تأمُلات
كمال الهِدَي
صُعقت، وارتفع عندي حاجب الدهشة، وأنا أطالع خبراً يقول إن مسؤولي اتحاد الكرة السوداني سيفتحون بلاغات ضد كل من يتناول سيرتهم بالشر، وينتقد فشلهم وتخبطهم وعشوائيتهم، أو يتهمهم بالفساد.
وأضافوا أن التغيير يتم بالإذعان للنظم والقوانين، لا بالتحريض على التظاهر والدعوات التي تهدد الأمن.
وسبب دهشتي أن ضباط الاتحاد كثيراً ما رددوا، في أوقات سابقة، أنهم يؤدون عملاً طوعياً يخدمون به الرياضة، وأنهم لا يستفيدون من ورائه.
فإن قبلنا، على مضض، هذه الفرية، وصدقنا أن مثلهم يمكن أن يتمسكوا بالمناصب ويقاتلوا من أجلها بكل قوة، لخدمة الرياضة والبلد دون مقابل، فكيف نفهم أن ترعبهم دعوات التظاهر، وهم جاءوا، بحسب قولهم، لخدمة هذا المجتمع، بينما يرفض بعض أفراده وجود هؤلاء “َالمتطوعين” في مناصبهم؟ أنتم تقولون إنكم متطوعون لخدمة الناس، فمنذ متى كان التطوع يُفرض على من يُفترض أنك تخدمهم؟ “التطوع بالقوة” بدعة لم نسمع بها طوال حياتنا!
أي مستوى من الغباء يفترضونه فينا حتى نصدق مثل هذا الهراء؟
وما الذي يزعجكم في أن يتهمكم الناس بالفساد، ما دمتم مقتنعين بنزاهتكم وسلامة موقفكم؟ أليس من الأسهل والأشرف لكم أن تنشروا للملأ ما يدعم سلامة موقفكم، بالمستندات التي هي أساس النظم والقوانين التي تقولون إن التغيير لا يتم إلا عبرها؟
لا أعتقد أن أي متطوع نزيه يمكن أن يعبّر عن سلامة موقفه عبر التهديد والوعيد وتخويف من يفترض أنه تطوع من أجل خدمتهم.
وها نحن نتابع متطوعين كثر في مجالات مختلفة، مثل القائمين على التكايا وغيرهم. وقد اتُّهم بعضهم وأُسيء إليهم، لكننا لم نسمع أن أحدهم فتح بلاغات ضد أي كائن، بل استمروا في أداء عملهم بصمت لإيمانهم الراسخ بما يقدمونه وثقتهم في أنفسهم.
لكن يبدو أن مسؤولي اتحاد الكرة، الذين يزعمون أنهم يرفضون التظاهر بحجة أنه مهدد للأمن، يريدون استغلال أوضاع البلد لابتزاز جمهور الرياضة. فمن يهمه أمن البلد حقيقة لا يستفز أهله بتصرفات وسلوكيات وممارسات تضاعف من حنق الناس وتخرجهم عن طورهم.
وبدلاً من أن يخجل هؤلاء النفر من أنفسهم بسبب ما حدث مؤخراً من “مرمطة” للاعبي المنتخب قبل مباراة موزمبيق، نتيجة إهمالهم وتقصيرهم وانشغالهم بتفاصيل لا علاقة لها بمهمتهم “التطوعية” ، إذا بهم يخرجون علينا بكل بجاحة بالتهديد والوعيد.
لو كنا نعيش في بلد محترم، مثل بلدان الآخرين، وحدثت فيه مثل هذه الفضيحة، لما أصبح صباح إلا وطالع المهتمون خبر استقالة من تسببوا فيها. لكننا لم نكن نتوقع، بالطبع، من مجموعة الفشل مثل هذا النهج “المحترم”. فهم والفشل أصلاً صنوان، كما ذكرت في مقال سابق، ولذلك لا يرون في فشلهم ما يدعوهم إلى مغادرة مناصبهم.
لكنني لم أتوقع أيضاً أن تبلغ بهم البجاحة درجة تهديد كل من يأتي على سيرتهم بالشر، مع أننا لم نشهد منهم سوى الشر طوال سنوات إدارتهم للرياضة في البلد.
عموماً، لن تخيف تهديداتكم أي مواطن شريف تهمه صورة بلده، باعتباره واحداً من البلدان المؤسسة للاتحاد الأفريقي، ويرغب في أن تظهر منتخباتنا وأنديتنا بشكل مشرف. وحتى عندما تنهزم هذه المنتخبات والأندية، تكون الهزائم منطقية وناتجة عن تفوق المنافسين، لا بسبب الإهمال والتقصير الواضح والظهور الفضائحي أمام العالم.
فكفاكم مهازل و”تقل دم” ، وعليكم أن تترجلوا، أو على الأقل “تنقطونا بسكاتكم” ، وتستمروا في “التطنيش” الذي اعتدناه منكم. فتهديدكم سيزيد من غضب الجماهير منكم، ولا أظنه سيخيف صحفياً أو ناشطاً شريفاً لا تربطه بكم علاقات مشبوهة أو مصالح مشتركة.
وما زلنا في انتظار ضغط السلطات على هؤلاء الفشلة لكي يغادروا، فقد طفح الكيل ولم يعد الأمر يحتمل مزيداً من العبث؛ فما تركوا محفلاً إلا و”مرمطونا” فيه.
