والغافِلُ من ظنَّ الأشياءَ هيَ الأشياء!!

 


 

علي يس
24 February, 2010

 

 

معادلات

 

 

        خطأ التصوُّر يقودُ – ضربة لازِب – إلى خطأ الرؤية ، وخطأ الرؤية مقدِّمةٌ موضوعيّة لخطأ الموقف ، وخطأ الموقِف أصلٌ أصيل لخطأ الإنفعال ، الذي يُثمِرُ خطأ الفعل ، و يُسفِرُ ، في غاياته القصوى عن سوءِ العواقب ..

        و من أعظم أخطاء التصوُّر الشائعة في أدبياتنا – والسياسية منها على وجه الخصوص – النظرُ إلى الولايات المُتَّحِدة ككيان أعظم ، مستقِل ، ومُبادر ، ثُمَّ النظرُ بذات العين إلى (إسرائيل) كدويلةٍ محدودةٍ بوضعها الجغرافي ، المتمثل في إرض فلسطين المحتلَّة ، وتابعةٍ للولايات المتحدة ، التي يرى الجميع أنها السند الأقوى والحامي الأعظم للكيان الصهيوني ..

        في الواقع ، يستطيع من يُمعِنُ التأمُّل ، ويُحسِنُ النظر إلى جُملة المشهد ، أن يكتشف أن مقلوب التصوُّر أعلاهُ هو الأقرب إلى العقل ، وذلك بعد أن نستبدل إسرائيل "الدويلة" بإسرائيل "الفكرة" ، فهذه الأخيرة هي التي صنعت الولايات المتحدة بشكلها الراهن وتوجهاتها المشهودة ، وهي التي تسهر على حماية الولايات المتحدة بصورتها هذه ، وهي التي تصنع مواقف الولايات المتحدة وسياساتها الداخلية والخارجية ، وهي صاحبة الكلمة الفصل في من يحكُم الولايات المتحدة "إسميَّاً" – أعني رئيس الدولة – وفي من يحكُمُها "فعليَّاً" ، وأعني بالأخير الشركات ذات النفوذ الصارخ داخل أوعية الحُكم هناك ، بما فيها وكالة المخابرات المركزية الأميريكية و ال"اف بي آي" ، والتي تختزل خطابها الكُلِّي في جُملة واحدة ، هي "مصلحة أمريكا"!!

        إحدى أهم نتائج الرؤية الواهمة المذكورة أعلاه – أعني قوامة الولايات المتحدة على نفسها وعلى إسرائيل – هي التصوُّرُ الشائعُ المألوف الذي أصبح من المسلَّمات السياسيّة ، القائلُ أنَّ سبب انحياز الولايات المتحدة ، الكامل، لإسرائيل ، ترتَّبَ على وجود ما أسموهُ بجماعة الضغط  اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية – أو "اللوبي اليهودي" – وقدراته الإستثنائية ، بفضل التنظيم والإحتشاد والتفاني ، على التأثير الفاعل في سياسات ومواقف وانحيازات الإدارة الأمريكية ، لصالح إسرائيل ، وضد أعدائها ، وهذا الوهمُ الكبير هُو ما جعل أصواتاً مسلمة وعربيّة مخلصة وصادقة ، ولكن حائرة ، ترتفع بالدعوة إلى الإقتداء باليهود ، واستثمار الوجود الإسلامي والعربي الكبير في الولايات المتحدة الأمريكية ، في تكوين قوة ضغط  مشابهة لما يمثله اللوبي اليهودي المزعوم ، وهؤلاءِ يستشهدون بالإحصائيات الدقيقة التي تؤكد أن الوجود المسلم والعربي في أمريكا يساوي أضعاف أضعاف الوجود اليهودي هناك ، وأنَّهُ لا ينقُص اللوبي الإسلامي والعربي في أمريكا – لكي يتفوق في تأثيره على اللوبي اليهودي – سوى بعض التنظيم والترتيب والتعبئة !!

        هذا ، وقد مضى بعض المخلصين من المسلمين والعرب هناك يحاولون إنزال هذه "التوصية" إلى أرض الواقع ، وإطلاق اللوبي الإسلامي في أمريكا ، وربما اكتشف القليل منهم – حتّى الآن – أن هذه المهمّة عبثٌ خالص ، يُشبه في كثير من الوجوه ، محاولات "أبو الدرداق" – تلك الدويبة المتّهمة بخطبة القمر وتحمُّل مهره – في تنظيف الأرض من القاذورات !!

        الأمر لا شأن له ، أصلاً ، بجماعات الضغط ، لأن دولة بالغة عاقلة ، مهما بلغ غباؤها ، لن تُسمِحَ لجماعة من الجماعات مهما عظم شأنُها ، أن تُخطِّطَ لها سياساتها ومواقفها ، ما لم تكُن تلك الدولة ، بالأساس ، تُضمِرُ اتخاذ تلك السياسات والمواقف ..

        أما الواقع ، فهُو أنَّ توجهات الإدارة الأمريكية – منذُ أن وُجدت إسرائيل – ظلّت هي توجُّهات إسرائيل (الفِكرة) تجاه إسرائيل (الدولة) .. يعني ، إسرائيل رُسمت وصُمِّمَت كفكرة مقدسة ، في أمريكا ، قبل أن تُرسَمَ كدولة على الأرض ، وظلَّت الفكرة ، وسوف تظلُّ لعقود طويلة ، أكثر رحابة وراديكالية من الدولة ، وأحرص على الوجود والإستمرار من الدولة ، ولكنّ فكرة إسرائيل ليست هي التي تُساند وتحمي "دولة" إسرائيل ، العكسُ هُو الصحيح ، فإسرائيل الدولة هي التي تحمي – في الواقع – إسرائيل الفكرة ، التي تُمثِّلُها الإدارة الأمريكية بتوجهاتها المعهودة ، بل تُمثلُها ، في الحقيقة ، الدولة "العُظمى" المسمّاة أمريكا .. الذين يظُنُّون أن وجود إسرائيل رهينٌ لوجود أمريكا ، يقلبون الحقيقة ، التي هي أن وجود أمريكا هو المرهون لوجود إسرائيل ، وحين تُدافِعُ أمريكا عن إسرائيل فإنها ، في الواقع ، تُدافِعُ عن وجودها أولاً وقبل كل شيء ..

        ينبغي ألاَّ  نظل أسرى التصوُّر الذي حمل الرئيس المصري الراحل أنور السادات على إيقاف حرب رمضان في اللحظات الحاسمة ، وإجهاض النصر ، حين توهَّمَ أنَّ استمرارهُ في الحرب وقضاءهُ على إسرائيل يعني مواجهة أمريكا !! لم يجد الرجُلُ حينها من يفتح بصيرتهُ على أن أمريكا التي يعرِف لن تظل باقية – ولو لدقيقة واحدة – بعد ذهاب إسرائيل !!

        ولهذا السبب ، تستطيع تفسير الرعب الذي مثلتهُ حماس للإدارة الأمريكية ، قبل أن تُمثِّلَهُ لإسرائيل ، و تستطيع أيضاً إدراك مبررات الجنون الذي تصاب به أمريكا قبل إسرائيل ، كلما مرَّ ذِكرٌ ل"حزب الله " ، ولن تحتاج إلى كبير تأمُّل في الإرتعاد الأمريكي من فكرة أن تمتلك إيران سلاحاً نوويّاً يُمكنه تهديد وجود إسرائيل .. وجود إسرائيل الذي يعني وجود أمريكا ، وليس العكس !!

        أمريكا تفهَمُ أن سِرَّ وُجودها وسِرَّ قُوَّتِها ، هو "إسرائيل" .. بقي علينا – نحنُ – أن نفهَمَ ذلك !! هل أبدُو مفهُوماً يا صاح؟؟؟

ali yasien [aliyasien@gmail.com]

 

آراء