د. أحمد التيجاني سيد أحمد
كل أجيالنا تقريبًا تعرف حكاية الجِمال الذي طارد النعامة في الصحراء، حتى أصابها الإرهاق والتعب. وحين لم تجد مفرًا، غرست رأسها وعنقها في الرمل، معتقدة أن ما لا تراه لا يراها. ولكن الجِمال لحق بها واصطادها.
كانت تلك حكاية قديمة عن الوهم، وعن الهروب من الخطر بإخفاء الرأس لا بمواجهة الواقع.
أما في هذا الزمن، فلم تعد سباقات الصحراء كما كانت. فالقلة القليلة التي ما تزال تعنى بهذا النوع من السباق، خصوصًا في صحارى الخليج، لم تعد تعتمد على الجِمال وحده، ولا على قدرة المطاردة الطبيعية فقط. صار الجِمال نفسه مزودًا بأجهزة إلكترونية، وتوجيه عن بُعد، وسيارات دفع رباعي، وفرق متابعة، وتقنيات حديثة. لم يعد السباق سباق صبر وقوة فحسب، بل صار سباق معرفة وتنظيم وتكنولوجيا.
أما النعامة، تلك التي دخلت السباق لا للترفيه ولا للمباهاة، بل دفاعًا عن النفس، فلا خيار أمامها غالبًا إلا الموت، إلا إذا صادفتها هضبة شاهقة، تجري من تحتها الأنهار، فتلجأ إليها بخفة ورشاقة، وتروي ظمأها، وتستريح، آملة أن تلتقي برفيقة العمر، وهي تردد مع محمد وردي:
«في ظل الدليب نرتاح»
ولكن ماذا تعني هذه الحكاية لمواطني دولة التأسيس السودانية؟
تعني أولًا ألا نغرس رؤوسنا في الرمال كما فعلت النعامة القديمة. فالهروب من الواقع لا يلغي الخطر. والخطر في السودان اليوم ليس خطرًا عسكريًا فقط، ولا سياسيًا فقط، بل هو خطر الجوع، والنزوح، وانهيار الإنتاج، وتآكل الإدارة، وضياع الفرص، وترك الموارد بلا عقل ينظمها ولا يد تنتج بها.
وتعني ثانيًا أن سباق هذا الزمن لا يكسبه من يملك الأرض وحدها، بل من يعرف كيف يحول الأرض إلى إنتاج، والماء إلى حياة، والشباب إلى قوة عمل، والمعرفة إلى مشروع، والموارد الذاتية إلى اقتصاد منظم.
لذلك، حين يعلن رئيس وزراء دولة التأسيس أن الدولة تمتلك من الموارد الذاتية ما يكفيها، فإن هذا القول لا ينبغي أن يبقى مجرد تصريح سياسي أو وعد عام. بل يجب أن يتحول فورًا إلى برنامج عملي، يبدأ من القاعدة، من المحلية، ومن المحافظة، ومن الولاية، ومن الإقليم.
والمقترح هنا بسيط وعميق في آن واحد:
أن تطرح دولة التأسيس، في كل محلية ومحافظة وولاية وإقليم، مسابقة سنوية للأفكار الإنتاجية والتنموية، تُختار منها أفضل المبادرات القابلة للتنفيذ، لا وفق الخطابة والشعارات، بل وفق معايير واضحة:
قابلية التنفيذ، قلة التكلفة، سرعة الأثر، خلق فرص العمل، إشراك النساء والشباب، استخدام الموارد المحلية، وإمكانية التوسع.
ففي كل قرية توجد فكرة.
وفي كل سوق توجد خبرة.
وفي كل مزرعة توجد معرفة مخزونة.
وفي كل معسكر نزوح توجد طاقة بشرية تبحث عن فرصة.
وفي كل إقليم توجد موارد نائمة تنتظر من يوقظها.
دولة التأسيس لا تحتاج فقط إلى وزارات ومكاتب وقرارات عليا. تحتاج إلى أن تجعل الناس شركاء في التفكير والإنتاج. أن تقول للمواطن: أنت لست متلقيًا للمساعدة فقط، بل صاحب فكرة، وصاحب مورد، وصاحب يد، وصاحب حق في بناء الدولة الجديدة.
هكذا فقط نخرج من حكاية النعامة القديمة.
لا ندفن رؤوسنا في الرمل، ولا ننتظر الجِمال حتى يلحق بنا.
بل نبحث عن الهضبة، وعن النهر، وعن ظل الدليب، وعن الفكرة التي تتحول إلى مشروع، والمشروع الذي يتحول إلى إنتاج، والإنتاج الذي يتحول إلى كرامة.
فدولة التأسيس، إن أرادت أن تكون دولة حقيقية، عليها أن تجعل كل محلية ورشة عمل، وكل ولاية حاضنة أفكار، وكل إقليم مصنعًا مفتوحًا للمبادرات.
عندها فقط يصبح القول بأننا نملك مواردنا الذاتية قولًا قابلًا للتصديق.
وعندها فقط لا تكون النعامة رمزًا للهزيمة، بل رمزًا للنجاة الذكية حين تعرف أين تركض، وأين تشرب، وأين تستريح، وأين تبدأ من جديد.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
عضو الهيئة القيادية وًعضو موسس لتحالف لتحالف التاسيس
١٣ مارس ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا
Sent from my iPhone
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
