واحدة بس يا طيرتك السما يا ودتك التوج! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي

الكلمة الواحدة قد تبدو هينة للغاية عند نطقها فهي تخرج من الفم بسرعة وسهولة ، لكنها ليست كذلك دائماً، وإذا تأملت الواقع فستذهلك قوة الكلمة الواحدة!
في القانون المدني ، هناك الكلمة الواحدة المنشئة للحقوق والالتزامات، كلمة “قبلت” من المشتري بعد سماع عرض البائع تنشيء عقد البيع وتستوجب دفع الثمن وتسليم المبيع! كلمة “أجزت” من مالك السيارة التي باعها فضولي بدون موافقة مالكها تجيز البيع ، بينما كلمة “رفضت” تبطل بيع الفضولي وتعدم الالتزامين المتقابلين! وهناك الكلمة الواحدة المنطوقة أو المكتوبة أو المصورة الكاذبة التي تنتشر كالنار في الهشيم عبر أجهزة الآيباد أو التاب أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي كأن تُذكر شركة ما ويٌقال إنها “أفلست” أو تُذكر إمرأة متزوجة ويُقال إنها “طُلقت” الأمر الذي يسبب ضرراً بالغاً للآخرين، هذه الكلمة الواحدة الضارة ليست دعابة مضحكة بل تشكل مخالفة مدنية وتستوجب التعويض عن الضرر وفقاً لقانون المسؤولية التقصيرية! في القانون الجنائي، هناك الكلمة المسيئة التي يُشكل مجرد نطقها جريمة السبّ أو القذف أو الكذب الضار وقد يُعاقب ناطقها بالسجن والغرامة ، والأخطر من ذلك ، هناك كثير من جرائم القتل الخطيرة التي تسببت فيها كلمة واحدة مستفزة ، إنها الكلمة القاتلة!
في الأحوال الشخصية ، هناك الكلمة الواحدة المعمرة والكلمة الواحدة المدمرة ، كلمة (قبلت) من الولي الشرعي عند تقديم عرض زواج تُنشيء عقد الزواج وتستوجب دفع المهر والدخول وتؤسس بيت الزوجية وبيت الأطفال بينما كلمة (طالق) من الزوج تهدم بيت الزوجية وتُوجب الفرقة بين الزوجين وتُشرد الأطفال الأبرياء! في مجال التعليم، ستذهلك قوة الكلمة الواحدة ، كلمة (ممتاز) من المعلم تدفع الطالب إلى التفوق وإخراج أفضل ما لديه بينما كلمة (بليد) تجعله ينكفي على ذاته ويُصاب بالاحباط وربما يترك المدرسة بسبب تلك الكلمة الواحدة المدمرة للثقة في النفس!
القرآن العظيم يخبرنا أن الكون وجميع المخلوقات البديعة قد خلقت بكلمة واحدة هي كلمة (كن) يقول الله سبحانه وتعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وهي كلمة إلهية أزلية بلا حرف ولا صوت منشئة لكل المخلوقات من العدم على غير مثال سابق! القرآن العظيم قسم الكلمة لنوعين: كلمة طيبة ، وكلمة خبيثة يقول الله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ *تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}، فالكلمة الطيبة فيها خيرات الثمر والظل والجمال ، أما الكلمة الخبيثة فهي جامعة لكل الشرور فلا ثمر ولا ظل ولا جمال لها لأنها مقلوعة من أصلها وساقطة!
لهذا يلزمنا أن نفهم جيداً أن الكلمة مسؤولية وأن المتكلم والكاتب مسؤول عنها وأن الانسان يملك الكلمة قبل أن ينطقها أو يكتبها ولكنها تملكه بعد أن ينطقها أو يكتبها وقد تترتب على الكلمة الواحدة أضرار كثيرة ومسؤوليات خطيرة علماً بأن ناطق أو كاتب الكلمة الكاذبة الضارة وناقلها ومروجها سواء في تحمل المسؤولية الدنيوية والأخروية! فلماذا لا نسارع لتطبيق حديث الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، الذي يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ؟ فمجرد نطق الكلمة الطيبة يجلب الخير للجميع ، ومجرد عدم نطق الكلمة الخبيثة يكفّ الشر عن الجميع!

كبسولة إيمانية (قانون الكلمة الواحدة)!

فيصل الدابي/المحامي

menfaszo1@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً