صحة اللحوم في السودان.. وكيف تخلّف التعليم عن الركب
«صحة اللحوم» مادة تُدرَّس في السنة الخامسة بجامعة الخرطوم. وقد تأسس التعليم البيطري في السودان على مفهوم مهم هو الطب الوقائي؛ فحماية القطيع كانت دائمًا أهم من علاج الحيوان الفرد، ولذلك كان التركيز على منع انتشار الأمراض وحماية الثروة الحيوانية. وفي هذا الجانب كان البريطانيون محقين في الأساس الذي وضعوه للتدريب البيطري.
لكن المؤسف أن المناهج لم تتطور بالقدر الكافي لتربط علوم الطب البيطري بحياة الإنسان السوداني وصحته اليومية.
خذ مثالًا بسيطًا: أكل المرارة النيئة، أو ما يُعرف بـ«أم فتفت». ما يزال الوعي بخطورتها الصحية محدودًا للغاية، رغم أن الحيوانات قد تحمل في أمعائها أنواعًا خطيرة من البكتيريا، مثل E. coli O157:H7، التي يمكن أن تسبب الإسهال الدموي ومضاعفات خطيرة خاصة الفشل الكلوى.
في المسالخ الحديثة، توجد إجراءات دقيقة لمنع محتويات المعدة والأمعاء من تلويث الذبيحة أثناء الذبح والسلخ والتجهيز. ومن أهم هذه الإجراءات ربط المريء وإغلاقه من جهة الجهاز الهضمي، وكذلك ربط القولون عند فتحة الشرج، بحيث لا تتسرب محتويات المعدة أو الأمعاء إلى جسم الذبيحة وتلوث اللحم.
وهذا ليس مجرد إجراء شكلي؛ فمجرد تمزق المعدة أو الأمعاء وخروج محتوياتها على الذبيحة قد يؤدي إلى تلويثها بالبكتيريا الموجودة طبيعيًا في الجهاز الهضمي للحيوان. ولذلك فإن منع هذا التلوث، أو إزالة الجزء الذي تعرض له عند حدوثه، يمثل جزءًا أساسيًا من إجراءات سلامة اللحوم، ويُعامل في أنظمة سلامة الغذاء الحديثة ضمن نقاط التحكم الحرجة CCP في نظام HACCP.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات لأن بعض البكتيريا، مثل E. coli O157:H7، يمكن أن تنتقل إلى الإنسان عن طريق اللحوم الملوثة. كما أن اللحم المفروم يمثل خطورة إضافية، لأن البكتيريا الموجودة على سطح قطعة اللحم يمكن أن تنتشر إلى داخلها أثناء الفرم، ولذلك يجب طهيه جيدًا. بيد ان البرقر يفضل طهيه ( نصف استواء) بحيث لاتصل درجة الحرارة الى ٧١ درجة مئوية لقتل البكتريا فى قلب قطعة البرقر.
ولذلك، وبرغم هذه الإجراءات والرقابة، تضطر الدول الغربية إلى إعدام كميات كبيرة من اللحوم التي تتلوث بمحتويات المعدة أو الأمعاء، أو سحبها من الأسواق وإتلافها، تفاديًا لوصول البكتيريا إلى المستهلكين. ولا يقتصر أثر ذلك على الخسارة الغذائية، بل يؤدي أيضًا إلى تكاليف اقتصادية تُقدَّر بملايين الدولارات، تشمل إتلاف المنتجات، وتعقيم المنشآت، والتحقيقات، والعلاج، وتعويضات المتضررين، وتعطّل سلاسل الإنتاج والتوزيع. وهذا يوضح أن التلوث ليس مشكلة صحية فحسب، بل عبء اقتصادي كبير حتى في الدول التي تطبق إجراءات متقدمة لسلامة اللحوم.
هذه التفاصيل قد تبدو فنية، لكنها في الحقيقة تمس حياة الناس مباشرة. فكل إصابة غذائية لا تعني مجرد مرض عابر؛ بل قد تعني دخول المستشفى، وتكاليف علاج، ومعاناة إنسانية كان يمكن الوقاية منها.
وهنا يأتي السؤال الأهم: هل نُدرّس طلاب الطب البيطري علوم صحة اللحوم فقط، أم نُعلّمهم أيضًا كيف يحوّلون هذه المعرفة إلى حماية فعلية لصحة المواطن؟
الشباب السوداني اليوم يواجه مخاطر عديدة، من تلوث المياه إلى الممارسات الغذائية غير الآمنة. وبعض هذه المخاطر كان يمكن الحد منها لو انتقلت المعرفة البيطرية من قاعات المحاضرات والمسالخ إلى المجتمع، وأصبح الطبيب البيطري أكثر حضورًا في التوعية الصحية اليومية. ولا اذكر ان ان مخاطر الاى كولاى كان يشكل اولوية فى التدريب البيطرى بالحامعة!!
ربما حان الوقت لأن تتطور مناهجنا البيطرية بحيث لا يكون الطبيب البيطري حارسًا لصحة الحيوان والثروة الحيوانية فحسب، بل شريكًا أساسيًا في صحة الإنسان والبيئة وسلامة الغذاء.
فالمشكلة ليست أن العلم غير موجود، وإنما أن العلم لم يصل بعد إلى المكان الذي يحتاجه الناس أكثر: حياتهم اليومية.
ويبدو أن الغرب ظل يستفيد من تجاربه، ومن أهم ما وجّهته نقديات ما بعد الحداثة إلى الحداثة أنها، اى الحداثة، ثقافة تميل أحيانًا إلى الحشو النظري على حساب الواقع والأولويات. أما السودان، فقد ابتُلي بلفافة الحداثة الأولى، حيث يتسع الرتق بين التنظير والواقع في كل مجالات الحياة، من التعليم والسياسة إلى سائر تفاصيل الحياة اليومية. ولذلك لا تكمن أزمتنا في غياب الأفكار أو المصطلحات، بل في عجزنا عن تحويل المعرفة إلى ممارسة، والمناهج إلى حلول، والعلم إلى حماية ملموسة للناس.
طلعت محمد الطيب
