لعنة إقتصاد المنشأة: إكونوميكس أوف زي فيرم .. بقلم: ناجي شريف بابكر
7 أبريل, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
27 زيارة
.
حاشية:
كنا طلابا وقتها نتلقي العلم علي أيدي أساتذة أجلاء بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة الخرطوم منهم دكتور صديق أمبدة في مبادئ الإقتصاد، ودكتور فادية هابش في إقتصاد المنشأة أو الميكرو إكونوميكس، ودكتور عبد المحسن حسن صالح في نظريات النمو الإقتصادي، ودكتور بشير عمر في الترانسبورتيشن إكونوميكس، الدكتور محمد الشيخ في الإكونوميتريكس، وآخرين متعهم الله بصحتهم وعافاهم، ورحم منهم الراحلين. كنا كطلاب منتمين للحركة الإسلامية وقتها بينما كانت البلاد في الأعوام 1983 إلي 1984 قد دخلت للتو في أزمات إقتصادية متتالية بسبب شح في الأمطار ونقص حاد في إحتياطيات الحبوب والأغذية.
.
كنا ننشط في العملية الإعلامية بالنشاط الجامعي وننتقد بعنف الإنشطة الإقتصادية لبنك فيصل الأسلامي، بالتحديد تلك التي لم تأت متوافقة والظروف الحالكة التي كانت تعانيها البلاد حينئذٍ. وقد كان أكثر تلك الأنشطة نصيبا من النقد، تمويل البنك لعمليات شراء وتخزين لكميات هائلة من الذرة، والفحم النباتي تداولتها وإستهجنتها وسائل الإعلام والصحف تلك الأيام، وكذلك دخوله في عمليات تمويل وأستيراد لمصانع للحلويات والألبان المجففة، في وقت كانت فيه المعاناة من نقص الغذاء علي أشُدِّها، مما أدي لنفوق أعداد هائلة من الثروة الحيوانية لتناقص المراعي الطبيعية والأعلاف، مصحوبا بإرتفاع مباغت في الأمراض المعدية لشح المياه مصحوبا وتردي الأوضاع الصحية، وارتفاع معدل الوفيات وسط المجتمعات الريفية الفقيرة التي كانت الضحية الأولى دون سواها، لطائلة الجفاف الذي ضرب أنحاء البلاد.
.
لذلك فقد كان من رأينا، كشريحة واسعة من الطلاب الإسلاميين، في ذلك الوقت أن بنك فيصل كبنك إسلامي ينبغي أن يتوفر على رسالة أخلاقية في المقام الأول، وقد كان الأولي به القيام بأنشطة تعمل علي إزالة المعاناة عن الناس بتسخير المتاح من إمكانياته المادية في ذلك الحين، للإطلاع بالحلول التي يمكنها أن تعجل بسد الفجوة الغذائية، بتمويل إنتاجي أو إستيراد إسعافي لمنتجات تساهم في سد الفجوة من الأغذية والحبوب والأعلاف وترتيقها، أو علي أدنى تقدير، الإمتناع عن النهوض بأنشطة طفيلية قد تفاقم من الفجوة الغذائية وتهدر العملات الصعبة على قلتها، في إستيراد آليات تصنيع لإنتاج سلع كمالية تهدف لسد إحتياجات قطاعات مدينية مترفة، كجهد المُقِلِّ وجحودِهِ، في وقتٍ ضربت فيه طائلة الجوع مجتمعات وقطعان بأكملها، وأدت لحالات نزوح سكاني كبير مازالت آثاره الديموغرافية ومآسيه محسوسة في من تعلق بأسباب الحياة من النازحين (أو الشحاطيط) بالمجتمعات المجاورة للنيل.
مما فاقم ذلك الشعور بالخذلان والغبن إطلاع منظمات غربية وكنسية، على رأسها المعونة الأمريكية من ضمن آخرين، وبحضور شخصي لنائب الرئيس الأمريكي وقتها بوش الأب، في تنزيل برامج إنسانيةٍ مكثفة لتوفير الأغذية والوجبات السريعة والعلاج والمحاليل الوريدية، وتوفير الخيام ومراكز الإيواء للمجتمعات الأكثر تأثرا بطائلة نقص الغذاء وتراجع المراعي، حتي ولدت النساء تلك الأيام مواليدا حُمِّلُوا أسماءٌ لمانحيهم من المحسنين، فقد كثُر وقتها إسم ريغان بين الأطفال حديثي الولادة في دارفور.
.
لمجابهة تلك الحملة الإعلامية القاسية التي أنتظمت الصحف الحائطية والندوات وأركان النقاش بجامعة الخرطوم في ذلك الحين، أرسل البنك وقتها الدكتور إبراهيم عبيد الله لمخاطبة منتدي تفاكري عن تجربة الصيرفة الإسلامية بدار إتحاد الطلاب كان ينظمه الطلاب الإسلاميون. حاول فيه الراحل مستميتا إعادة تجميل صورة الصيرفة الإسلامية التي تمثلت وقتها في مؤسسة واحدة هي بنك فيصل الإسلامي، لكن الدكتور الراحل لم تكلل مساعيه بالنجاح، وقد عاد متبرما وساخطا حتى أنه قال لمرافقيه لقد كان الأولى بكم إخطاري أنكم تنوون إقحامي في مواجهة عصاباتٍ لطلاب يساريين معادين للتجربة ولتوجهات الحركة الإسلامية.. كان ذلك قبل أكثر من ثلاث عقود من الزمان، يبدو أنها لم تكن كافية في أن تحدث من التغيير ما كان كافيا لتفريخِ صيغٍ وتقنيات مالية تساند العملية الإنتاجية الفعلية علي حساب الأشواق المدينية المترفة وغير البناءة، وأن تكون أكثر من سواها إلتصاقا بقضايا العوام وهمومهم، وإغاثة الملهوفين والتصدي عنهم .
.
.
النص:
إن البنوك الإسلامية في السودان ومن خلال تجربتها الطويلة في البلاد لا بد أنها قد حققت من الإيجابيات الكثير، لكنها في نفس الوقت قد تسببت من منظوري المحدود، في المساهمة في تراجع الأداء الإقتصادي في البلاد خلال العقود الثلاث التي دانت فيها البلاد لحكم دولة الإنقاذ، وذلك لعدة ذرائع وأسباب، أورد منها إشكالات ثلاث علي سبيل المثال لا الحصر:
.
المشكل التقني:
ساهم تعميم صيغ الصيرفة الإسلامية كصيغٍ مانعة في عزل مقدار كبير من مدخرات الجمهور عن دورها الريادي في إحداث النهضة الإقتصادية المنشودة من خلال إبطال فاعلية التوظيف التلقائي للقروض الإستثمارية التي تحدث عبر ميكانيزم التفاضل في سعر الفائدة.. والإستعاضة بدلاعن ذلك بصيغة مصمتة وغير ديناميكية لا تعتمد على الأداء التلقائي لميكانيزم الأسعار ودينماكية العرض والطلب وتفاعلهما.. إنما تعتمد على القرار الإداري المعزول لكل مداولة على حدة، هي “صيغة المرابحة” والتي صارت تسيطر على اكثر من 60 بالمائة من حجم التمويل الممنوح من نافذة المصارف حسب ظاهر تقارير بنك السودان السنوية.
إن حصص تخصيص الأسقف التمويلية رأسيا عبر القطاعات المختلفة من زراعة ورعي وصناعة ونقل وتخزين، حسب أولويات مشرعي القرار الإقتصادي، وأفقيا وفق صيغ التمويل المجازة من خلال تقدير المخاطر والتدفقات النقدية لديهم. يتم تحديدها في إجتماع سنوي ببنك السودان وفق مشاورات يجريها البنك مع الغرف التجارية والصناعية والزراعية، ووفق تقديرات اللجان المعنية، ويطبع كل ذلك في شكل منشور لتنظيم السياسة التمويلية، يظل سارياً وملزما للمصارف حتي مشارف العام التالي. ومن الطبيعي أن يحرم مثل ذلك الإجراء العملية الإقتصادية من المرونة المتمثلة في الإستجابة المواقتة والفورية للمتغيرات الدقيقة والطارئة في معطيات وبدائل الإستثمار، وما يحدث من فجوات وفوائض في التمويل ما بين القطاعات هنا وهناك، وفقا لتفاعل عوامل العرض والطلب، كشفراتٍ كان يمكن أن يعبر عنها سعر الفائدة بصفة تلقائية وبوجه إدق وأكثر فعالية. تتعدل بمفعول تلك الشفرات جرعات التمويل فيما بين القطاعات الأكثر إلحاحا بصورة آلية ولحظية.
.
المشكل العشائري:
إن إعادة توجيه الكتلة النقدية وتخصيصها وفق ضوابط تحكمها مؤشرات سياسية وأمنية، إعتمدت على تصنيف الناس والوحدات الإقتصادية الفاعلة وفق ما تتقاسمه مع صناع القرار من المفاهيم العقائدية، ووفقا لقربها وبعدها، أيا كان ذلك البعد إثنيا أو فئويا أو عشائريا لا يهم، عن المكون السياسي المتحكم.. مفاهيم لا أساس لها من المنطق، ولا تتطابق في العادة مع مضامين سياسة الإقراض علي مستواها النظري، التي تستوجبها المصلحة العامة لكامل الإقتصاد السوداني بمجاميعه ومكوناته، بانتماءاته العقدية والسياسية المتبائنة، ومواعينه الإنتاجية هائلة السعة.
.
المشكل المفاهيمي:
رفدت منظومة المصارف الإسلامية الجهاز التنفيذي بكوادر وعقليات من الوزراء ومدراء الشركات العامة والمصالح الإستراتيجية.. فمن واحدٍ من بين تلك المصارف على سبيل المثال، حدث أن تقلد ثلاثة من الإداريين فيها، وزارات إتحادية بالغة الأهمية كالمالية.. والدفاع.. والطاقة.. منهم من طاب له المقام فبقيَ مستوزرا لا يغادرها قيد أنملة، ومنهم من لبث فيها بضع سنين.
.
مسؤولون ووزراء ربما غاب عنهم، لطبيعة عملهم كمصرفيين، أو لأنهم قد غضوا الطرف متعمدين، التفريق والمفاضلة ما بين مقتضيات وأولويات إدارة الإقتصاد الكلي، المتعلقة بإدارة المتغيرات الجمعية والتراكمية للإقتصاد الوطني، كترميم الطلب الكلي وسعر الصرف، وسياسة الإقراض وإدارة الكتلة النقدية، ميزان المدفوعات، معدلات العطالة وإدارة التضخم والنمو الكلي.
.
مقتضيات وهواجس تختلف نوعا عن تلك المقتضيات التي تميز إقتصاد المنشأة التي تقتصر في غالبها على إدارة منحنى الإنتاج للمؤسسة، والتحكم من خلاله في إدارة تكلفة مدخلات العملية الإنتاجية، بما فيها تقليص العمالة وبالتالي التكلفة الحدية للوحدة المنتجة. وتوسيع البرودكت ميكس والبرودكت رينش.. كل ذلك سعيا من كادرها الإداري، لتعظيم العائد الصافي على الإستثمار وحقوق المساهمين.. دون الإنشغال بانعكاسات قراراتهم في إدارة المنشأة لتعظيم أرباحها، من خلال القتر في توظيف المدخلات ومخصصات العمالة، على متغيرات الأداء العام للإقتصاد الكلي كمؤشر العطالة، والبيئة وحماية المستهلكين والرفاه الإجتماعي.
.
قد يتجسد ذلك الخلل في إطلاعك بإدارة كامل اقتصاد البلاد من خلال إنتهاج مفاهيم تقييمية ضيقة حرجة كقوائم الأرباح والخسائر والتدفقات النقدية.. والاستسلام لأفكار إقصائية فطيرة، تتمثل في احتكار كامل النشاط الإقتصادي في بضع شركات موالية عملاقة لجني الارباح والتنفع والإستئثار الطائفي.. بينما يغيب عنك النظر لمؤشرات تتحكم بالأداء الكلي. كمعدلات التوظيف والعطالة في الأصول والموارد البشرية.. ويغيب عنك في نفس الوقت أهمية عدم المساس بل المحافظة على أنشطة ومداخيل الجمهور والعوام من الناس لأنها تمثل العظم الفقري للطلب الفعّال الكلي الذي تدور بقوة دفعه التراكمية عجلة الإقتصاد في البلاد.
.
لكن الطريقة التي اتبعوها في إدارة الإقتصاد بمن فيهم الاستاذ العالم عبد الرحيم حمدي أعدمت المشاريع العملاقة كالجزيرة وهيئة جبال النوبة، والهيئة السودانية للإتصالات والسكك الحديد والخطوط البحرية مبررين لذلك من خلال العجز الذي كانوا يرونه في قوائم الأرباح والخسائر لتلك المشاريع..
.
كأن القائمين على الأمر قد فات عليهم العمل بمعيار السوشال كوست بينيفت أناليسيس كوسيلة فنية لتقييم الجدوى الإجتماعية والإقتصادية للمشروعات، وسيلة تقييم مقارن متعارف عليها في كل بيوت التمويل الإقليمية العالمية بما فيها البنك الدولي .. معيار كان يمكن من خلاله التعرف على حجم المنافع الجبارة التي كانت تجنيها مجتمعات وأقاليم بكاملها من وراء دوران ماكينات هذه المشاريع..ناهيك عن الدور البيئي لتلك المشاريع في المحافظة على الغطاء الأخضر والآكوسيستم، وعلي التوازن الديموغرافي، وان الانفاق الذي كانت تحدثه مداخيل مئات الآلاف من الأسر التي كانت ترتبط بتلك الأنشطة، قد كان يرفد عجلات الإقتصاد الكلي بجهد كمي ونوعي لا يمكن تجاهله..
.
نموذج لمردود تراجع الثروات الريفية:
في أعقاب حظر كانت قد أعلنته المملكة العربية السعودية على صادرات السودان والصومال وإثيوبيا من اللحوم الحية والمذبوحة إثر رواج حمى الوادي المتصدع في الدول الثلاث، خلال العقد الأول بعد الألفية الثانية.. نشر موقع صندوق النقد الدولي دراسة أكاديمية هدفت لتشخيص التباطؤ والتراجع في الطلب الكلى ومستويات الفقر الذي كان قد أحدثه ذلك الحظر. أوضحت الدراسة أن الإعلان قد أدي لتراجع الأسعار الخارجية لصادرات اللحوم السودانية.. وبالتالي تراجع مداخيل وثروات الرعاة والقطاعات الريفية، ذي أقريريان إكونوميز..
.
تمخض ذلك كله عن أثر مباشر يعزي للاعلان كعامل خارجي (إكستيرنال فاكتور) هو تضاؤل الدخول القابلة للإنفاق وسط القطاعات الريفية لانخفاض مداخيل الصادر من الثروة الحيوانية، ومردود ذلك في إحداث انخفاض نسبي في الطلب الكلي علي السلع والخدمات على مستوى البلاد.. وأثر آخر غير مباشر داخلي (إندوجينوس فاكتور) سعت الورقة لإثباته تمثل في الأثر الثانوي الذي خلفه التضاؤل الناتج في الطلب الكلي بالإقتصاد، في الضغط من جديد على أسعار المعروض من اللحوم بالأسواق الداخلية.. والذي أحدث كرة أخرى وتراجع جديد في الدخول الريفية القابلة للإنفاق.
.
تعرضت هنا لهذه الدراسة من أجل توضيح الأثر التراكمي الذي يمكن أن يحدثه تراجع دخول العوام على الإقتصاد الكلي.. لأي سبب كان ذلك التراجع. فلا ينبغي لنا ان نتصور ان يظل الاقتصاد الكلي والمديني معزولا ومعافي في ظل تراجع مداخيل المجتمعات الريفية وتآكل ثرواتها.
.
الكلي في مقابل الجزئي:
خلط كبير كان يحدث في مفاهيم القائمين علي الأمر في التداخل ما بين الكلي والجزئي كان ذلك واضحا حينما قاموا يوما بمغامرة إحتكار صادر الثروة الحيوانية لنافذة واحدة كقرار أصاب القطاع في مقتل لم يكتمل تعافيه من آثاره حتي اللحظة.. وفي قيامهم بتغيير مسارات النقل البري كسياسة تهدف لتخفيض فاتورة الترحيل، عبر شق طرق أسفلت مباشرة تربط العاصمة بميناء التصدير، دون الإنتباه لتعويض الفاقد الإقتصادي المفاجئ الذي يحدثه تحول كهذا في إقتصاديات الأرياف التي سينطوي عنها الطريق.. ربما كانت الفتنة الدموية التي اندلعت فيما بين الفلاتة والبني عامر في القضارف وأريافها في إعقاب إفتتاح طريق عطبرة بورتسودان، مثال ساطع وقاتم في نفس اللحظة، للمضاعفات التي قد يحدثها إختلاط المفاهيم، ما بين الكلي والجزئي في العقلية الإقتصادية لمتخذي القرار.
.
المصارف الإسلامية في السودان خلقت إقتصادا مقعدا تبرز فيه مستويات ثراء فردي، عشائريّ أو طائفيٍّ فاحش ومتفاوت بصورة مخلة، ونمو غير مواتي لقطاعات بعينها دون سواها.. بينما انتشرت وتداعت دلائل الفقر والفاقة في كامل المجتمعات الريفية ومجتمعات الهامش.. أصيب الاقتصاد بالشلل الكامل وانعدم التكامل والإنسجام فيما بين دوائره وحلقاته المختلفة. بقيت بعض شركات ومؤسسات خدمية على قيد الحياة، مازالت مولداتها تدور هنا وهناك، في اماكن متفرقة ومعزولة عن بعضها، من المدينة التي اصبحت كمقبرة كبيرةٍ للمتسولين.
.
يأتيك من بعد كل ذلك من يكيل باللوم على المجتمع السوداني الذي أصبح في نظرهم عاجز وغير منتج.. وعاطل عن التطلعات والمواهب.
.
إنتهى..
_____________________________
أرفق فيما يلي الرابط للدراسة التي نشرها موقع صندوق النقد الدولي لرودني رامشاران..
Money, Meat and Inflation, Rodney Ramcharan
https://www.imf.org/en/Publications/WP/Issues/2016/12/30/Money-Meat-and-Inflation-Using-Price-Data-to-Understand-An-Export-Shock-in-Sudan-15701
كما ألفت نظر الأصدقاء لورقة لي كتبتها في هذا الصدد.. في وقت سابق بالمدونة
http://nagibabiker.blogspot.com/2017/01/blog-post.html
nagibabiker@gmail.com
///////////////////