رسول الله بعد الهجرة و هى طبيعة مدنية جسدتها وثيقة المدينة التى وضعها عليه السلام فلماذا لم تنص و ثيقة المدينة التى شكلت اول دستور لتنظيم المجتمع وفق التصور الاسلامى على ان الاسلام هو الدين الرسمى للدولة الجديدة : اكثر من ذلك لماذا لم تنص الوثيقة ( الدستور ) على شكل الحكم .. و اكثر من ذلك لماذا لم يحدد القران و من ثم الحديث النبوى شكلا محددا لهوية الدولة و اليات انتقال الحكم فيها و اكتفيا بوضع اسس و مبادئ عامة لطبيعة و صفات الحكم و الحاكم تتلخص بالكفاءة و العدالة و المساواة و لذلك لم يحدد رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم خليفته صراحة و كذلك فعل الخلفاء الراشدون من بعده .. ؟؟
اما الثانية فان وثيقة المدينة المنورة لم تصف مجتمع المدينة بانه مجتمع اسلامى و لم تصبغه بصبغة الاسلام و المسلمين و تركت كل الفئات على معتقداتهم و عباداتهم و تقاليدهم و اعرافهم باستثناء الزامهم بالدفاع عن المدينة ضد اى عدوان خارجى اى ان الرسول صلى الله عليه وسلم بنى دولة تؤمن بالتعددية بكل صورها و اشكالها الاقتصادية و الاجتماعية و العقيدية بما فى ذلك ترك المشركين على شركهم و عدم اكراههم على الدخول فى دين الله فهل هنالك ادلة اكثر من هذه على ان دولة المدينة المنورة كانت دولة مدنية .. ؟؟ هذا مجرد سؤال نطرحه بين يدى جميع العقلاء و المفكرين و الجدل الدائر فى بلادنا حول مفهوم الدولة و مدنيتها لتكون مدخلا للمزيد من القراءة العقلانية للكثير من الموروث الذى نتعامل معه على انه من المسلمات بل و من المقدسات التى من الممنوع الاقتراب منها لعلنا نخرج بهذا الوطن من المستنقع و النفق المظلم الذي ادخلناه فيه ظلما و جهلا .. ؟؟
حمد مدنى حمد
hamad.elmadani@gmail.com
