هوامش في دفتر الزبانية .. بقلم: جَمَال مُحمّد إبراهيْم

أقرب إلى القلب:

jamalim1@hotmail.com

( 1 )
يبدو أن التجريب المستدام، سبيلٌ ارتضيناه لإدارة أحوالنا والتماس الصواب عبر أفعالٍ متواترة، تترافق معها زلّات وأخطاء وكبوات، قبل الوصول المطمئن إلى محطات المؤسسية الرّاسخة،  وإلى رجحان كفّة ميزان التجريب على جادة الثبات.  
سعينا بعد شهور “نيفاشا” الطويلة، لصياغة دستور انتقالي ندير به أحوال البلاد، وضمّناه اتفاقات السلام هدياً بثوابت العقيدة وبالمباديء العامة للمواثيق الدولية التي تحفظ للانسان حقوقه وكرامته. ولقد جرى ضبط الحياة السياسية وفق هذا الدستور منذ إقراره واعتماده في عام 2005، وسرتْ مواده وقوانينه حتى وقوع الانفصال عام 2011، وهو أيضا عام انتهاء أجل الفترة الانتقالية. منطوق المادة 226 القرة (10) هو : (إذا جاءت نتيجة الاستفتاء حول تقرير المصير لصالح الانفصال فإن أبواب وفصول ومواد وفقرات وجداول هذا الدستور التي تنص على مؤسسات جنوب السودان وتمثيله وحقوقه والتزاماته تُعتبر ملغاة) .
كان على مؤسسات الدولة إذاً، بعد الانفصال أن تعيد صياغة دستور لبلادٍ تحوّلت طبيعتها القانونية وانقسمت إلى دولتين. آخر المفوضيات التي نصّت على إنشائها اتفاقيات “نيفاشا”، وكانت من ضمن مقررات الدستور الانتقالي لعام 2005م، هيَ مفوضية الإستفتاء. بعد الانفصال كان على السامر أن ينفضّ، وعلى المشرّع أن يُوكل لمؤسساته القانونية والعدلية مهمّة تعديل الدستور الإنتقالي بالغاء ما لم يعد سارياً منه بعد الانفصال وإدخال سِمات العهد الجديد، والذي ارتضَى البعضُ أنْ يُسمّيه عهد “الجمهورية الثانية”، إذ السودان الذي استقل عام 1956، هو غير سودان 2011 ، بعد أن انفصل جنوبه إلى دولة جديدة. هكذا أغفل أمرُ الدستور وَسدَر النظام القائم في تجريبٍ لإدارة البلاد بدستورٍ لم يهتم أحدٌ كثير اهتمام، إن كانت صلاحيته  انتقالية أم صلاحية نافدة.
( 2 )
غيرَ أنّ مثل هذه التوقّعات، جرَى اهمالها مثلما أهمِلَ الإعداد لتداعيات خيار الانفصال، وبقيتْ ملفاتُ الانفصال مُعلّقة لم يُحسم أمرها، وبينها أخطر الملفات مثل ملف قسمة ثروة النفط وملف ترسيم الحدود، وقضية العملة وقضايا الجنسية، وغيرها من الملفات. في تقديري أن “أهل البيت” في الخرطوم- برلماناً وحكومة- لم يلتفتوا إليها التفاتاً جاداً. مَضَى الحال وبقي على ما هو عليه ومدَّتْ التعقيدات أعناقها، ورقصتْ معها شياطين التفاصيل، فأودتْ بنا إلى جرفٍ هار. .
لم ترفع مقترحات لدستورٍ جديد، “مُدَغْمَس” أو غير ذلك. ولم يتم تدارسُ التغييرات المطلوب إحداثها على الدولة السلف وعلى الدولة الخلف. سال حبرٌ كثير يبيّن مخاطر وقوع انفصالٍ مستعجلٍ غير مدروسٍ بتعمّق، ولم تعدّ له الأطراف المعنية به، إعداداً يصون حقوق البشر المعنيين به ويحفظ كرامة المتأثرين به هنا أو هناك. وإلى ذلك رأينا أن الحياة السياسية لم تتوقّف، وإنْ رصدنا ما حلّ بالأوضاعِ الاقتصادية وقد تعثرت عثرات كبرى، برغم ما اقترح من برامج إصلاحية لا يسندها دستور محدّد المعالم، بيّن القسمات. تناسينا تماماً أننا كنا دولة كاملة لها خطة وصفناها أنها خطة “ربع قرنية”، فانتهينا نصف دولة وخطتنا “الربع قرنية” كما هيَ، بموجباتها ومقرّراتها ولم نختزلها إلى النصف بعد. ترى هل فكرنا بإهداء نصف هذه الخطة لأشقائنا الذين انفصلوا عنّا إلى دولةٍ خلف، فتكون مَكرمة “فكرية” لن تقلّ أهمية عن مكرمة  النفط الذي آل للدولة السودانية الجديدة في الجنوب، بما ارتضيناه عن طيب خاطر، وقبلناه لخاطر المجتمع الدولي، حتى لا تقصم الحرب ظهر السودان بنزاعات جديدة..!؟

( 3 )
عامَل “أهلُ البيت” الحاجة لدستورٍ يستجيب لمتطلبات مرحلة الانفصال الجديدة بسبهللية لا تليق. برلمان الخرطوم تنفّس الصعداء بعد خروج نوابِ الجنوب إلى انفصالهم، ولم يَقِلّ انشراحه بما وقع عن انشراح الجهاز التنفيذي بعد إعفاء وزراء الجنوب وخروج موظفيهم من الخدمة المدنية. في الخرطوم، صار الجهاز التشريعي بعد الانفصال، مُتماهياً غاية التماهي مع الجهاز التنفيذي للدولة، ولا أقول متناغماً، فالتناغم لا يناسب جهاز تشريعٍ عليه مهمّة متابعة تنفيذ تشريعاته، ومحاسبة منفّذيها إنْ خرجتْ عن الجادة . بلغ التماهي حدوداً صارَ معها  قرار التقشف الذي يقترحه وزير المالية، يحظى بتأييد منقطع النظير من نوّابٍ يقال إنهم يمثلون الشعب وقد جاءوا عبر انتخابات نزيهة، لا خجَّ فيها ولا تزوير. كان حريّاً بهؤلاءِ النوّاب الدفاع عن حقوقِ مواطنٍ قصمت ظهره قراراتُ الجهاز التنفيذي يطلقها وزير مالية  البلاد، والذي تمادى في الغي فاستغنى حتى عن رفع قرارات التقشف إلى البرلمان.
في المقابل كان على السلطة الرابعة- وقد ذهب البرلمان إلى غيبوبة- أن تقوم بمهمّة الجهاز التشريعي في التبصير بحقوق المواطن، هذا الخفيّ في نظر ممثليه، فكانت الصحافة هي المُدافِع عن حقه في الحياة الكريمة، حقه في التعبير عن رأيه، وسواهما من الحقوق المضاعة. وكما لكلِّ بذلٍ ثمن وجائزة، فقد دفع الصحفيون وبعضُ أهل الإعلام، فاتورة هذا التبصير، فكانوا هدفاً سهلاً  لزبانية لا يرحمون. ولأنّ البرلمان الحقيقي مثلته أغلب أقلام الصحافة، فإنك تسمع عن صحفيٍّ صادروا قلمه، وآخر صادروا بدنه وألقوا به في غياهب السجون، وصحيفة عوقبت بمصادرة كامل نسخها المطبوعة لمقالٍ لم ترضَ عنه عقول الزبانية. 
( 4 )
مضت المخادعة إلى أقصى مداها، ليرتّب سَدنة الإعلام مؤتمراً لكبير “أهل البيت”  وضعوا له خلفية ذات مغزى: المؤتمر الصحفي للأخ. . . . للمرّة الأولى لا تُذكر الألقاب ولا الوظائف، فصارت الدعوة للمؤتمر الصحفي مِن أخٍ إلى أخ، في تمرينٍ جديد لاصطناع حميمية مستحيلة، استحالة العنقاء والخلُّ الوفي. . ! وفيما كان الأخوان الإعلاميون والصحفيون يتابعون ذلك المؤتمر، كان سدنةٌ من نوعٍ آخر، غابوا عن متابعة المؤتمر الصحفي المذكور، يقومون بليلٍ حقيقي لا افتراضي، بتوزيع منشورات أسعار المحروقات الجديدة على محطات الوقود في الولاية- العاصمة، وفي بقية الولايات. كتبتْ صحفُ اليوم التالي عن المؤتمر الصحفي، ولكن فات عليها نشرُ الخبر الكارثي برفع الدعم عن المحروقات. تلك هي الشفافية الكذوبة في أبهى صورها، بل هي حيلة مفضوحة لم تنطلِ على أقلّ المواطنين فِطنة، ولا على أكثرهم طيبة وسذاجة.
( 5 )
قبل أن تُقدِم الحكومة على فرض سياستها التقشفية قاصِمة الظهر، ابتدعتْ سلوكاً  بدا في ظاهره مقبولاً محمودا ، لكنّهُ انطوى على اعترافٍ بضعفِ مؤسساته التي أنشأها أول مرّة. جرى تشاورٌ مُباشر مع تيارات وقوَى سياسية، فيها مَن والَى النظام  بقدر، ومنهم مَن عارضه جملة وتفصيلا. إنْ كانت المؤسسية قائمة وفعّالة ومؤثرة، فإنّ الجهاز التشريعي هو أنسب قناة للتشاور، وأصدق ماعون للشورى الحقيقية، وأوسع ساحة للتناصح. وإنْ عمَد الجهاز التنفيذي ومِن طرفِ أعلى قياداته، إلى تجاوزِ ذلك الجهاز، فهو اعترافٌ ضِمني مِن طرفِ هذه القيادات بانعدامِ فعاليته كمُمثلٍ حقيقي للشعب، وإقرارُ صريحٌ بضعفِ تأثيره على الشارع وتأثّره بنبضِ الرأي العام. إنّ المناورة بـ”شورى بديلة” خارج مؤسسات الشورى التي أنشأها النظام بيده، يعني بمنطقٍ صريحٍ أنّ تلك مؤسسة لا يُركن إليها ولا إلى شوراها. لن تعمل قيادة الجهاز التنفيذي على التشاور مع مَن يبصم على قراراتها قبل أن تُعرض عليه للمناقشة، ولن تكِنّ له احتراماً يُذكر. وكنّا نسمع في التجاربٍ الديمقراطية القليلة التي عشناها في عهودٍ مضت، عن قراراتٍ تقدم مقترحاتها للقراءة الأولى ثم الثانية، وتخضع عبر هذه القراءات لفحصٍ ولتمحيصٍ من طرفِ ممثلي الشعب قبلَ الإقرار، فأينَ هوَ ذلك الجهاز التشريعي الذي يُجري أموره على هذا النسق. . ؟
ولنا أن نرى في التوجّه نحو التيارات المُعارِضة، والتودّد الخجول إليها، اعترافاً بثقلها  السياسي، وتراجعاً خفيّاً عن محاولات إقصاءِ دورها في السّاحة، وإنْ سعَى الإعلامُ الرّسمي ليُحدّث عن لقاءاتٍ نسمع تارة بأنها شخصية، أو هيَ في إطار التواصل الأخوي والأسري. هل تكون تلك اللقاءات على نسقِ طريقتنا السودانية، تُباعِد بيننا الخلافاتُ الفكرية ولكن نتحاضن في سرادق الأفراح، ونقرأ الفاتحة على مَن فقدنا. . ؟ هل نراهن على الذاكرة الواهنة للشخصية السودانية،  فنتصافح  بالأكفّ  في تمرين العفو عما سلف. .؟ 
لن يكون ذلك سبيلاً صائباً إن أردنا أن نتبع مؤسسية نحترم ركائزها  ونلتزم بمنطلقاتها، فنبني وطناً مُستحقا. .

الخرطوم – 26 سبتمبر 2013
//////////

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً