kgizouli@gmail.com
الجَّمع الكريم،
أحييكم، وأشكر رابطة الدِّبلوماسيين التي دعتني للتَّحدُّث في هذه المناسبة العزيزة، فأتاحت لي فرصة مشاطرتكم هذه الخواطر الشَّخصيَّة عن أبرز السِّمات المائزة لصلاح وشعره، حيث أرتِّبها في سبعة محاور على النَّحو الآتي:
(1) التلقائيَّة الآسرة:
وهي أحد أهمِّ مصادر عذوبته، رغم تداخلها، في غالب نصوصه، مع الكثير من القضايا الفكريَّة والسِّياسيَّة. فرغم الحضور الطاغي لمشاكل السُّودان، وأفريقيا، والإشتراكيَّة، والقهر الطبقي، والسُّود والملوَّنين، والاستعمارين القديم والجَّديد، وغيرها من قضايا ما بعد الاستعمار الفكريَّة والسِّياسيَّة، فإن “تلقائيَّة” صلاح الشِّعريَّة لا تتلاشى، قط، ولا حتَّى تبهت. لكن، لئن احتفت المدرسة النَّقديَّة العربيَّة، دائماً، بـ “لحظة الانفعال الخاطفة” التي تغيِّب “الوعي”، كخاصيَّة أصيلة للشِّعر، فثمَّة تناقض قد يلوح، هنا، بين “تمكُّث” الحضور الفكري والسِّياسي، وبين “خطف” لحظة “الانفعال” الشِّعريَّ. غير أنه تناقض مظهري، كون القصيدة لا تنزلق، البتَّة، من بين أصابع شاعر كصلاح، لا حدود لطاقة “الشِّعريَّة poetique – poesee” لديه على العبور بـ “انفعاله الخاطف” إلى تخوم انشغالاته الفكريَّة والسِّياسيَّة، مِمَّا يعصمه من التَّخليط بين “عاطفيَّة الشِّعر” و”عقلانيَّة الفلسفة”، على شرط حازم القرطاجنِّي، في “منهاج البُلغاء وسراج الأدباء”، حول “التَّخييل” في الشِّعر وحده لجهة إحداث “الانبساط” أو “الانقباض”، وتمييز تزفيتان تيودوروف بين المفهومين، حيث قرن “الشِّعريَّة” بـ “نظريَّة الأدب”وحده، محيلاً إيَّاها إلى أرسطو في “فن الشِّعر” قبل 1500 سنة، كأول كتاب خُصِّص بكامله لهذه النَّظريَّة مشبَّهاً إيَّاها بـ “إنسان خرج من بطن أمِّه بشوارب يتخللها المشيب”!
(2) الواقعيَّة والرُّومانسيَّة:
تغلب على أعمال صلاح سمات الواقعيَّة الاشتراكيَّة، خصوصاً لجهة المضامين التي يشتغل عليها. لكنه لا يستنكف أن تتمازج، أو تتجاور معها مختلف أساليب “الغنائيَّة” كجنس شعري ينتمي في غالبه إلى المدرسة الرُّومانسيَّة، على غرار نيرودا ولوركا وناظم حكمت مثلاً. فقد تلبس القصيدة عنده لغة الأغنية العاطفيَّة، أو الوطنيَّة، أو المتأمِّلة، أو المادحة، أو الراثية، أو الهاجية، إمَّا بأسلوب السَّرد تعبيراً عن مشاعره إزاء حدث ما، أو بأسلوب التَّماهي بين ذاته وموضوعه، أو بأسلوب الكشف عن عوالمه الباطنيَّة، سواء بضمير المتكلم أو الغائب، مفرداً كان أو جمعاً. وقد تتَّخذ قصيدته شكل المطوَّلات، أو شكل السُّوناتات القصيرة. ضف إلى ذلك شغفه بالتَّجريب، حيث قد تتخذ قصيدته إهاب الدُّوبيت أو النَّم، لجهة الوزن، والبناء المعماري، وتواتر القوافي الدَّاخليَّة مع الحفاظ على القافية الرَّئيسة، بل وقد تأخذ، دون أدنى وجل، حتَّى من الهايكو الياباني! ولصلاح، في الإطار، نظرٌ في القرآن الكريم، والملاحم البطوليَّة، والمونولوج الشَّعبي، والشِّعر الإنجليزي، وأغنيات الأحاجي، والحكايات الشِّعريَّة، وغيرها.
(3) عدم الخوف من اللغة:
شغُف صلاح، أيضاً، بالجرأة في التَّراكيب، وعدم الخوف من اللغة، حتَّى لدى رسم صورة قد تكون سالبة عن المحبوب، ومع ذلك يجليها كتعبير عن ولعه وتشبُّبه بهذا المحبوب: “ما شين ودشن/ وهبوبو سوافي/ وحر سيَّافي/ وتسألني عن الحبَّك فيهو/ ما الحب في ذاتو مبرِّر كافي”! كما شغف، إلى ذلك، بمزج الفصحى بروح العامِّيَّة، متأسِّياً بشعر المدائح والحقيبة: “وأخي عثمانْ/ في الظلمةِ حينَ نشدُّ غطاءْ/ ونحسُّ بدغدغةٍ للنُّومِ وثقلٍ في الأجفانْ/ يتمطَّى، ثمَّ يقولُ بصوتٍ منخفضٍ أسيانْ/ وا شوقي يا محمودُ إلى ليلِ السُّودانْ/ والنَّجمُ، كأنَّ النَّجمَ هناكَ سوى هذا، فهناكَ لهُ لمعانْ/ والجَّلسةُ تحتَ شعاعِ البدرِ على رملِ الكثبانْ/ نتسمَّعُ صوتَ الصِّبيةِ، من بُعدٍ، أينَ شِليلْ/ وكلابُ الحيِّ تهوهوُ في أشباحِ الليلْ/ والدِّلكةُ يا محمودْ/ الدِّلكةُ فوقَ سريري الباردِ قدَّامَ الدِّيوانْ/ والقهوةُ في الظلِّ الشَّاتي، الفنجانُ ورا الفنجانْ”! وأجزم أن شعراء كثر تمنُّوا لو كانوا كتبوا تلك القصيدة! ولا يفوتنا أن نشدِّد على توقيره العالي لمقدَّسات الشَّعوب السُّودانيَّة كافَّة، وثقافاتها، ولغاتها، وتقاليدها، خصوصاً لدى قومه مستعربي الوسط والشَّمال النِّيلي الذين أطلق بعض أهمِّ إنشاده بعاميَّتهم.
(4) أغراض الشِّعر عنده:
وتراوحت موضوعات صلاح بين أغراض الشِّعر العربي الكلاسيكيَّة، كالمدح، والهجاء، والعشق الأنثوي الخالص، وبين أغراضه الحداثيَّة، كالانحياز الطبقي للمساكين، والمقهورين، ولقضايا التَّحرُّر العربيَّة، والأفريقيَّة، وما إليها. وفي القضايا الأفريقيَّة، بالذَّات، ذمَّ صلاح الاستعمار، قديمه وجديده، كما ذمَّ العنصريَّة، ولم يكتف بمدح بطولات لومومبا، ومناضلي الجَّنوب الأفريقي، وذمِّ خيانات تشومبي وموبوتو، بل وأنشد لإنسان أفريقيا الصَّغير، كقصيدته “الحاجَّة” التي هي من نماذجه الأفريقانيَّة المعلاة heightened، متَّفقاً، على هذا الصَّعيد، مع صديقه القاص علي المك.
وتحضرنا هنا قصة خلافه مع جماعة “الغابة والصَّحراء”، خصوصاً مع النُّور عثمان أبَّكر. فعندما احتجَّ الأخير على طمس السِّياسات الثَّقافيَّة الرَّسميَّة لهويَّته غير العربيَّة، مطلقاً زئيره الشَّهير: “لست عربياً ولكن!”، كشَّر صلاح في وجهه: “بل نحن عرب العرب!” مع أن صلاحاً نفسه هو، في التَّقويم النِّهائي، من كبار المنتمين، عمليَّاً، لتيَّار “الغابة والصَّحراء” وإن لم يقر بذلك نظـريَّاً! لكنه عاد، بآخـرة، ليعترف لعبد الله بولا، حين سأله، وهو يحاوره، عمَّن يكون، فقال: “أنا الهجين عنترة”!
(5) القصيدة كائن حي ـ جورنيكا نموذجاً:
أ/ نصُّ صلاح كائن حي، كالطفل، يهدهده، ويناغيه، ويلاعـبه، حتَّى يكـبر فيتركه وشأنه! متى؟! الله وحده يعلم! تلك مسألة يقرِّرها العقل الباطن للشَّاعر وحده!
ب/ ولنأخذ قصيدة “جورنيكا” العجيبة نموذجاً، رغم أنها ليست من المشهورات، بل إن الكثيرين لا يعرفونها حتَّى. وعندما أُودِعتُ “بيت الأشباح” لأوَّل مرَّة، مطالع تسعينات القرن الماضي، قرَّ عندي أن صلاحاً لا بُدَّ مرَّ من هنا: “هنا خلفَ كلِّ جدارٍ عذابٌ جديدْ/ أطفالٌ بأسنانِ اللبنِ/ مثبَّتينَ من أطرافِهمْ على ألواحٍ/ تُشَقُّ صدورهمْ/ لتُجفَّفَ قلوبهمْ الرَّطبةُ كالتِّينِ على الحصائرْ/ حبيبانِ بأقمصةِ الختان في الجَّبيرةِ والضَّريرةِ/ معلقينَ من أرجلِهمْ على خطاطيفَ” .. الخ!
ج/ الشَّاهد أن “جورنيكا” يوم كانت “طفلة” لم تشبَّ عن الطَّوق، بعد، في نظر صلاح، أعاد صياغتها أكثر من مرَّة، ثلاثاً على الأقل، مرَّة في “غضبة الهبباي”، ومرََّّة في “مختارات” علي المك، ومرَّة في “مهرجان المربد الشِّعري 1970م”، لكنَّ كلَّ تلك المرَّات كانت سابقة على عصر “بيوت الأشباح”، ما يعني أنه صوَّرها قبل أن يُشتهر خبرها!
(6) إحتفاؤه بشباب الشُّعراء:
كان حفيَّاً بهم، متابعاً لنتاجاتهم، التَّقدُّميِّين منهم بالذَّات، ومع ذلك لم يكن لينزلق إلى مجاملتهم على حساب صدق النُّصح لهم. نذكر كلمة ترحيبه الباذخة بعلي عبد القيوم، في جريدة “الصَّحافة”، تحت عنوان هاشٍّ باشٍّ، وعليٌّ، بعدُ، ابن إحدى وعشرين سنة، فكتب صلاح يقول: “ليس هذا بنقد .. إنَّما تقديم، والشَّاعر الحقُّ لا يقدِّمـه غيـر شـعره، أو إرهاصـات تلك الشَّـاعريَّة”. ولقد روى عبـد الله ود البيه أنه سمع صلاحاً يقول، ذات مرَّة، لجمع من أصدقاء علي، ببهو أحد فنادق الدَّوحة: ما تمنَّيت شيئاً، قط، قدر أن ينساب الشِّعر عندي بذات التِّلقائيَّة التي ينساب بها عند علي عبد القيوم.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم