اطلعت على التعليق المنشور بعنوان: “من تشاتام هاوس إلى ويلتون بارك: المنابر تتغير والاستراتيجية واحدة”، والذي تناول مقالي حول نقاش ويلتون بارك بشأن السودان. وأود ابتداءً أن أؤكد أن مساءلة دور بريطانيا، أو ويلتون بارك، أو تشاتام هاوس، أو غيرها من المنابر المرتبطة بالدول الكبرى، أمر مشروع تماماً. بل إن مثل هذه المساءلة ضرورية في بلد كالسودان، تتداخل في أزمته عوامل داخلية وخارجية، وتتنازع حوله مصالح إقليمية ودولية متعددة.
لكن مشروعية النقد لا تعني أن يُحمَّل النص ما لم يقله، أو أن تُقرأ بعض فقراته بمعزل عن بعضها الآخر.
فقد ذهب التعليق إلى أن مقالي حاول الفصل بين الطبيعة الفنية لنقاش ويلتون بارك وأبعاده السياسية. وهذا، في تقديري، غير دقيق. فالمقال قال بوضوح إن القضايا التي نوقشت — توزيع السلطات، والفدرالية المالية، والتمثيل — قد تبدو فنية في ظاهرها، لكنها في السودان قضايا سياسية عميقة، لأنها تتصل بالشرعية، والثقة، والمظالم التاريخية، وعلاقة المركز بالأطراف، وقدرة الدولة على البقاء، والشروط التي يمكن في ظلها أن يقبل السودانيون أي ترتيبات مستقبلية.
إذن لم يكن المقصود فصل الفني عن السياسي، بل التمييز بين طبيعة اللقاء من جهة، وطبيعة الموضوعات المطروحة من جهة أخرى. فاللقاء كان فنياً ومدنياً وغير تفاوضي من حيث شكله وإطاره، لكن موضوعاته بطبيعة الحال ذات أبعاد سياسية عميقة.
وهذا تمييز ضروري، وليس فصلاً تعسفياً.
كما أن القول إن المشاركين حضروا بصفاتهم الشخصية لا يعني إنكار أنهم شخصيات عامة أو أصحاب خبرات أو مواقف معروفة. لكن الفارق هنا مهم: أن يكون الشخص معروفاً في المجال العام شيء، وأن يحضر ممثلاً رسمياً لحزب أو حكومة أو فصيل سياسي أو طرف مسلح شيء آخر. المقال كان معنياً بتصحيح هذا الخلط تحديداً، لأن بعض النقد بُني على افتراض أن اللقاء كان جمعاً لممثلين سياسيين أو أطراف تفاوضية، بينما لم يكن كذلك.
أما السؤال عن دوافع بريطانيا، أو موقع ويلتون بارك ضمن أدوات السياسة الخارجية البريطانية، أو دور مراكز التفكير والمنتديات غير الرسمية في تشكيل التصورات والسياسات، فهو سؤال مشروع ولا ينبغي التهرب منه. لكن طرح هذا السؤال لا يلغي الحاجة إلى الدقة في الوقائع: من حضر؟ بأي صفة؟ ما طبيعة اللقاء؟ وهل كان مساراً تفاوضياً أم نقاشاً فنياً غير ملزم؟
فالنقد الموضوعي يكون أقوى حين يميز بين أمرين: من جهة، حق السودانيين في مساءلة أي دور خارجي يمس قضايا بلدهم؛ ومن جهة أخرى، ضرورة ألا تتحول كل مبادرة أو نقاش أو لقاء إلى دليل مكتمل على مؤامرة أو ترتيب سياسي خفي قبل التحقق من الوقائع.
لقد قلت في مقالي،
وأكرر هنا، إن مستقبل السودان لا يُصنع في ويلتون بارك، ولا في تشاتام هاوس، ولا في لندن، ولا في أي عاصمة أخرى. مستقبل السودان يجب أن يصنعه السودانيون عبر عملية سودانية شرعية وشاملة. لكن ذلك لا يعني أن كل نقاش فني أو مدني خارج السودان هو بالضرورة مساس بالسيادة أو محاولة لفرض أجندة جاهزة.
المطلوب، في تقديري، ليس إغلاق باب النقد، بل ترشيده. وليس قبول أي منبر خارجي بلا مساءلة، بل مساءلته على أساس الوقائع لا الافتراضات. فبين الثقة الساذجة في كل ما يأتي من الخارج، والارتياب المطلق في كل ما يجري خارجه، توجد مساحة أوسع وأهم: مساحة النقد المسؤول، والقراءة الدقيقة، والتمييز بين المخاوف المشروعة والاستنتاجات المتعجلة.
الواثق كمير
القاهرة، 29 يوليو 2026
