نزار عثمان السمندل
من يملك حق تعريف الدولة بعد الحرب؟ المنتصر بالسلاح أم المجتمع الذي دفع ثمن الهلاك؟.
السياسة، لا يُطرح فيها السؤال ـ دائماً ـ بصيغته الحقيقية.
يُقال مثلاً، إن المطلوب هو إنهاء الحرب. ويُقال إن الأولوية هي الحفاظ على الدولة. ويُقال إن السودان لا يحتمل فراغاً جديداً. لكن خلف هذه العبارات جميعاً يختبئ سؤال آخر أكثر حساسية وأكثر خطورة:
هل يجري اليوم إعداد المشهد ليصبح عبد الفتاح البرهان رئيساً للسودان؟
ليس رئيساً لمجلس سيادة مؤقت، ولا قائداً للجيش في زمن الحرب، بل رئيساً تكتمل له شرعية سياسية يسعى إليها منذ سنوات، ويفتقدها منذ اللحظة التي انقلب فيها المسار الانتقالي في أكتوبر 2021.
هذا السؤال لم يعد مجرد هواجس تتداولها القوى المدنية. فالتطورات التي تجري على الأرض توحي بأن ثمة مساراً سياسياً يجري ترتيبه بعناية. حديث متكرر عن حوار وطني شامل. حكومة جديدة. ترتيبات انتقالية. انتخابات يجري التمهيد لها. خطاب سياسي يقدّم البرهان باعتباره عنوان الدولة وحارس وحدتها والضامن الوحيد لعدم سقوطها في قبضة التفكك والفوضى.
بهذي الطريقة يجري بناء الرواية.
الرجل الذي قاد المؤسسة العسكرية خلال أكثر الحروب دموية في تاريخ السودان الحديث، يُعاد تقديمه باعتباره الحل لا جزءاً من الأزمة، والمخرج لا أحد صناع المأزق.
تدفع بعض العواصم الإقليمية في هذا الاتجاه بقدر متفاوت من الحماسة. بعضها يرى أن الأولوية ليست الديمقراطية وإنما الاستقرار.
وبعضها لا يبحث عن انتقال مدني بقدر ما يبحث عن شريك يمكن التفاهم معه وإدارة الملفات الأمنية عبره.
وبعضها يخشى أن يؤدي أي انتقال ديمقراطي حقيقي إلى فتح دفاتر الحرب، وأسئلة التمويل، ومسؤوليات التدخلات الإقليمية التي أغرقت السودان في دمه.
لهذا يرفع شعار يبدو في ظاهره منطقياً: «لا توجد كتلة مدنية جاهزة لحكم السودان». وهي العبارة التي تتحول تدريجياً إلى مفتاح لتبرير كل شيء.
فإذا لم توجد كتلة مدنية جاهزة، يصبح الجنرال ضرورة.
وإذا كانت الحرب مستمرة، يصبح الجنرال ضرورة.
وإذا كان البحر الأحمر مهدداً، يصبح الجنرال ضرورة.
وإذا خيف من تمدد الدعم السريع، يصبح الجنرال ضرورة.
لكن تلك الرواية تعاني من ثغرة جوهرية.
فالبرهان نفسه ليس شخصية توافقية داخل السودان. قاعدته السياسية الحقيقية لا تقوم على إجماع وطني واسع، وإنما على تحالفات فرضتها الحرب. وأبرز مكونات هذا التحالف هي القوى المرتبطة بنظام الحركة الإسلامية القديم، التي وجدت في الحرب فرصة للعودة إلى المسرح بعد أن أطاح بها الشارع السوداني في ديسمبر.
هنا، إذن، يكمن جوهر الموضوع.
فما يُقدَّم باعتباره مشروعاً لإنقاذ الدولة، تنظر إليه قطاعات واسعة من السودانيين باعتباره محاولة لإعادة تدوير السلطة القديمة بأدوات جديدة.
لهذا جاءت التحذيرات المتكررة من القوى المدنية، وعلى رأسها تحالف «صمود»، الرافضة لتحويل الحوار الوطني أو الانتخابات المرتقبة إلى وسيلة لمنح الشرعية لطرف من أطراف الحرب.
فالسؤال بالنسبة لهذه القوى ليس متى تُجرى الانتخابات. السؤال هو: من يصمم الطريق إليها؟ ومن يملك السلطة والسلاح والمال والإعلام أثناء إجرائها؟ ومن يحدد قواعد اللعبة قبل أن تبدأ؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس انتصار طرف عسكري على طرف عسكري آخر. الأخطر هو أن تنتهي الحرب بينما تبقى أسبابها حية. أن يتوقف إطلاق النار بينما يستمر إنتاج النظام نفسه الذي قاد البلاد إلى الانهيار. أن يتحول السلام إلى مجرد محطة لإعادة توزيع السلطة بين حَمَلة السلاح.
لهذا تبدو معركة القوى المدنية اليوم مختلفة عن معارك الماضي.
إنها لا تخوض فقط معركة ضد الحرب، بل ضد محاولة تحويل نتائج الحرب إلى شرعية سياسية دائمة.
ولا تملك هذه القوى، في مواجهة هذا المسار، سوى سلاح واحد: الوحدة.
فكلما تفرقت القوى المدنية، أصبح من السهل تقديم البرهان باعتباره الخيار الوحيد.
وكلما توحدت حول مشروع مدني واضح، تراجعت حجة الفراغ التي يجري تسويقها في العواصم الإقليمية والدولية.
استناداً على ذلك، تبدو الدعوات إلى بناء جبهة مدنية واسعة مناهضة للحرب، أعلى من مجرد مبادرة سياسية. إنها محاولة لمنع صناعة رئيس من رماد الحرب، ومنع تحويل المأساة السودانية إلى جسر تعبر فوقه سلطة الأمر الواقع نحو شرعية لم يمنحها الشعب، بل صنعتها موازين السلاح وحسابات الإقليم.
عليه، لايعود الجنرال حلاً مؤقتاً لأزمة طارئة، بقدر ما يتحول تدريجياً إلى قدر سياسي وشرعية دائمة يُطلب من البلاد أن تتعايش معها.
