يُخطئ النظام إذا اعتقد بأن الثورة قد خمدت، فإذا كان الشعب قد وقف على رِجل واحدة لأكثر من عشرين سنة بسبب إعدام (28) ضابط قاتلوه بالسلاح (شهداء رمضان)، فإن الشعب سوف يقف – هذه المرة – على أمشاط قدميه حتى يتسنى له الثأر لدماء أبنائه وبناته الذين خرجوا يهتفون من أجله وينشدون له الحرية، فالدماء التي سالت أغلى من أن تذهب هدراً.
ليس معنى أن تهدأ الأحوال في منطقة من المناطق أن الثورة قد خمدت، فالتجربة تقول أن مثل هذه الأنظمة تستطيع – في البداية – أن تتغلب عن طريق البطش وقوة السلاح وبالقبض والاعتقالات، ففي مصر التي انتهت الثورة فيها بخروج (30) مليون مواطن للشارع، بدأت بأقل من العدد الذي يتظاهر اليوم في مدن السودان، وقد قام النظام المصري بمواجهة تلك المظاهرات بمثل القوة التي تستخدمها اليوم الإنقاذ إن لم يكن أكثر، فقد شاهدنا كيف كانت تقوم الشرطة المصرية بدهس المتظاهرين بالشاحنات العسكرية والمصفحات العسكرية، كما قامت باعتقال آلاف من المتظاهرين والناشطين السياسيين، وقد كان نظام مبارك يسخر من شباب الثورة ويهزأ من مقدرتهم على إحداث التغيير، فحينما سئل جمال مبارك خلال مؤتمر صحفي قام بعقده في بداية الأحداث عن رأيه في ثورة الشباب، أجاب صاحب السؤال وهو يبتسم في تهكم وسخرية : ” ده يردوا عليه بإيه؟” ثم إلتفت لأحد أعوانه الحاضرين وقال له “ما تجاوب عليه يا حسين” ثم ضجت القاعة بقهقهات المسئولين والصحفيين.
ثم جاءت اللحظة التي كان لا بد أن تقلب فيها الموازين، فقد “شبكت” نار الثورة، وخرج الشعب عن بكرة أبيه، وأصبح هو القوة التي تراجعت أمامها جحافل الشرطة بسلاحها ومدرعاتها، وصارت هي – الشرطة -التي “تهرول” أمام المتظاهرين طلباً للأمان، وأصبح الشعب يرفع الشاحنة العسكرية بأيديه ويقذف بها بعيداً ليفسح الطريق أمام سيل الثوار.
مثل هذه اللحظة هي التي ننتظرها، وهي آتية لا محالة، فلا ينبغي علينا اليأس من إنحسار الثورة هنا أو هناك، وقد وقفت على عمود بموقع سودانيزأونلاين يقول صاحبه “الآن وبعد أن فشلت الثورة .. فلنبحث عن الأسباب”، فمثل هذا الزعم يقال له “تقدير البلاء قبل وقوعه”، فالثورة لم تنحسر حتى نقيم لها ليالي المأتم، كما أن شبابنا الثوار يعرفون أين مكمن الضعف الذي يستقوي به عليهم النظام، وهو في مجمله لا يستحق مجرد الحديث عنه في مثل هذه الأيام، فلتتوجه أنظار الثوار صوب ما يمكّنهم تحقيق النصر.
ليس هناك سبب واحد يجعل الشعب يتراجع عن هذه الثورة، فكل يوم يمضي تزداد الأسباب التي تحمل الشعب على الخروج على هذا النظام، فقد سقط قناع النظام من الضربة الأولى، حين رأى الشعب كيف هرب رموز النظام وعائلاتهم من قصورهم واختبئوا مع الأهل والأصدقاء بالأحياء الشعبية، كما رأى كيف هرب كثير من لصوص النظام وأرسلوا أموالهم للخارج.
لقد كان الأمل، ولا يزال، أن تصحى كثير من الضمائر وتتخلى عن مساندتها للنظام، فلا يمكن ألاّ يكون هناك سفير واحد له ضمير من بين سفراء النظام حتى ينفض يديه ويعلن انسلاخه من النظام والانضمام للثورة، (أي راتب ومخصصات هذه التي تمنع من اتخاذ مثل هذا الموقف!!)، ومن شأن هذه الخطوة أن تلفت نظر العالم وتزيد من لهب الثورة، وقد فعلها من قبل سفيرنا البطل إبراهيم طه أيوب الذي أعلن انحيازه للشعب من موقعه كسفير للسودان بإيطاليا (ثورة أبريل 1985) وتخليه عن نظام النميري، وقد كان لموقفه أثر كبير في نجاح الثورة (أصبح وزيراً للخارجية في الفترة الإنتقالية).
في الجانب الآخر، وقفت على العار الذي لا يزال يتمرّغ فيه القضاء بعد أن استبشرنا الخير في رئيس القضاء الجديد (حالت هذه الأحداث دون قيامنا بنشر ما أعددناه حول القضاء في عهد “أبوسن”)، فالواضح أن رئيس القضاء السابق “جلال محمد عثمان” لا يزال يحكم القضاء بالآثار التي تركها ورائه، فأي قاضٍ له ضمير وأي عدالة التي تجعل من محكمة قانون تصدر أحكاماً تجمع بين السجن ستة أشهر والجلد (20 جلدة) والغرامة (مائة ألف جنيه) بتهمة الاشتراك في مظاهرة!! في الوقت الذي غاية ما يتفاخر به رموز هذا النظام أنهم كانوا في يوم من الأيام في طليعة المتظاهرين!!
لا يمكن أن تخمد الثورة بعد أن قدمت هذا السيل من الشهداء، وخرج من بين أبناء شعبها من ألهموا الشعب معاني البسالة والشجاعة مثل الصحفي الجسور حسن إسماعيل الذي أخرج كل ما في صدورنا بخطبه المتواترة، ومثل الإبنة سمر التي امتلكت من الشجاعة لأن تكشف عن اسمها ورسمها على مقطع شريط مصور فضحت فيه ما فعله بها النظام (تخضع سمر التي لا تزال تعاني من آثار التعذيب للمحاكمة الآن بتهمة “التصوير غير المشروع”).
قريباً سوف “تشبك” نار الثورة، وسوف يخرج الشعب السوداني كما خرج من قبل في أكتوبر وأبريل، وسوف يتحقق لشعبنا النصر، فلم يعد هناك ما يخشى عليه الشعب بعد كل ما فعلته به وتفعله اليوم هذه العصابة التالفة التي لا تريد أن تفيق لرشدها.
سيف الدولة حمدناالله
saifuldawlah@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم