وبكى الهلال ! …. بقلم: منى عبد الفتاح

كيف لا

moaney15@yahoo.com

 

 خمسة أيام انقضت على موت أحمد خالد.ذلك الطفل الصغير الذي حينما أراد أن يعبر عن عشقه للهلال برفع علمه فوق سقف منزله بمنطقة الكلاكلة عاجلته صعقة كهربائية أودت بحياته.

أتفكر أولاً في اللفتة الإنسانية من إدارة مجلس نادي الهلال بإقامته عزاءً بداره يواسي به أسرة أحمد وإذ ننحنِ إجلالاً لهذا الشعور الطيب فإننا نضع  في اعتبارنا أن الثقافة السودانية تلزم أفراد المجتمع كافة بالممارسة الصامتة للتعبير عن مشاعرهم وعواطفهم حزناً كان أوفرحاً وتمني.ومن هنا تبرز إشارة مضيئة تعكس هذا النوع من المواساة وإشراك الناس فيها وبها يكون قد ارتد إلينا إحساسنا بالأشياء النبيلة من حولنا.

  بهذا التعبير العميق على الوفاء لأحمد من قِبل إدارة النادي يكون قد منح الآخرين رسالة أن الوفاء لمشاعر المحبة أسمى من كل معنى آخر. فأحمد لم يلتحق بالنادي ولم يقدم له دعماً مادياً ولم يساهم في انجازاته الكروية. ولكن اعتبار أن الدعم المعنوي وكل هذا الحب من طفل صغير يستحق الوفاء هو في حد ذاته شعور نبيل يُقدّر للنادي .

 الطفل أحمد جاء ببينات للكبار، لغيره من الّذين لا يحبون ولا يثورون ولا يبكون ولا يموتون .رحل منهم عاشقاً يحمل في نظراته أنهاراً تجري في أحشاء الجمر المعذّب للطفولة السودانية. هذا وإن كان حظ أحمد أحسن من كثير من الأطفال حيث وفرت له أسرته الحق في ممارسة هوايته والتعبير عنها بينما أقرانه يفتشون في القمامات عن لقمة خبز ، أو ينتظرون حضور طبيب تمنّع عن المجيء إلى المستشفى بسبب عدم حصوله على راتبه ،أو هجر مثل كثيرين مقاعد الدراسة ليبحث عن عمل .

   فقد الإنسان عزيز وحينما ينشب الموت أظفاره في الأطفال يستدر هذا الفعل الألم والحقد معاً على هذا اللئيم الذي يغتال البراءة والطفولة .عندما يجيء ذكر موت طفل في السودان يتراءى إلي منظر الأطفال الذين تحملهم أمهاتهم يفترشون الشوارع تحت شمس السودان الحارقة ، تدوسهم أقدام المارة وعندما يتحركون تحتك بهم أجساد السيارات .وحالات كثيرة لتسول الأطفال عن طريق أمهاتهم أو بوقوفهم فرادى عند التقاطعات .وحالات أكثر لمشاكل الأطفال لم تبتديء بالمرض والفقر والجهل ولا تنتهي عند التسول.

 التفكر ثانية في أن العاصمة الخرطوم بما فيها كلاكلاتها وشجرتها وقلبها النابض، فهي تشهد في مثل هذا الوقت بالذات من كل عام انقطاع دائم للتيار الكهربائي وعلى مدى ساعات اليوم. فأي صدفة لعينة جعلت الهيئة القومية للكهرباء تتكرم بمد هذه المنطقة بالكهرباء في هذا التوقيت بالذات ليقضي تيار شؤمها على حياة طفل غرير.وإن كنا لا نعترض على القدَر فإن عدم اعتراضنا على أي سخط تتلقاه هيئة الكهرباء أكبر. وإن لم نكن لنرتضي أن يعيش السودان في ظلام دائم إلا أننا نظن أن براءة الطفل جعلته يأمن شر الكهرباء المقطوعة طوال اليوم فذهب لأداء مهمته مطمئناً.

 عاشق الموج الأزرق حدثنا عن معاني حبه لكرة القدم وأنه بموته رحل على متن سفينة نوح المبحرة بملايين أطفال السودان الّذين قضوا في ظروف مشابهة تخطفّهم الموت فجأة ،وفي ظروف أشد قسوة لم تستطع أجسادهم الطرية هزيمة الموت .إلا أن لموت أحمد أكثر من معنى فكأن رمزية رفعه للعلم تتوجه للموت في عزٍّ وسؤدد.

 بلا شك أحمد  ماض ٍ في طريق ِ الخلود .اعترضته صعقة كهربائية ، حملته إلى عالم لا حرّ فيه ولا برَد . ترك خلفه أطفالاً غارقين في وطن مليء بالأحلام ينادونها من تخوم الذهول .

عن صحيفة (الأحداث)

عن منى عبد الفتاح

شاهد أيضاً

الصحفي أمين حسن عمر وصويحبات يُوسف .. بقلم: منى عبد الفتاح

اترك تعليقاً