بسبب الحرب اللعينة العبثية المنسية التي دخلت كل بيت وآثار الدماء أمام كل باب نزحت أسرة من طرف المدينة الي قلبها وهي ترنو الي عدد من المنازل التي سبق أن تم نهبها وكانت أبوابها مفتوحة علي مصراعيها ولكن بمساعدة وعون وشهامة بعض أبناء هذا الحي العريق الجميل الذين عادوا لدورهم بعد أن هدأت الأحوال بعض الشيء ومنهم من لم يغادر الحي وتحملوا فوق طاقتهم وصمدوا رغم الدانات والمداهمات وانقطاع الماء والكهرباء ورغم محدودية الحركة وانعدام الحد الادنى من الضرورات ولكنهم لم ينسوا أسر جارة لهم وأخوة واخوات ساكنوهم في الحي وتقاسموا معهم الحلو والمر وصاروا معهم أكثر من اشقاء … هنا كان الواجب أن يحفظوا لأبناء حيهم الذين مازالوا في ارض النزوح واللجوء علي الاقل أن يتفقدوا بيوتهم ويرتبون مايمكن ترتيبه فيها ومن المهم جمع الاوراق الهامة والوثائق ووضعها في كيس محكم ريثما يتم تسليمها لأهلها عند العودة أو إرسالها لهم عند طلبهم في العنوان الذي يتم تحديده !!..
بواسطة هؤلاء الكرام النجباء تم تأمين المنزل من الداخل وإغلاق البوابة الخارجية بأحكام منعا لدخول المتسللين والسوائم والآفات من كل لون وجنس خاصة الكلاب والقطط الضالة والثعابين التي استهواها داخل الحيشان من نباتات تطاولت عشوائيا وصارت الساحة مثل الادغال والمعروف أن هذا الحي العريق مشهور بمياهه الجوفية التي ساهمت في انهيار كثير من المنازل وعجزت السلطات المختصة في العلاج ودرء الخطر الماحق الذي عاني منه السكان كثيرا وكالعادة لعدم وجود الجدية ومحدودية الإمكانيات وصرف الأموال الطائلة في الاحتفالات والصرف في ما لا لزوم له عاني أهل هذا الحي الامدرماني العريق بسبب الخطر وبسبب الميزانيات الضخمة التي يبذلونها في الصيانة عاما بعد عام !!..
نعود للاسرة النازحة من طرف المدينة ووصولها الي الحي العريق ولكن مازالت وهي في قمة الإجهاد بسبب وعثاء الرحلة وقلة الزاد والخوف من المجهول وهم يضربون أخماسا في أسداس يفترشون الأرض ويلتحفون السماء فإذا بالفرج يأتيهم من أحد أبناء الحي وهو من الفرقة التي قامت بتأمين البيوت نيابة عن أهلها الغائبين ويبدو أنه وربما أخذته الشفقة بتلك الأسرة النازحة وتصرف من تلقاء نفسه وفتح لهم الابواب ومكنهم من الدخول والتمدد في البيت في طوله وعرضه وهم لايكادوا إن يصدقوا بأن ليل السهر قد ولي وان وقت الراحة قد اطل عليهم عندما الفجر لاح … تحدث معهم من ادخلهم البيت دون مشورة أهله وافهمهم بأنه تصرف معهم رأفة بحالهم وأنه سيخطر ملاك المنزل بذلك ولكن هو مقيد بردة فعل أهل البيت وسينفذ طلبهم فورا إذا رفضوا هذا الأمر الذي تم وان طلب منهم مغادرة المنزل فورا يجب عليهم الخروج من غير إبطاء … ووافقت الأسرة النازحة علي هذا الشرط وقالت علي العين والراس وأنهم سيخلوا المكان مع الشكر والتقدير … وهذا ما يسمي بوقت التحمل !!..
لا أطيل عليكم الرجل الذي تصرف من جانب واحد واعطي ما لايملك لمن لا يستحق فعلا اتصل بالأسرة صاحبة العقار وشرح لهم الأمر وكان الخريف في بداياته فوافقت علي أن يظل القادمون كضيوف فقط في فترة الخريف علي الاقل للمحافظة علي البيت في هذا الموسم حيث يمكنهم في المساعدة في تصريف مياه الأمطار وصيانة الحيطان والاسقف اولا بأول مخافة من أن يستفحل الأمر ويصعب الترميم علي المرمم !!..
وانتهي الخريف وطلبوا منهم أن يغادروا علي حسب الاتفاق وهنا استمراوا التمكن واحتلال أملاك الغير وقالوا إن ابنهم سوف يتزوج في شهر يونيو القادم أي بعد ثلاثة أشهر والقصد أنهم يريدون مهلة ثلاثة أشهر للمفادرة واردفوا قائلين: ( وبعد داك نشوف نطلع أو ما نطلع ) !!..
هنا فترة التحمل بدأت في التلاشي وقد ابدلوا جلد الحمل بجلد المرفعين وقد تصوروا أن المنزل يخصهم كورثة جاءتهم من آبائهم الغر الميامين !!..
وضح إن فترة التحمل قد ولت الي غير رجعة وحانت لحظات الأداء أي ارجاع الحقوق لأهلها ولكن هيهات حتي عندما طلب منهم أن يدفعوا ايجار تعللوا بأنهم فقراء ولايكادوا يملكون قوت يومهم ولن يغادروا المكان ولا توجد قوة في الأرض تستطيع أن تجبرهم علي الرحيل … ويبدو أنهم قد وضعوا أيديهم علي اوراق البيت وشهادة البحث التي لم تحملها الاسرة صاحبة المنزل معها وهم يغادرون أرضهم في عجل بحثا عن النجاة …
وحانت لحظة الأداء ورد الحقوق الي أهلها وقد كانت اوراق المنزل الثبوتية التي وقعت في أيديهم غنيمة باردة كانت هي ورقة الضغط وقالوا بالفم المليان طبعا عن طريق الذي ادخلهم البيت :
( أثبتوا لنا أن البيت بيتكم وسنخليه لكم علي الفور ) !!..
وبمبدا اعقلها وتوكل شرعت الأسرة المالكة للمنزل في اتخاذ الإجراءات القانونية رغم أن الطرف المعتدي يملك الاوراق التي وجدها بالمنزل ولا يعلم هذا الطرف المعتدي ومهما كانت نتيجة لؤمه وسوء طبعه فإن تصرفه هذا يدخله في دائرة الحرام وحتي لو باع المنزل باغلي الأثمان فسوف تكون عليه هذه الأموال الطائلة التي أخذها ظلما وعدوانا ستكون عليه حسرة وندامة !!..
والرسالة لكل من تملك شيئا من غير وجه حق فإنه لن يستفيد منه بل سيكون عليه لعنة وسوء منقلب في المال والأهل والولد وبالمناسبة فإن هذه الأسرة النازحة ظلت تقيم ومازالت في المنزل الذي تملكته بوضع اليد وظلما وعدوانا وقد دخلت في العام الثالث وهي ممدة في طول المنزل وعرضه دون أي وخز من ضمير أو شعور بالذنب !!..
إنها الحرب يابني اختلطت فيها الموازين والأخلاق خرجت ولم تعود !!..
حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
معلم مخضرم .
ghamedalneil@gmail.com
