أمجد شرف الدين المكي – أمريكا
منذ إندلاع الحرب المفتوحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تحوّل السودان إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم المعاصر، تقديرات أممية وغربية تتحدث عن عشرات الآلاف من القتلى، وأكثر من 12–14 مليون نازح ولاجئ، ومجاعة تقترب من مستوى الكارثة في دارفور وكردفان والخرطوم. في هذا السياق، جاءت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، ثم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيجعل من إنهاء الحرب في السودان أولوية، بعد أن طلبت منه الرياض التدخل. هنا تتقاطع ثلاثة مسارات: أولها الرباعية الدولية–الإقليمية،ومن ثم التنافس البارد بين الرياض وأبوظبي، وأخيراً معادلة الحكم المدني في الخرطوم. وهذا من شأنه أن يطرح تساؤلاً مهما:
هل سيعود الشارع وقواه الثورية إلى الواجهة، أم يظهر لنا عبد الفتاح البرهان في بدلة مدنية كواجهة لنظام عسكري–إسلامي معاد تدويره؟
في سبتمير 2025 طرحت الرباعية خارطة طريق لوقف الحرب والانتقال السياسي في السودان. والتي أكدت بوضوح دعم سودان ديمقراطي وسلمي، ورفض الحكم العسكري المنفرد، والدعوة إلى عودة مسار الانتقال المدني. وذلك عبر هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، ثم وقف إطلاق نار دائم، يعقبه انتقال مدته تسعة أشهر نحو سلطة مدنية، مع رفض صريح لأي دور لجماعات الإسلام السياسي المرتبطة بالإخوان المسلمين في الترتيبات المقبلة.
تصريحات ترمب الأخيرة عن السودان جاءت مرتبطة بهذا المسار. فبحسب ما أقرّ الرئيس الأمريكي بأنه كان غير مدرك تماماً لحجم الكارثة قبل أن يطرح ولي العهد السعودي الملف بقوة في لقائهما في واشنطن، وأنه سيعمل مع السعودية والإمارات ومصر ودول أخرى لوقف الحرب. قراءة هذا التحول لا تنفصل عن السياق الأوسع: إعادة تموضع واشنطن في الشرق الأوسط، وتثبيت الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، واستخدام ملف السودان – إن تحقق فيه اختراق – كدليل على قدرة محور ترمب–ابن سلمان على إنتاج صفقات سلام في المنطقة، بعد غزة، ومؤخراً التغيير في العلاقات السورية الأمريكية والتي جاءت أيضاً بطلب من ولي العهد السعودي. لكن هذا المسار يبقى مرهوناً ليس فقط بحسابات البيت الأبيض، بل أيضاً بالصراع البارد بين الرياض وأبوظبي على السودان والبحر الأحمر.
من منظور العلاقات الدولية، وفي مجلة فورن أفير (Foreign Affairs) الأميركية، وهي من أكثر الدوريات تأثيراً في حقل السياسة الخارجية، فقد نشرت عدة مقالات وتحليلات مبكرة لهذا التنافس، إذ تبيّن كيف تحوّل البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى مسرح لتصدير التنافسات الخليجية عبر الموانئ والقواعد العسكرية والاستثمارات، بما في ذلك السودان. وعلى الخط نفسه، تشير دراسات في منصات متخصصة مثل Africa Defense Forum إلى أن الصراع في السودان بات جزئياً، معبّراً عن تنافس سعودي–إماراتي على النفوذ، حيث يُنظر إلى قوات الدعم السريع باعتبارها المستفيد الأكبر من شبكات الدعم المالي والعسكري المرتبطة بأبوظبي، في حين حافظ الجيش على صلات أوثق تاريخياً مع الرياض والقاهرة.
هذا البعد النظري تدعمه سلسلة من التحقيقات الصحفية والحقوقية، والمنظمات الدولية. فهنالك تقارير نشرت في واشنطن بوست ووسائل إعلام غربية توثق اتهامات متزايدة للإمارات بتسليح قوات الدعم السريع بطائرات مسيّرة وسلاح ومال، عبر شبكة من الرحلات الجوية إلى تشاد وليبيا، وبالاستفادة من تجارة الذهب السوداني الذي يمر بكثافة عبر دبي. كما كشفت تقارير بحثية أميركية مثل تقارير منظمة The Sentry عن شبكة شركات وواجهات مرتبطة بقيادات في الدعم السريع تتولى إدارة تجارة الذهب واللوجستيات لتمويل الحرب. في المقابل، استخدمت أبوظبي نفوذها الاقتصادي كورقة ضغط معاكسة، إذ أشارت تقارير اقتصادية إلى أن حظراً فعلياً للطيران والشحن من الإمارات إلى بورتسودان أدى إلى انهيار جديد في قيمة الجنيه السوداني بسبب تراجع صادرات الذهب. وقبل ذلك، أعلنت الخرطوم في مايو 2025 قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، ورفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهمها بخرق اتفاقية منع الإبادة الجماعية من خلال دعم قوات الدعم السريع، وهو ما نفته أبوظبي.
على الضفة الأخرى من الخليج، تبدو حسابات الرياض مختلفة، وإن لم تخلُ من تنافس مع أبوظبي. فهناك عدة دراسات صدرت عن مراكز أميركية مرموقة، مثل معهد السلام الأميركي (USIP) ومركز كارنيغي، تبيّن أن أمن البحر الأحمر أصبح ركناً رئيسياً في استراتيجية الرياض، ليس فقط لأسباب عسكرية، بل لصلته بمشاريع التحول الاقتصادي (نيوم، السياحة على الساحل الغربي، وممرات الطاقة والتجارة). ولذلك استثمرت المملكة بكثافة في تأمين الممرات البحرية وإطلاق مبادرات تعاون إقليمي، إلى جانب دورها البارز في إجلاء عشرات الآلاف من الرعايا الأجانب والسودانيين عبر خط بورتسودان–جدة في الأسابيع الأولى للحرب، وفي استضافة محادثات جدة بين الجيش والدعم السريع في مايو 2023. هذا الدور الوسيط يمنح الرياض صورة الضامن لاستقرار الضفة الغربية من البحر الأحمر، في مقابل مقاربة إماراتية أكثر عسكرةً وتركيزاً على شبكات الذهب والميليشيات والموانئ.
بمعنى آخر، التنافس بين الرياض وأبوظبي في السودان ليس مجرد خلاف دبلوماسي، هو تعبير عن مشروعين إقليميين متقاربين في الخطاب، لكنهما مختلفان في أدوات النفوذ: مشروع سعودي يفضّل – نظرياً – الدولة المركزية المستقرة التي يمكن التفاهم مع مؤسساتها، ومشروع إماراتي أكثر مرونة في التعامل مع الفاعلين المسلحين وشبكات الأعمال العابرة للحدود. هذا ما يجعل السودان اليوم، كما تشير تحليلات في مراكز مثل أتلانتيك كاونسل، نقطة تقاطع بين صراع داخلي على السلطة، وصراع خارجي على نمط النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وسط هذه الحسابات، تتحرك الرباعية أيضاً لضبط شكل النظام السياسي المقبل في الخرطوم. فخريطة الطريق الأخيرة لم تكتفِ بالدعوة لوقف إطلاق النار والانتقال المدني، بل ربطت ذلك بتحجيم نفوذ الإسلاميين. وفي وقت سابق أقرت واشنطن عقوبات على شخصيات وكيانات مرتبطة بحزب المؤتمر الوطني السابق، وشددت على استبعاد الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين من أي ترتيبات مقبلة. في المقابل، تظهر تقارير عدة أن الحركة الإسلامية السودانية نفسها باتت تراهن على فترة مطوّلة من الحكم العسكري كجسر للعودة إلى السلطة، بعد أن دفعت بآلاف المقاتلين لدعم الجيش في الحرب. هنا تتقاطع مصالح جزء من المؤسسة العسكرية مع مشروع الثورة المضادة، وهو ما يجعل سيناريو الجنرال المدني مغرياً.
على الجانب الآخر، يمثل التيار المدني – صمود، لجان المقاومة، والأجسام التي قادت ثورة ديسمبر 2018 – الحدّ المقابل في المعادلة. تقارير في مجلات مثل Journal of Democracy وبيانات منظمات حقوقية توثّق كيف نجحت هذه القوى في إسقاط نظام عمر البشير عبر تعبئة شعبية واسعة، وتشكيل تحالف مدني أعاد تعريف النظام السياسي في السودان، قبل أن تنجح الثورة المضادة في تفتيته إقتصادياً وسياسياً، ومن ثم إنقلاب في 2021 وصولاً للحرب الحالية. وفي تقييم لهذه القوى المدنية فهي تُظهر أنها تمتلك شرعية الشارع ورأس المال الثوري للمقاومة الشعبية، لكنها تعاني من الانقسامات التنظيمية وضعف البناء الحزبي وغياب مركز قرار موحّد. بل أيضاً تشققاتها الي عدة أجسام، نتيجة لطول فترات الحكم العسكري، والذي أضعف هذه الأجسام السياسية المدنية والحزبية، وقلل من تأثيرها في ادارة الأزمات التي مرت بها البلاد، في العقدين الأخيرين. لكن إذا نجحت في تجاوز هذه المعضلات، وصاغت ميثاق سياسي جديد يضم لجان المقاومة والحركات غير التقليدية وتطرح برنامجاً انتقالياً واضحاً، فإن الرباعية – بحكم خطابها الرسمي – ستجد صعوبة في تجاهلها، خاصة إذا أظهرت، بل ونجحت على ضبط الأجسام المؤيدة لإيقاف الحرب، وضمها في تحالف مدني عريض متوافق علي حد أدني من الأهداف المدنية السياسية، وعن كيف يحكم السودان، والأهم من ذلك عدم الوقوع في نفس الأزمات السياسية والتنظيمية السابقة.
السيناريو الآخر والمخيف هو أن يختار البرهان خلع بزته العسكرية وارتداء بدلة مدنية، في إطار توافق مع قوات الدعم السريع، و في صفقة تُقدَّم للعالم بوصفها تحولاً ديمقراطياً من داخل النظام. هنا تشير تحليلات غربية إلى أن جزءاً من الإسلاميين يرى في هذا المسار فرصة للعودة عبر انتخابات تُنظم بعد فترة انتقال تحت هيمنة الجيش، مع إعادة تدوير رموز النظام السابق من الصف الثاني والثالث في مواقع مدنية. مثل هذا السيناريو قد يلبّي – شكلياً – شرط الرباعية بحكومة مدنية، لكنه يبقي جوهر السلطة في يد التحالف العسكري–الأمني نفسه، مع وجود حزام إسلامي–بيروقراطي حوله، ما يعني عملياً إعادة إنتاج نموذج البشير في نسخة مخففة شكلياً. داخلياً سيُقابل هذا المسار برفض واسع من لجان المقاومة وقطاعات شبابية، وتنظيمات كصمود، ترى فيه خيانة لدماء الشهداء وإعادة شرعنة لمرتكبي مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في 2019. وخارجياً، من الممكن أن يطرح هذا السيناريو، في شكل توافقي ولو في المدى المتوسط، مع الخطاب المعلَن لواشنطن والعديد من العواصم الأوروبية التي استثمرت – رمزياً على الأقل – في قصة الثورة السودانية.
في النهاية، يمكن للولايات المتحدة الأمريكية وعبر شركائها في الرباعية أن تُجمّد الحرب، وأن تضغط على داعمي الأطراف الإقليميين، وأن ترسم إطاراً عاماً لانتقال سياسي، لكنها لا تستطيع وحدها أن تقرر ما إذا كان البرهان سيظهر ببدلة مدنية، أو أن القوى الثورية المدنية ستنجح في لملمة صفوفها من جديد. ما سيحسم الإجابة عن سؤال عنوان هذه المقالة وهو قدرة الفاعلين المدنيين على تحويل خبرة ثورة 2018–2019، بكل ما فيها من آمال وتوقعات، إلى مشروع سياسي منظم وقابل للحياة، وعلى بناء تحالف واسع مدني يضم لجان المقاومة، والنقابات المستقلة، والقوى المناطقية المتضررة من الحرب. وعدم إستثناء أي جسم يتوافق مع مشروع الشارع. أما إذا فشل هذا المشروع، فالأرجح أن يميل ميزان القوى – داخلياً عبر المؤسسة العسكرية وقنواتها أضافة الي الحركات المسلحة، وخارجياً – إلى خيار الاستقرار السهل: جنرال يخلع بزته العسكرية أمام الجميع، مع بقاء المنظومة ذاتها في العمق. أما إذا نجح مشروع القوي المدنية في لملمة أطرافه وبسرعة، فإن الرباعية ستكون مضطرة – مهما حاولت ضبط الإيقاع – إلى التعامل مع واقع جديد يصنعه السودانيون في الشارع، لا في غرف التفاوض وحدها.
أمجد شرف الدين المكي
باحث في العلاقات الدولية – أمريكا
amgadss@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم