أقرب إلى القلب :
jamalim@yahoo.com
أعترفُ بدءَ القول، أنّي حزنتُ بعد رسالتك، أيّها الصديق العزيز، حزناً عميقا . قرأتُ رسالتك قبل أن يُفجع السودان برحيل فارس ترجّل عن جواد الشّعر، وآثر الرحيل بعد أن شهد بعينيه الخسران الذي آلت إليه أمورنا، وصرنا نضرب في فجاج الأرض، لا بحثاً عن ملاذات تأوينا، فذلك خيار جربناه سنوات وسنوات ، ولكن بحثا عن عاصمة تأوي تنازعنا ، وتحتفل بخلافاتنا وترفع أنخاب اتفاقياتنا المتوهّمة، ونعرف أنها معبأة بدماء نازحين مطرودين من ديارهم، وأنفاس فقراء قتلهم الجوع . ذلك كله مقدمات لأفولٍ قادم. .
أجل . رحل تاج السر الحسن بلا ضجيج، ودون مناحات ولا أناشيد قديمة. .
كان اتحاد الكتاب السودانيين قد أعدّ يوماً للاحتفاء بمحمد الفيتوري ، “صَاحِب البَرقِ”. أحببتُ أن أناديه بهذا الوصف فهو الرّجل- العاصفة، يهطل غيثاً عندَ الملمّات: قالَ يوماً:
( إنَّـها عتبـاتُ أبي
وأنا صَـاحِبُ البـَرْقِ- مُنكسِراً فوقــها-
أنظروا كيفَ أحرق أجنحتـي وجهَـها
المُستحمُّ بنـورِ العـذابــات
حتى انكسـرْتُ ركـوْعاً على رُكْبتيّ
وأسلمتُ في فرحٍ عُنـُقـي
وَتحجّرتُ مثلَ إلهٍ تُّحجّـر في حُلمِي! !
وأنا صَاحِبُ البَرْق! !)
ذلك من غناء الرجل في ديوانه “شرق الشمس غرب القمر” – دار الشروق ، القاهرة-1992.
فيما تأهّبنا لنغني الأناشيد مع الفيتوري في يوم 22 مايو 2013 بدار اتحاد الكتاب السودانيين في ضاحية “العمارات” ، يرحل إثر علّة لازمته لسنوات، شاعرنا الكبير تاج السّر الحَسَن . مرحبا أيها الحزن . قالتها ساغان، وقبلة الحزن لها طعم الملح. .
أسعدني حديثك أيها الصديق، عن صنّاجة لبنان “سعيد عقل”، وكيف احتفى به أهلوه وتلاميذه ومريدوه وبينهم شاعر لبنان صديقي “هنري زغيب”. قي جبل لبنان وفي سهوله ووديانه تنوّع لا يغادر ذهن اللبناني، وإلا كيف لا يدهشك شعر “سعيد عقل” يغنّي لعاصمة الحج مكة، وهو المسيحي الماروني:
غنّيتُ مَكَّةَ أهلهـا الصِّيـدا وَالعيدُ يملاء أضلُعي عيْدا
فرِحوْا فلألأَ تحتَ كلِّ سَمَا بيتُ على بيتِ الهُدَى زيْدا
وَعلى اسْمِ ربِّ العالميْـنِ عَلا بُنيانُه كالشّهبِ مَمْـدوْدا
يا قارئَ القُرآن صَلِّ لهُ، أهلي هُناك وطيّــب البيْــدا
من راكعٍ ويــداه آنســتا، أنْ ليسَ يبقى البابُ مَوْصوْدا
أنا أينـَما صلَّى الأنـامُ رأتْ عيني السماءَ تفتّحتْ جـوْدا
لو رَمْلةٌ هتفَـتْ بمبـدعِهَا شجْواً لكنتُ لشجْوِهَا عُوْدا
فتتغنّى بها أيقونة لبنان السيدة فيروز، وهي المسيحية الأرثوذكسية. . !؟
لو أبصرنا في هذا البلد المنكوب، كيف تكون للتنوع ثمراته وإيجابياته ، هل كان “صاحب البرق” يأسَى بعيداً عن مضارب أهله ومراقدهم ، هناك في دار المساليت ؟ هذا الكروان الذي حمل الشعر وطناً في وجدانه ، وجرت دماء العرب والأفارقة في شرايينه، فجعلت منه شاعر افريقيا وشاعر العرب في آنٍ واحد، صيغتْ دبلوماسيته صياغة تجاوزت حدود الجغرافيا، فكان سودانياً ومصرياً وليبياً ومغربيا ، غير أنه استمسك بهوية واحدة هي القدرة على الغناء الشجيّ والإبراق الصاخب ، فكانت تلك هويته الجامعة. .
يسعى اتحاد الكتاب السودانيين أن يكسر دوائر الجحود، فيقفز فوقها ليقول للفيتوري ويسمعه في مقامه البعيد في المغرب ، أننا نحبهُ ونحب شعره، فقد نطقَ بما فينا.
يرحل تاج الشعر الحسن، فنغرق في حزن اللحظة تتسرّب من بين أصابعنا وأقلامنا .
أحكي لك أيّها الصديق عن لقائي الأخير مع الشاعر الكبير، قبيل رحيله.
كنّا ثلّة من الأصدقاء قبلَ أسابيع قليلة، في زيارة حميمة لشاعر الشعب محجوب شريف في داره بمدينة الثورة الحارة 21 ، يكاد يحجبه المرض ولكن بقيت راية الشعر شرفاً له. عناء الشعر في رسمه كما في جسمه. كنّا ثلة من أصدقاء محجوب، بيننا عبد القادر الرفاعي وما أبل من علته بعد، ولكنه لن يقبل أن لا يكون حاضراً في دار محجوب. كتب عبد القادر الرفاعي لو تذكر، كتاباً عن شاعرنا الكبير صديق مدثر، الذي رحل عنّا قبل أشهر قليلة، كما كتب كتابا عن تاج السر الحسن . كنتُ على انشغال وكدتُ أن أعتذر عن حضور ذلك اللقاء لظرفٍ طاريء، إلا أنّ الحاح صديقي المهندس مُزاحم الضوي، وهو من أصدق محبّي محجوب والرفاعي، دفعني للإستجابة. كنت أرغب منذ أمدٍ في زيارة محجوب بعد أن آب من فترة العلاج في ألمانيا، وما تيسرتْ لي . قال لي مُزاحم أن تاج السر الحسن سيكون حاضراً في بيت محجوب، فكان ذلك حافزاً إضافياً، فما قدرت إلا أن أحضر. تاج الشِّعر لم يكن معنا فحسب، بل كان على رؤوسنا تاجاً حقيقياً يتلألأ شعراً، ففرحنا به أيّما فرحٍ، ولم يكن يشكو من علة بيّنة أو رهق لافت، إلا فعل السنين ببدنه. أخرج من دفترٍ كان بيده، وريقة مطوية وقال لمحجوب:
– دعني أفاجؤك. هذه قصيدتك وقد نظمتها أنت بالفصحى ونقلتها عنك بقلمي في زمان ما في السبعينات ونحن في موسكو. . !
أطرق محجوب وقد ألجمته الدهشة، إذ هو لا يتذكر أنّ له قصيدة نظمها في موسكو في ذلك التاريخ البعيد. وتعلقنا بصوتِ تاج السِّر وهو ينشد قصيدة كتبها محجوب قبل أكثر من أربعين عاماً، وباللغة العربية الفصحى. ما أن توغّل تاج السر في الإنشاد حتى عادتْ المقاطع إلى ذاكرة محجوب وكان قد نسيها لأربعة عقود، ثمّ أخذ يردّد مع تاج السِّر بعض أبيات القصيدة الرّصينة، بيتاً بعد بيت. لم ينظم محجوب شعراً كثيراً بالفصحى ، ولكنه شاعر ولن يغلبه- إن أراد- النظم بها. شِعر محجوب له نكهة مميزة ، بأيّ اسلوب ولون، وبأي لغة أو لهجة كتب. ثم عرجنا إلى موضوع طريف عن تطعيم شعره العامّي بالفصحى، وهي مزاوجة ومناورة فيها ذكاء تتوسّل فيه الفصحى إلى العامية، تقترب ولا تناقضها، فزاد محجوب أنّ الجيل الذي كتب شعر الحقيبة لم يتلقَ تعليماً أكثر من “الخلوة”، لكنهم أحسنوا النّطق الفصيح وحذقوا التجويد واطلعوا على جلّ تراث الشعر العربي، ممّا نراه واضحاً في شعر شعراء “الحقيبة” ، مما نظم العبادي وود الرضي وأبوصلاح وأضرابهم. يؤمّن الشاعر تاج السِّر على قول محجوب ويشير إلى الأثر الصوفي في ذلك الشعر. رأى محجوب أنه امتداد لمسيرة الشعر السوداني القديم . . الذي جسدته “الحقيبة” وشعراؤها..
آخر الجلسة التي امتدت لساعات ، هربتُ من الحاح محجوب وهو يصرّ عليّ أن ألقي بعض قصيدي، فأنا لا أحفظ ما أنظم. ضحك عليّ محجوب لكنّي استرضيته بإهدائي له إحدى رواياتي الأخيرة . ملأ الشاعر تاج السِّر تلك الجلسة بروح حلوة من مرح الشعر، وقد كان سعيداً بيننا، وكنا سعداء به وبصحبته، ولم نلحظ عليه إلا رهق ساقيه تتعبانه. تواعدنا على أن نداوم على مثل هذه الجلسات في دار محجوب شريف، وبنت الجزولي زوج محجوب، وبنياتها من حولنا يشعن اهتماما ورعاية وكرما .
بعد أسابيع ، حاصرتْ “الآزمة” شاعر “آسيا وافريقيا”، فرحل مساء 13 مايو 2013، فكان مساءاً ممعناً في الحزن، مصطبغاً بالأسى . ستبقى الدموع طويلا على تاج الشِّعر الحَسُن.. أيّها الصديق العزيز . . لقد رحل ديوان شعر كامل إسمه تاج السر الحسن. .
نشر في صحيفة “الخرطوم”
الخرطوم – 24مايو 2013
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم