بسم الله الرحمن الرحيم
“ولا تعاونوا على الاثم والعدوان”*
أ.د. احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
جريا على عادتها في مناكفة الاسلاميين او” الكيزان!!!”، كتبت الصحفية رشا عوض مقالا بعنوان:” ما معنى حكم اسلامي؟ وما معنى تطبيق الشريعة الاسلامية في السودان ” ،وكما عبرت زميلتها- بثينة تروس -فهو مقال صادم و ذكي، وجهت فيه اسئلة للمسلمين عموما وطلبت من الكيزان ان يردوا عليها.واعقبتها بثينة الجمهورية ،بمقالة مناصرة ، بعنوان: “أسئلة رشا عوض أولى بها المدنيون قبل الإخوان المسلمين”، اشادت فيها بالمقال ،وحاولت ان تسنده باراء من الفكر الجمهوري .فرايت اختصارا لوقت القاريء ان اجمع المقالين في برنامج واحد وارد عليهما ،بمقال اتخذت من الشطر الاخير للاية القرأنية” وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) ،عنوانا له ، ،لان الكاتبتين شنتا هجوما غير مبرر على الاسلاميين ووصفتهم بصفات اعتبرها تعدياً عليهم ،اما ما ورد في مضمون المقالين، فحسابهما عليه عند الله،ولا نملك الا ان نسال الله لهما الهداية وحسن البصيرة .
)أولا:)
وقد استهلت الاستاذة رشا مقالها بالتساؤل عن معنى الحكم الاسلامي،وماذا تكون الاجابة اذا كان السؤال عن كيفية تداول السلطة في الشريعة الاسلامية.وذهبت الى انه اذا تلمسنا الاجابة من التجارب التي مر بها المسلمون منذ سقيفة بني ساعدة،مرورا بتاريخ التجارب الاسلامية،الى فترة الخليفة معاوية، نجد ان هذه كلها تجارب بشرية حاول بها المسلمون في تلك الازمان حل مشكلة تولي السلطة وكيفية تداولها، ومتى يجب ان يتنحى من هو في السلطة!. وكانت تلك التجارب متسقة مع عصر الامبراطوريات،والاختلاف بينها يعود الى مدى التقيد بقيم الاسلام وتعاليمه في نشر العدل واقامة الشوري بين الناس،ولم يدعي احد من الناس انذاك انه يقيم دولة اسلامية لان تصور الدولة لم يمكن في تصور المسلمين. واستنكرت الكاتبة ان يدعي او يزعم (المحتالون)، وتقصد بهم الاسلاميين!!!، ان في الاسلام نظاما سياسيا بينما اهم قضية في النظم السياسية وهي كيفية تولي السلطة وكيفية تداولها ومتى يجب ان يتنحى من هو في السلطة،لم تحسمها المصادر الاسلامية .ولم تاتي الكاتبة بجديد، بل هو اعتراض طرحه بعض المسلمين المعاصرين، الذين لم يغب عنهم أن أي نظام سياسي مكتمل لا بد أن يجيب بوضوح عن أسئلة أساسية مثل:كيف يصل الحاكم إلى السلطة؟ ومن يحق له اختيار الحاكم؟ وما مدة بقائه في الحكم؟ ،كيف يُعزل إذا أخطأ؟ وكيف يتم تداول السلطة سلمياً؟ وما حدود سلطاته؟ ويقر هؤلاء إن النصوص الإسلامية لم تقدم إجابات تفصيلية وحاسمة لهذه القضايا، ولذلك يصعب الحديث عن “نظام سياسي إسلامي” الذي تقرره الأنظمة السياسية الحديثة. ويستند هؤلاءإلى تاريخ الخلفاء الأوائل واختلاف طرق انتقال السلطة في تجاربهم :فأبو بكر الصديق اختير في السقيفة،و عمر بن الخطاب عُيّن بترشيح من أبي بكر،و عثمان بن عفان اختير عبر مجلس شورى محدود،و علي بن أبي طالب بويع في ظروف سياسية مختلفة. ثم تحولت الخلافة لاحقاً إلى نظام وراثي في عهد معاوية بن أبي سفيان وما بعده.وقد استنتج هؤلاء ان هذا التنوع في اساليب تعيين الولاة ، وأن الإسلام لم يفرض نموذجاً سياسياً واحداً ملزماً،لكي يفسح للعقل الاجتهاد والوصول الى صيغة معينة في نظام الحكم حسب الزمان والمكان الذي تعرض فيه هذه القضية.
وكثير ممن ينكرون وجود نظام سياسي في الاسلام ،يقرون بوجود قيم سياسية في الإسلام، وانما يتوجه انكارهم الى أن الإسلام لم يقدم نظاماً سياسياً مكتمل البنية يحسم قضايا تداول السلطة، ومدة الحكم، وآليات العزل، والفصل بين السلطات، وغيرها من المسائل التي تعد اليوم من أساسيات النظرية الدستورية الحديثة.واحسب ان الاسلام ترك هذه المساحة للعقل البشري-كما ذكرنا- ليقرر اي الاليات تختار،وفقا لاحوال المجتمعات .وفي هذا العصر الذي تطورت فيه النظم السياسية يمكن للمسلمين ان يستفيدوا من التجارب الانسانية ويصيغوا نظاما يتلاءم مع مجتمعاتهم ويتوافق مع القيم الاسلامية.
وذهبت الاستاذة رشا الى انه لا توجد دولة اسلامية،وهذا صحيح لان المسلمين كما ذكرنا لم يقيموا دولة بالمعنى الاصطلاحي المعاصر، لان الدولة لم تظهر الا في العصور المتاخرة ،ولكن المسلمين اقاموا مجتمعات ودول تحكمها قيم الاسلام وتعاليمه بصرف النظر عن مسمياتها.
ومضت الكاتبة الى القول بان” الشريعة الاسلامية” مصطلح بشري لا ذكر له بهذه العبارة ( الشريعة الاسلامية)، في القرآن الكريم، وان مجموعة الاحكام التي يطلق عليها الشريعة هي اجتهادات فقهية مرتبطة بسياقات زمانية ومكانية ، وان كثيرا منها لا يصلح للتطبيق الان ، وضربت امثلة للاحكام التي لا تصلح تطبيقها: فقه المغازي والغنائم والسبي وتجارة الرقيق والجزية واحكام اهل الذمة في عالم اليوم.
وهذا القول يحتاج إلى تدقيق.فإذا كان المقصود أن لفظ “الشريعة” بصيغته المعروفة اليوم لم يرد كثيرًا في القرآن فهذا صحيح؛ لكن ورد لفظ “شريعة” مرة واحدة فقط في قوله تعالى:﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ الجاثية: 18 ،كما وردت الكلمة بصيغة قريبة هي: “شرعة” في قوله تعالى:﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ المائدة: 48 .إذن من الناحية اللغوية، الجذر (شرع)،حاضر في القرآن، ولفظا شريعة وشرعة موجودان بالفعل ،ومن ثم فإن القول: ان “كلمة الشريعة لم ترد في القرآن” غير صحيح من حيث اللفظ، لأنها وردت فعلًا في آية الجاثية ووردت “شرعة” في آية المائدة.
(اما القول بان كثيرا من احكام الشريعة لا يصلح للتطبيق الان،فهذا قول فيه نظر،ويعتمد على المراد بعدم صلاحية تلك الاحكام للتطبيق . ومن المعلوم أن الشريعة هي المنظومة العامة من الأحكام والقيم والمبادئ التي تنظّم علاقة الإنسان بالله، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بالآخرين والمجتمع. وهي أوسع من مجرد القوانين والعقوبات، إذ تشمل العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات والأسرة والسياسة والاقتصاد وغيرها. و لاخلاف في أن جزءًا كبيرًا من “الشريعة المطبقة تاريخيًا” ،هو فقه بشري اجتهادي، وليس نصوصًا قطعية ، أما الأمثلة التي ذكرتها، كأحكام السبي والرق نشأت في عالم كانت العبودية فيه نظامًا عالميًا تشارك فيه جميع الحضارات تقريبًا، واليوم اختفى هذا النظام قانونيًا وأصبحت المواثيق الدولية تجرّم الرق، ولذلك يرى كثير من الفقهاء والمفكرين المعاصرين أن هذه الأحكام فقدت محلها العملي بزوال النظام الذي كانت تتعامل معه،وان فقه الغنائم ارتبط بحروب ما قبل الدولة الحديثة، حيث لم تكن هناك جيوش وطنية أو قوانين دولية للحرب. أما اليوم فالعلاقات الدولية وقوانين النزاعات المسلحة مختلفة جذريًا،وان الجزية وأحكام أهل الذمة نشأت في إطار الدولة الإمبراطورية القديمة التي كانت تميز قانونيًا بين الجماعات الدينية. أما الدولة الحديثة فتقوم غالبًا على مبدأ المواطنة المتساوية. لذلك يرى عدد من المفكرين المسلمين أن أحكام الذمة كانت تنظيمًا تاريخيًا لعلاقات معينة وليست النموذج الوحيد الممكن للعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، ولا احد يقول بإلغائها، بل بعدم تحقق ظروف تطبيقها حاليًا.لذلك فالجدل الحقيقي ليس حول نصوص القرآن نفسه، بل حول الأحكام المتعلقة بالحرب والعلاقات السياسية والرق والجزية،هل هي مقاصد دائمة بذاتها، أم أنها وسائل تاريخية لتحقيق مقاصد أوسع كالعدل والأمن وتنظيم المجتمع؟ .فهناك من ىيميل إلى اعتبار هذه الأحكام تشريعات باقية من حيث الأصل، بينما يميل آخرون إلى اعتبار كثير منها حلولًا تاريخية ارتبطت بظروف عصر معين، بينما المقاصد العامة هي الباقية. ومن الناحية التاريخية، فإن معظم ما يُعرف اليوم بالشريعة في أذهان الناس هو نتاج قرون من الاجتهاد الفقهي الذي تشكل في ظل دول مثل الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة العثمانية، أي في سياقات سياسية واجتماعية مختلفة جذريًا عن عالم الدولة الوطنية الحديثة. لهذا السبب أصبح السؤال المطروح بقوة في الفكر الإسلامي المعاصر: هل المطلوب إعادة تطبيق الأحكام الفقهية كما صيغت خلال التاريخ ، أم إعادة الاجتهاد انطلاقًا من النصوص والمقاصد لمواجهة واقع جديد؟ وهذا هو جوهر الخلاف بين التيارات الإسلامية التقليدية والإصلاحية في العصر الحديث.
فالمشكلة الحقيقية ليست في القول بأن هذه الأحكام كانت جزءًا من التراث الفقهي الإسلامي، بل في كيفية فهم طبيعتها:هل هي أحكام أبدية صالحة للتطبيق بنفس الصورة في كل زمان ومكان؟ أم أنها أحكام نزلت لمعالجة واقع تاريخي معين، بينما تبقى مقاصدها وقيمها العامة هي المستمرة؟ ومن الناحية العملية، فإن معظم الدول ذات الأغلبية المسلمة اليوم لا تطبق نظام السبي أو الرق أو وضع أهل الذمة التاريخي، وتعتمد بدلًا من ذلك نظم المواطنة الحديثة والقوانين الدولية، مع استمرار الخلاف الفكري حول التفسير الشرعي لهذا التحول. ومن ثم لاسبيل الى القول بان الشريعة لا تصلح لهذا العصر على اجمالها،وعلى الاسلاميين ان يراجعوا انفسهم وينظروا الى الاخرين بنظرة ايجابية .ومراجعة تجربتهم، ويستدركوا ما وقعوا فيه من اخطاء،وعلى خصوم الاسلاميين ان ينظروا الى ما قام به الاسلاميون بانهم بشر يصيبون ويخطئون ويعملوا على وضع مشروع يستفيد من القيم الاسلامية والتجارب الانسانية المختلفة.
( ثانيا)
اما الكاتبة بثينة تروس،فقد وصفت الاسلاميين كصاحبتها رشا بانهم محتالين سياسيين،وهو وصف فيه من التعدي ما لايليق ايراده في منبر للحوار البناء.ومضت في غيها فاعتبرت المطالبة بالدستور الاسلامي جريمة اشتركت فيها الاحزاب الطائفية مع الاسلاميين، ،وانهم جميعا انصاعوا لدعوة الترابي ان نظام الحكم الصالح الوحيد هو الدستور الاسلامي،وانتهت الى ان الشريعة الاسلامية لا يوجد فيها دستور.واذا رجعنا الى كلمة دستور نجد انها تشير الى وثيقة أو مجموعة القواعد الأساسية التي تحدد شكل الدولة، وتوزيع السلطات، وحقوق المواطنين، وآليات الحكم، وكيفية سن القوانين وتعديلها.فًيحدد الدستور:من يملك السلطة التنفيذية،و كيفية اختيار الحاكم أو الرئيس،و صلاحيات البرلمان والقضاء،و حقوق الأفراد وحرياتهم،وطريقة تعديل القوانين الأساسية.
اذا قصدت الكاتبة أن الإسلام لم يأتِ بوثيقة دستورية بالمعنى الحديث المعروف اليوم فهذا صحيح ،ولكن ينبغي ان تعلم ان القرآن والسنة تضمنا مبادئ عامة مثل:العدل،والشورى والمساواة أمام القضاء،و الوفاء بالعقود،و حفظ الحقوق، لكن لم يرد فيهما نص يحدد بصورة تفصيلية:شكل الدولة،و عدد السلطات واختصاصاتها،و طريقة انتخاب الحاكم في كل زمان ومدة الحكم،و شكل البرلمان. وقد اختلف المسلمون منذ وفاة الرسول حول طريقة اختيار الخليفة، وظهرت نماذج متعددة للحكم عبر التاريخ. يمكن أن تُستمد منها دساتير مختلفة بحسب الزمان والمكان.فالشريعة تضع المبادئ الكبرى:العدل. الشورى،وحفظ الدين والنفس والمال والعقل والكرامة،و أما التفاصيل الدستورية فتُترك لاجتهاد الناس. لذلك فإن عبارة “لا يوجد دستور في الشريعة الإسلامية” لا تعني عدم وجود مبادئ سياسية في الإسلام، بل تعني أن النصوص الإسلامية لا تحتوي على وثيقة دستورية مفصلة وشاملة بالمعنى الذي تعرفه الدول الحديثة اليوم… وان العبارة لا تعني عدم وجود مبادئ سياسية في الإسلام، بل تعني أن النصوص الإسلامية لا تحتوي على وثيقة دستورية مفصلة وشاملة بالمعنى الذي تعرفه الدول الحديثة اليوم.
والجمهورون-ومنهم الكاتبة- يؤمنون بما جاء به زعيمهم ودعوته لرسالة ثانية تحل محل الرسالة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم ،وكتب في هذا السياق كتابه المشهور( الاسلام برسالته الاولى لا يصلح لانسانية القرن العشرين) ، وان الرسالة التي جاء بها محمد صلحت للقرن السابع الميلادي ، وتلميذته تردد في مقالها ما ذهب اليه استاذها، وان ما جاء فيها من تقرير قوامة الرجل على المرأة ،والميراث ،والحجاب والطلاق الذي ورد في الشريعة الاسلامية، تجاوزها الزمان،-كما يزعمون. وانطلاقا من ذلك الفهم ،اثاروا العديد من القضايا حول المرأة ،تتضمن بطريقة غير مباشرة إتهام الإسلام في رسالته الأولى بأنَّه جاء بتعاليم فيها ظلم للمرأة، ومن تلك المسائل التي أثيرت واعتبرها “الجمهوريون”، والليبراليون والعلمانيون ، بأنها تحط من قدر المرأة، وتقلل من مكانتها ،وتصادر بعض حقوقها: قضية القوامة التي جعلها الإسلام للرجل دون المرأة ،والميراث الذي جعل الإسلام نصيب الرجل فيه ضعف نصيب المرأة،والدية التي جعل الإسلام دية المرأة نصف دية الرجل،وشهادة المرأة،التي جعلها الإسلام تعدل نصف شهادة الرجل.هذا فضلاً عن القضايا المتعلقة بالطلاق وتعدد الزوجات.واضافة الى تلك التيارات التي تنطلق في مواقفها من رأي مسبق عن الاسلام ،او جهل به ،ظهرت بعض الحركات النسوية التي جارت تلك التيارات الفكرية،ورفعت شعارات تطالب بتجاوز قوانين الأحوال الشخصية ،ورفع التمييز ضد المرأة ،و تبني اتفاقية “سيدوا “،وقبول كل ما جاء فيها، الى غير ذلك من شعارات . ويلاحظ بان معظم المقالات المنشورة على صفحات سودانايل ،والتي كتبها جمهوريون ،او علمانيون لبيراليون بمختلف توجهاتهم تصب في هذا المسار ،من غير نظر الى ما جاء به الإسلام من تعاليم ،وموقفه من قضايا المرأة.
وذهبت الكاتبة الى أن الشورى، ليست ملزمة للحاكم: وحقيقة فإن مسالة الشورى وهل هي ملزمة ام معلمة موضع جدل بين فقهاء المسلمين،ويبدوا ان الكاتبة اختارت الراي الذي فيه اضعاف لمؤسسة الشورى،على كل ذهب بعض الفهاء الى ان الحاكم يستشير أهل الخبرة والعلم، ثم يتخذ القرار الذي يراه.واستندوا إلى أمور منها:قوله تعالى:﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ (آل عمران: 159، فالاية في راي بعض المفسرين جعلت العزم النهائي للنبي ﷺ بعد المشاورة، مما يدل على أن القرار الأخير بيده،وأن النبي ﷺ كان يستشير أصحابه، لكنه لم يكن دائماً يأخذ برأي الأكثرية، كما في بعض الوقائع السياسية والعسكرية،و أن الخليفة في التصور الفقهي التقليدي مسؤول أمام الله عن قراره، ولذلك لا يجوز له أن يتخلى عن اجتهاده لمجرد رأي الأغلبية إذا رأى أن الصواب خلافه. بينما ذهب اخرون الى ان لشورى وسيلة لاكتشاف المصلحة،و الحاكم هو صاحب الولاية الشرعية والمسؤولية النهائية،و أهل الشورى يقدمون الرأي والمشورة، لكن القرار النهائي يعود لولي الأمر. وهذا التصور تأثر أيضاً بالواقع التاريخي للدول الإسلامية، حيث كانت السلطة التنفيذية مركزة في الخليفة أو السلطان.بينما رأي آخرون من العلماء والمفكرين المعاصرين، وبعض المتقدمين في مسائل معينة، إلى أن الشورى يجب أن تكون ملزمة، خصوصاً في الشؤون العامة.واستدلوا بـ:قوله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ (الشورى: 38)، حيث يفهمون أن تدبير الشأن العام لا ينفرد به شخص واحد. وأن الاستبداد يناقض مقاصد الشورى،وأن الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على اجتهاد فرد واحد، بل على مؤسسات تمثل الأمة. ومن هؤلاء مفكرون مثل محمد رشيد رضا وعبد الرزاق السنهوري وغيرهما ممن رأوا إمكانية تطوير مفهوم الشورى ليقترب من النظم الدستورية المعاصرة.فعند التأمل في التراث نجد أن الخلاف الحقيقي ليس حول مبدأ الشورى، فالجميع تقريباً يقر بأهميتها، وإنما حول سؤالين:من هم أهل الشورى؟ هل رأيهم ملزم للحاكم أم استشاري فقط؟ ولذلك يرى بعض الباحثين المعاصرين أن القول بعدم إلزام الشورى كان منسجماً مع طبيعة الدولة السلطانية القديمة، بينما يقتضي مفهوم الدولة الدستورية الحديثة جعل القرارات العامة خاضعة لمؤسسات تمثيلية ورقابية ملزمة. اذن القول المشهور في جزء كبير من الفقه السياسي التقليدي أن الشورى غير ملزمة للحاكم، وعلة ذلك أن الولاية والمسؤولية النهائية تقع عليه. لكن هناك اتجاهاً قديماً محدوداً ومعاصراً واسعاً يرى أن الشورى ملزمة أو ينبغي أن تكون ملزمة لمنع الاستبداد وتحقيق مشاركة الأمة في الحكم،واذا اراد المسلمون ان يقيموا دولة ونظاما شوريا حقيقة عليهم تبني هذا الراي الاخير،ويظلوا في اطار النظام السياسي الاسلامي.
اما طاعة ولي الامر كما صورتها الكاتبة واما اوردته من نصوص توجب ذلك ،فهي فكرة أساسية عند من عرفوا بالجامية، الذين ذهبوا الى أن:طاعة وليّ الأمر واجبة على كل حال، سواء كان عادلاً أو فاسقًا،والزموا بتحريم الخروج على الحاكم مطلقًا، حتى لو ظلم أو ارتكب بعض المعاصي،وتحريم الاعتراض على الحاكم علنًا، ويعدّون ذلك خروجًا وتثويرًا للناس.والنصيحة للحاكم لا تكون إلا سرًّا.وقد تبعهم في ذلك بعض علماء السلطان ممن سموا انفسهم بالسلفية والسلف منهم براء..والجامية يستدلون بنصوص عامة في طاعة السلطان، أبرزها: قول النبي ﷺ:” اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»،وهو حديث فيه خلاف، وقد ضعّف بعض طرق روايته محققون كالألباني،ومنها حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: “تسمع وتطيع للأمير، وإن أُخذ مالك وجُلد ظهرك» ،وهو أيضًا يدور جدل حول صحته وسياقه،وقول النبي ﷺ عن أئمة الجور: “يصلون لكم فإن أصابوا فلكم وإن أخطئوا فلكم وعليهم” أي: ما داموا يصلّون،ويستشهدون بقول ابن عباس: “اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبدٌ حبشي، كأن رأسه زبيبة»،وهذا قول في طاعة الإمام الشرعي لا الطاغية المتغلّب. وقد لقي تيار الجامية التيار رواجًا ودعماً رسمياً من بعض الدول، لحاجة السلطة في تلك البلدان لخطاب ديني،يجرّم الاحتجاج ،ويقدّس الاستقرا، اضافة الى خوف الناس من الفوضى بعد تجارب دامية ،وضعف الثقافة السياسية الشرعية لدى العامة .فالجامية/المدخلية: لم تكن مجرد تيار عقدي بل وظيفة سياسية بغطاء ديني أسهمت في:إعادة إنتاج الاستبداد وتجفيف روح المقاومة الأخلاقية، وتفريغ الدين من بعده التحرري. ويمثل هذا التيار التحول الأخطر من فقه الصبر إلى فقه التبرير،ويمكن وصفه بأنه اداة لإنتاج العبودية الطوعية.وبهذه المواقف المخزية الغت الجامية عملياً كل مفهوم للمحاسبة السياسية الموجودة في تاريخ الإسلام ،والتي بينها وطبقها ابوبكر وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم في العديد من اقوالهم ،كما تلغي كل ما ورد في فقه السياسة الشرعية ،وكتب الأحكام السلطانية،حول التعامل مع الحكام.
وعلى كل فإن العلاقة بين الحاكم والرعية في المنظور الإسلامي علاقة تعاقدٍ أخلاقي وشرعي، لا علاقة تفويضٍ مطلق ولا قداسة سياسية، وهي تقوم على جملة من المبادئ المؤسسة التي توازن بين السلطة والمسؤولية، والطاعة والرقابة، والحق والواجب. فالسيادة للشرع لا للأشخاص ، والحاكم وكيلٌ عن الأمة، وليس مالكًا لها،و.السلطة أمانة لا امتيازًا ،وهذا يتقاطع مع فكرة الحق الإلهي للحاكم، ويؤسس لفكرة المساءلة.فالحاكم مكلّف لا متسلّط، ومن أبرز واجباته:إقامة العدل ،وحفظ الحقوق والمصالح العامة :الدين، والنفس، والمال، والعقل، والكرامة.والعمل بالشورى ،وعدم الاستئثار أو الاستبداد ،وهو في النهاية محكوم بالشرع والأخلاق والمصلحة العامة.اما الرعية فليست مجرد تابع صامت، بل شريك أخلاقي،وواجباتها/:الطاعة في المعروف ، والنصيحة والمساءلة، وعدم إضفاء القداسة على الحاكم ،والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضمن ضوابط الحكمة والمصلحة.
ذهبت الكاتبة الى ان قوانين الشريعة الإسلامية فيها أن المرأة ناقصة عقل ودين، وأن شهادتها أمام القانون تعادل نصف شهادة الرجل. وهذا تضليل وسوء فهم للاسلام .وعبارة أن المرأة “ناقصة عقل ودين: فمأخوذة من حديث نبوي مشهور في الصحيحين، وفيه فُسِّر “نقص العقل” بأنه متعلق بالشهادة في حالة معينة، و”نقص الدين” بأنه متعلق بإعفاء المرأة من الصلاة والصيام أثناء الحيض.ومفهوم الحديث محل اخذ ورد واسع بين العلماء :فبعض الفقهاء رأوا أن الحديث يقرر حكماً عاماً يتعلق بطبيعة المرأة. بينما يرى عدد من المفكرين والباحثين المعاصرين أن الحديث يتحدث عن سياق اجتماعي محدد في ذلك العصر، ولا يعني أن المرأة أقل ذكاءً أو قدرةً عقلية من الرجل. ويستدل هؤلاء بأن القرآن نفسه يذكر نساءً يتمتعن بالحكمة والرأي السديد، مثل بلقيس، كما يحمّل الاسلام الرجال والنساء المسؤولية الأخلاقية والعقلية على السواء،لذلك فالقول بان المرأة ناقصة عقل” بمعنى أنها أقل ذكاءً أو إنسانيةً من الرجل لا مجال له لا بين القدماء من العلماء ولا المعاصرين، كما انه يصادم ما قرره القران الكريم في تصوره للمراة ودورها في المجتمع
هذا الوصف مأخوذ من حديث نبوي شريف، وقد وضّح النبي ﷺ معناه في نفس الحديث بدقة. والمقصود بهذا الوصف ليس الإهانة أو الانتقاص من قدر المرأة، بل هو وصف لطبيعة تكوينها وبعض الأحكام الشرعية المرتبطة بها، وذلك على النحو التالي :
فنقصان العقل: بيّن النبي ﷺ أن سببه هو “ضعف الحفظ” وليس الغباء أو انعدام العقل. ويتضح ذلك في نظام الشهادة في القضاء، حيث تُطلب شهادة امرأتين بدلاً من رجل واحد لكي تذكّر إحداهما الأخرى إذا نسيت، وهو إجراء لحفظ الحقوق.
اما نقصان الدين،فقد بيّن النبي ﷺ أن سببه هو الأعذار الشرعية الفسيولوجية التي تمر بها المرأة،فتمنعها عن الصلاة والصيام في فترات الحيض والنفاس، ولا يُطلب منها قضاء الصلاة بعد طهارتها مراعاة لحالها. وهذا النقص هو “تخفيف ورحمة” من الله، وليس تقصيراً في إيمانها أو طاعتها.
اما شهادة المرأة :فقد رددت التلميذة ايضا ما ذهب اليه استاذها ،من اتهام الإسلام بأنَّه انتقص من قدر المرأة وجعلها نصف إنسان، حينما جعل الإسلام شهادتها تعدل نصف شهادة الرجل،كما ورد في قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا) البقرة 282. ومصدر الشبهة -كما يقول د.محمد عمارة- هو الخلط بين ” الشهادة” و”الاشهاد”،الذي تتحدث عنه الآية.فالشهادة التي يعتمد عليها القضاء في اكتشاف العدل المؤسس على البينة،واستخلاصه من ثنايا دعاوى الخصوم،لا تأخذ من الذكورة أو الأنوثة معياراً لصدقها أو كذبها،ومن ثم قبولها أو رفضها.. وإنَّما معيارها تحقق اطمئنان القاضي لصدق الشهادة،بصرف النظر عن جنس الشاهد،ذكراً أكان أو أنثى، وبصرف النظر عن عدد الشهود.. فللقاضي إذا اطمأن ضميره إلى ظهور البينة، أن يعتمد شهادة رجلين،أو امرأتين،أو رجل وامرأة،أو رجل وامرأتين،أو امرأة ورجلين،أو رجل واحد،أو امرأ’ واحدة.. و لا أثر للذكورة أو الأنوثة في الشهادة التي يحكم القضاء بناءً على ما تقدمه له البينات.” (عن التحرير الإسلامي للمرأة ( محمد عمارة) ص:119.)
فالآية تتحدث عن الإشهاد الذي يقوم به صاحب الدين،للاستيثاق من الحفاظ على دينه،وليس عن “الشهادة” التي يعتمد عليها القاضي في حكمه بين المتنازعين. فهي-أي الآية- موجهة لصاحب الحق –الدين،وليس إلى القاضي الحاكم في النزاع.. بل إنَّ هذه الآية لا تتوجه إلى كل صاحب حق-دين-و لا تشترط من مستويات الإشهاد وعدد الشهود في كل حالات الدين.. وإنما توجهت بالنصح والارشاد-فقط النصح والإرشاد-إلى دائن خاص،وفي حالات خاصة من الديون،لها ملابسات خاصة نصت عليها الآية.فهو دين إلى أجل مسمى،و لا بد من كتابته،و لا بد من عدالة الكاتب ويحرم امتناع الكاتب عن الكتابة. و لا بد من إملاء الذي عليه الحق.. وإنَّ لم يستطع فليملل وليه بالعدل..والإشهاد لا بد أن يكون من رجلين من المؤمنين..أو رجل وامرأتين من المؤمنين.. وأن يكون الشهود ممن ترضى عنهم الجماعة..و لا يصح امتناع الشهود عن الشهادة..وليست هذه الشروط بمطلوبة في التجارة الحاضرة .. ولا في المبايعات.
وقد أدرك حقيقة أنَّ الآية تتحدث عن “الإشهاد” في دين خاص ،وليس عن الشهادة،وأنها نصيحة وارشاد لصاحب الدين ذي المواصفات الخاصة، وليست تشريعاً موجهاً إلى القاضي-الحاكم –في المنازعات،العلماء المجتهدون من أمثال ابن تيمية،وتلميذه ابن القيم من القدماء،والشيخ محمد عبده،والشيخ شلتوت من المحدثين المعاصرين. فليرجع القاريء الى مقالتي: (حقوق المراة في الإسلام (2) / أحمد محمد احمد الجلي/المنشور في موقع سودانايل )
اما الاصلاحات القانونية والتشريعية التي قام به ولي العهد السعودي ضمن مشروع “رؤية 2030”. فقد كان الهدف منها هو تقنين الأحكام، وتقليل التباين في الاجتهادات القضائية، وزيادة الوضوح القانوني للمواطنين والمستثمرين. وقد تضمنت تلك الإصلاحات: نظام الأحوال الشخصية (2022) وجمعت أحكام الأسرة في قانون مكتوب ومقنن،و نظم مسائل الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والميراث،و هدف إلى توحيد الأحكام القضائية وتقليل اختلاف الاجتهادات بين المحاكم. ،ونظام الإثبات (2021) وضع قواعد واضحة للإثبات أمام المحاكم ،فاعترف بالأدلة الرقمية والوسائل الحديثة للإثبات،و سعى إلى رفع مستوى اليقين والشفافية في الإجراءات القضائية،و نظام المعاملات المدنية (2023) الذي يعد أول تقنين شامل للمعاملات والعقود المدنية في المملكة،فقد نظم العقود والالتزامات والتعويضات والملكية وغيرها من المعاملات الخاصة ،اما مشروع النظام الجزائي للعقوبات التعزيرية: فيهدف إلى تقنين العقوبات التعزيرية وتحديدها بصورة أوضح للحد من تفاوت الأحكام،و ما زال تطويره واستكماله يجري على مراحل مقارنة بالأنظمة الأخرى التي صدرت بالفعل.
وعلى كل فالسعودية لا تمتلك سلطة تشريعية مستقلة على النمط الموجود في الأنظمة البرلمانية الغربية،فالتشريع يصدر عبر:إعداد المشروع من الجهات المختصة،و مراجعته في مجلس الوزراء،و مناقشته في مجلس الشورى وإبداء الرأي بشأنه. ثم صدوره بأمر أو مرسوم ملكي. لذلك لم يظهر صراع تشريعي بين الحكومة والبرلمان كما يحدث في بعض الدول، لأن مجلس الشورى هيئة استشارية أكثر من كونه سلطة تشريعية مستقلة تمتلك حق سن القوانين أو تعطيلها بصورة نهائية.،وقد انقسم الناس حول هذه مؤيد ومنتقد فهنك من يرون أنها خطوة تاريخية نحو دولة قانون أكثر وضوحًا، وتحد من تفاوت الأحكام القضائية، وتسهل الاستثمار، مع بقاء الشريعة الإسلامية مرجعًا أعلى للنظام القانوني.
وفي المقابل هناك من يرون أن الإصلاح القانوني لا يكتمل إلا بوجود مؤسسات تشريعية وقضائية أكثر استقلالًا، وأن تقنين القوانين لا يعني بالضرورة وجود فصل كامل بين السلطات أو مشاركة شعبية أوسع في صناعة التشريع. وبصورة عامة، فإن أهم تحول حدث في عهد محمد بن سلمان ليس مجرد تعديل بعض القوانين، بل الانتقال من الاعتماد الواسع على الاجتهاد القضائي غير المقنن إلى منظومة أكثر تقنينًا وتدوينًا للقواعد القانونية، مع التأكيد الرسمي على أن الشريعة الإسلامية تظل المرجعية العليا للنظام القانوني السعوديومن أبرز ما أثار النقاش بين الفقهاء والقانونيين:
ففي مسألة الكفاءة في الزواج فقد كان يُعطى اعتبارا كبيرا لكفاءة النسب والقبيلة في الزواج، وقد وقعت في الماضي قضايا فُسخت فيها زيجات بسبب عدم التكافؤ القبلي. أما نظام الأحوال الشخصية الجديد فقد جعل الأصل في الكفاءة هو الدين والخلق، مع تقليص أثر الاعتبارات القبلية والنسبية في فسخ الزواج. وهذا قريب من اتجاه عدد من الفقهاء القدامى الذين كانوا يرون أن المعيار الأهم هو الدين لا النسب.
اما إثبات النسب فقد كان الاعتماد الأكبر على وسائل الإثبات الفقهية التقليدية مثل الفراش والإقرار والشهادة والقيافة.أما اليوم فقد أصبح استخدام تحليل الحمض النووي (DNA) والبصمة الوراثية معترفًا به في كثير من الأنظمة القضائية العربية والإسلامية، ومنها السعودية، كوسيلة قوية لإثبات أو نفي بعض الوقائع المتعلقة بالنسب وفق ضوابط محددة. ،وقد اصبح الاتجاه الغالب بين المجامع الفقهية المعاصرة انتهى إلى قبولها في نطاقات معينة.
اما زعم الكاتبة ان مجرد الحديث عن هذه الأمور كان يؤدي إلى التكفير ،فامر يحتاج إلى شيء من التقييد. فقد كان غاية ما يواجه به معارضوا هذه الاصلاحات انهم “مخالفوا الشريعة” أو نهم متاثرين بموجة “التغريب، فكثير من هذه الأفكار كانت تُعدّ شديدة الجرأة أو مخالفة للتقاليد الفقهية والقضائية السائدة، لكن وصفها بأنها كانت تُكفِّر أصحابها دائمًا فيه مبالغة.
الخلاصة:الإصلاحات القانونية السعودية لم تُقدَّم باعتبارها خروجًا على الشريعة،كما يتوهم اللبراليون ، بل لا تعدوا ان تكون إعادة تقنين واختيار بين اجتهادات فقهية متعددة داخل التراث الإسلامي. وبعض الأحكام التي كانت تُواجَه سابقًا برفض شديد في الأوساط المحافظة، مثل تقليص أثر النسب القبلي في الزواج أو توسيع الاعتماد على الوسائل العلمية الحديثة في الإثبات، فأصبحت اليوم جزءًا من النظام القانوني الرسمي، ولم تعارضها هيئة كبار العلماء معارضة مؤسسية علنية. لكن الجدل الفكري حول مدى توافق هذه الإصلاحات مع الفقه التقليدي ما زال قائمًا بين الباحثين والعلماء.
اما الرق والسبي ،فقد أجمعت الدول الإسلامية المعاصرة تقريبًا على إلغائه، ولم يعد أحد من المؤسسات الإسلامية الكبرى يدعو إلى إحيائه ،اما أهل الذمة والجزية،فيرى كثير من المعاصرين أن مفهوم المواطنة المتساوية في الدولة الحديثة حلّ محل التقسيم القديم بين مسلم وذمي. .كما ان الغنائم،فلم تعد الحروب الحديثة تقوم على توزيع الأموال المنقولة بين المقاتلين كما كان يحدث قديمًا.
اما الجزية وما ارتبط لها من مصطلحات فقد فهم منها البعض اذلال النصارى وتحقيرهم.كما فهم من “الصغار” المرتبط بدفع الجزية.وقد ذهب اخرون الى ان المراد به خضوع أهل الذمة لسلطان الدولة الإسلامية وقبولهم النظام السياسي القائم ولم يرد ذلك الوصف المهين في نصوص صحيحة صريحة، بل كان اجتهادا متأثرا بثقافة العصور الإمبراطورية.أما عبارة “عن يد” فقد فسرت غالبًا بمعنى:الدفع مباشرة دون تمرد أو مقاومة. أو الدفع عن قدرة واستطاعة. أو التسليم لسلطة الدولة. بل يرى بعض المفكرين المعاصرين أن الجزية لم تكن عقوبة على غير المسلمين بسبب دينهم، بل كانت جزءًا من نظام مالي وعسكري معيناً يطالب فيه المسلم بأعباء مالية مثل الزكاة والزامه ا بالخدمة العسكرية غالبًا. أما غير المسلم فكان يدفع الجزية مقابل حماية الدولة وإعفائه من القتال. وبما أن الدولة الحديثة لا تقوم على هذا التقسيم، بل تفرض الضرائب على الجميع وتُلزم الجميع ، أو تعفي الجميع ،وفق قانون واحد، فإن وظيفة الجزية التاريخية قد انتفت.لذلك يقول هؤلاء إن الضريبة العامة للمواطنين اليوم تؤدي الوظيفة التي كانت تؤديها الجزية قديمًا، دون الحاجة إلى تمييز ديني. وبعض الفقهاء لا يقولون إن الجزية أُلغيت أو أسقطت، وإنما يقولون: إن شروط تطبيقها غير متحققة اليوم، لأن النظام الدولي والدولة الحديثة يختلفان عن الدولة الإمبراطورية التي نشأت فيها أحكام الجزية.
وختاماً: اتوجه الى الكاتبتن،ومن يشايعهما من العلمانيين والليبراليين والجمهوريين، ان لا يدفعهم الصراع مع الاسلاميين – عن ادراك حقيقة تعاليم الاسلام ،ولا تعميهم تجربة الانقاذ وعدم توفيقها في مشروعها الحضاري،وفشلها في ايصال رسالة الاسلام الى الناس بالتي هي احسن-الى توجيه سهامهم لكل ما هو اسلامي ،وشيطنة كل توجه نحو الاسلام .فعلى الجميع على مختلف توجهاتهم الفكرية وانتماءتهم الايديليوجيه،ان يتجازوا خلافاتهم التي تعود الى زمن مضى، وان يتبصروا مسؤولياتهم الآنية حتى ينقذوا البلاد و يتكاتفوا على وضع السودان في الطريق الذي يؤدي الى نهضة حقيقية تنتشله من الهاوية التي يسير اليها ،والله الهادي الى سواء السبيل.
*تعقيبا على مقالتي الكاتبتين : المنشورتين على صفحات سودانايل على الرابطين التاليين”
1- ما معنى حكم اسلامي؟ ما معنى تطبيق الشريعة الاسلامية في السودان؟
https://sudanile.com/%d9%85%d8%a7-%d9%85%d8%b9%d9%86%d9%89-%d8%ad%d9%83%d9%85-%d8%a7%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%9f-%d9%85%d8%a7-%d9%85%d8%b9%d9%86%d9%89-%d8%aa%d8%b7%d8%a8%d9%8a%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%8a/
2-: أسئلة رشا عوض أولى بها المدنيون قبل الإخوان المسلمين:
https://sudanile.com/%d8%a3%d8%b3%d8%a6%d9%84%d8%a9-%d8%b1%d8%b4%d8%a7-%d8%b9%d9%88%d8%b6-%d8%a3%d9%88%d9%84%d9%89-%d8%a8%d9%87%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d9%86%d9%8a%d9%88%d9%86-%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5/
أ.د. احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
الخميس/3/ مُحرَّم/ 1448 ه
الموافق /18 /يونيو/ 2026 م
