مدَّني الصديق د. حامد بشرى بنسخة من رواية د. محمد المصطفى موسى التي أصدرها بعنوان48، والتي تدور أحداثها الرئيسة، ومحورها صراع السيطرة على سوق العيش في امدرمان بين الوطنيين السودانيين والتُجَّار الاجانب، خلال فترة الاحتلال البريطاني للسودان.
أولى مُفاجآت هذه الرواية الجميلة، هو هذا الاختيار المشحون بالرمزية لسوق العيش كمسرح للصراع، كأنَّما أراد الكاتب بذلك أن يشير إلى أنّه رغم الفوارق الثقافية والمعرفية التي تميل الكِفَّة لصالح التُجّار الأجانب في مقابل السودانيين المُشتغِلين بالسوق، فإنّ جذوة المقاومة في هذا البلد ستظل مُتَّقِدة مهما تراكمت الصخور فوقها، وستهزم الأطماع الخارجية في السيطرة على موارده طال الزمن أو قصُر.
أودُّ أن اشير بِداية إلى أنّني لست ناقداً أدبيَّاً أو باحثاً مُختصَّاً في التاريخ، ولذلك ما سأسطره أدناه هو في الحقيقة الانطباع الذي تكوَّن لديَّ حول هذه الرواية، كقارئ عادي وكشخص مارس الكتابة الروائية على سبيل الهِواية.
ثلاثة أمور لفتت انتباهي في هذه الرواية، أوّلها الدرجة العالية من التشويق فيها، فهذه رواية مُحْكمة النسْج حافلة بالوقائع المُتلاحقة التي تشدُّ القارئ وتجعله يوالي تقليب صفحاتها دون مَلل. والأمر الثاني، هو نجاح الكاتب في خلق شخصيات روائية مُتميِّزة وصاخبة، تخالها من فَرْط جاذبية حضورها حيّة تسعى بين الناس. أمّا الامر الأخير، فهو براعة اللغة عند هذا الكاتب القدير الذي يُمكِن القول أنّ له لغته الخاصة التي يطوّعها بيسر ليصل بها إلى ما يريد.
لغة هذه الرواية عذبة في سلاسة واتِّساق. وعذوبة اللغة على وجه التحديد، هي ما يعدّه الكثير من قراء الأعمال الأدبية خاصة تلك المكتوبة باللغة العربية عنصراً جمالياً لا غنى عنه في الكتابة الروائية. أنظر على سبيل المثال إلى هذه الجملة الواردة على لسان رافائيل البعلبكي أكثر شخصيات الرواية حضوراً وإثارة، وهو في طريقه لمغادرة السودان بعد فشل محاولته الهيمنة على سوق العيش:
“هــا أنــا ذا أرحــل كما جئــت: عاريـًا مــن كلّ ســند، مُثــقلاً بذكائي وحــده.”
لا شكّ عندي أنّ هذه الرواية المُشوِّقة ستجد الاهتمام الذي تستحقّ. وسيتناول نُقَّاد الأدب والباحثون المختصون جوانبها المختلفة، بما فيها القضية الشائكة المتعلِّقة بتحقيق التوازن بين الوقائع التاريخية في صرامة حدوثها وفي طبيعة شخوصها، وحُرِّيّة الكاتب في تطويعها لتتماشى مع مشروع الخلق الفني لديه. و حيث إنّ هذه هي الرواية الأولى لكاتبها الشاب، فإنَّ المكتبة السودانية موعودة في قادم الأعوام بأعمال رفيعة المستوى من قلمه المُتمكِّن .
محمد حامد الحاج
melhaj@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم