وراء فاس خلق كثير! .. بقلم: الدكتور الخضر هارون
يقول أهلنا في السودان كناية عن البعد السحيق، (فاس الما وراها ناس) فلعلهم حسبوها في غابر الزمان منقطع التراب وأقصي مبلغ السفن رغم أنها لا تقع علي ماء. وهذه الكناية تذكر بكنايات أخري من ذات القبيل فقد قال البروفسور عبد الله الطيب عن “برك الغماد” التي وردت في خطبة الصحابي الجليل المقداد بن عمرو حينما قال مؤازراً الرسول (ص) عن قومه الأنصار في غزوة بدر ، ” والله لو خضت بنا البحر إلي برك الغماد لخضناه معك!”، إن برك الغماد تلك لم تكن موضعاً بعينه رغم أن شراح ابن إسحاق أشاروا إلي كونها موضعاً باليمن، وإنما هي كناية من الكنايات الدالة علي البعد الشديد . قال هي أشبه بقولنا في العامية ” سقط لقط!” وتحضرني في هذا السياق عبارة ، ” واق الواق!” وهي فيما أظن من ذات المشكاة رغم أن بعض قدامي الجغرافيين العرب ظنوها موضعاً بزنجبار. (حدثني من لا أتهم أن الدكتور موسس مشار الذي أصبح لاحقاً نائباً لرئيس جمهورية السودان أكد له مستغرباً أن واق الواق تلك ليست بالبعد الذي تتصورونه، أضاف الدكتور الخلوق: واق الواق التي تعنون هي بلدتنا! ولعلها في الإستوائية. وشبيه ذلك بقولنا لمن شط به النوي أو لمن دعونا عليه بشتات الشمل : ذهب به إلي التونج! والتونج موضع بجنوب السودان!
جاء البشير مبشرا بقدومه فملئت من قول البشير سرورا
ثم تنوح آلة القانون كالباكية حتي لكأن زرياب يقفز من بين أوتارها التي أحسن صنعها يوم أن حمل عصا الترحال مدبرا الظهر لبغداد التي أحي لياليها بالطرب مع أستاذه الموصلي مقبلا علي الأرض البكر في قرطبة احدي عواصم الدنيا ذائعة الصيت يومئذ:
هنا يجن جنونك وتوقن يقينا لا يطرقه الشك ولا يتطرق إليه أنك في بلاط بني الأحمر في غرناطة أو في رصافة عبدالرحمن بين معاوية بن هشام(الداخل) في ضاحية قرطبة….فلا تعجب عندئذ كيف أضاعوا ذلك الملك العريض…..ولم يتخذوا التوسط في الأمور سبيلا…فتباكوا كالنساء ملكاً لم يحافظوا عليه كالرجال كما قالت تلك الشيخة الحصيفة رحمها الله….. وهل تدع الموشحات عقلاً للسياسة والكياسة والفطنة؟! اللهم لا!
ومشيت مثل الطفل خلف دليلتي وورائي التأريخ كوم….. رماد
ودارت أنفسنا سكري من هول الدهشة والغرابة. تري من نحن وفي أي زمان نكون…..؟ أحقاً روي النعمان عن ماء السماء؟ كيف يروي مالك عن أنس؟!!
طلبنا بعد ذلك من مرشدنا ، توفيق، أخذنا إلي مزارات فاس الأخرى فأخذنا إلي مسجد السيد أحمد التيجاني مؤسس الطريقة التيجانية. وبعد أداء الصلاة اتجهنا لمقام في وسط المسجد عرفنا أنه الضريح الذي يضم قبر الشيخ. وهنا تقدم منا أحد خدام الضريح لما علم أننا من السودان وفتح لنا باب الضريح فإذا هو شبيه بسائر الأضرحة في العالم الإسلامي يتمسح به أصحاب الحاجات ونسوة يطلبن الولد. والسيد أحمد التيجاني من مواليد قرية عين ماضي جنوب وهران في الجزائر ولا زالت عشيرته هناك. وكان قد ارتحل عن بلده الجزائر إثر خلاف مع حاكم منطقة وهران التركي في ذلك الزمان، ويقال إن أتباع الطريقة التيجانية يقاربون الخمسمائة مليون نفس أي قرابة نصف تعداد المسلمين علي امتداد المعمورة. اتجهنا بعد ذلك إلي مسجد الإدريسي وهو مسجد متوسط المساحة يضم ضريح الشيخ الإدريسي مؤسس الطريقة الإدريسية. ثم انطلقنا نسابق الزمن إلي جامع القرويين الذي يعتبر أول جامعة في العالم سبق جامعة بولونيا في إيطاليا( وفي تلك زخارف ورسومات هي الأجمل في العالم).أسست تلكم الجامعة شقيقتان من القيروان درّس فيه ابن خلدون وهو مسجد عظيم المساحة كان منارة من منارات العلم في زمانه وزمان المسلمين الزاهر. وانطلقنا إلي رواق الطلاب الذي يجاوره فوجدناه مغلقاً حيث صادف مجيؤنا وقت الغداء وأهل المغرب العربي يقيلون. ولعل التعب قد نال من مرافقنا توفيق فالتمس الحيل لإقناعنا بأن المكتبة العظيمة التي كان يرتادها ابن خلدون مغلقة أيضاً لكننا جادلناه ملحين عليه أن يأخذنا إليها فتدخل رجل كان يسترق السمع معنفاً صاحبنا علي كذبه: ” المكتبة ديما مفتوحة”. وتوقفت عند “ديما” فأنا حفي بالكلمات المشتركة في عاميتنا وعاميات العرب وموضع دراسة عندي أودعت بعضها كتابنا ” أشتات في العامية السودانية مجتمعات في الفصحي!” وتعلم احدي كريمتي بحفاوتي تلك فجاءتني متهللة يوما إذ سمعت من زميلة لها من المغرب تشكو أن صغيرها لا يأكل حتي ” نحنثوه” ونحنس عندنا بالسين ومن ذلك التحانيس! كذلك سمعت هناك كلمة “شمش” للشمس.
لا توجد تعليقات
