شارع فكتوريا (1) .. بقلم: د. مصطفى أحمد علي/ الخرطوم
اختفت بوابة محطة الخرطوم، كما اختفت ملامح المحطة بأكملها، إلا من قضبان تعوق سير السيارات وتزيد من وطأة الزحام المقيم. القبَتان في مدخل الشارع عن يمين وشمال، والحيطان المؤلفة من الحجر الجيري، انزوت وراء الزحام والفوضى، فوضى أجهزة المكيفات التي نصبت كيفما اتَفق، تنتهك حرمة الجمال وتسخر من ملكة الذوق التي تنمو هونا ماً في الوجدان ثم يجور عليها الزمان؛ فوضى القمامة التي تحيط بالمكان عن يمين وشمال، تصهرها الشمس، بكل مكوَناتها، وتلفحها السموم، فتوحد عناصرها، وتذروها الرياح وتنثرها ذرات في الأرجاء، تتخلَل المنافذ وتطغى على الأرصفة وتهيمن بلونها الأغبر على المشهد كلَه، وإلى الابد: خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد!! ؛ فوضى بائعات الشاي والمتحلقين حولهنَ من جيوش العاطلين النازحين المهاجرين من أصقاع السودان وأقاصي القارَة، بأسمالهم الرثَة وآمالهم الموءودة وخواطرهم الكسيرة؛ فوضى العدوان على الدور الصغيرة المتَصلة على يمين الشارع، زحفت عليها العمارات الأسمنتية الجائرة، وهل “العمران” في بعض مظاهره إلا عدوان على جمال المكان؟ تخيل حديقة (لكسمبورج) وقد قطعت اشجارها وروَعت بلابلها وأطيارها، وصوَحت أنوارها وأزهارها وأزيلت من موقعها، وأقيم مكانها مدينة من الابراج على غرار (لا ديفانس) و(مانهاتن)؛ وأن عدوى الابراج العالية والعمارات الشاهقة امتدت على جانبي (سان ميشيل) و(سان جيرمان)؛ وأن المقاهي والمطاعم العتيقة والمكتبات والخزانات الأنيقة، والشوارع الداخلية المتعرَجة الضيَقة الساحرة، والنوافير والفسقيات النابضة، اختفت وتحولت إلى “مولات” أمريكية مكيفة الهواء، واسعة الأرجاء، تنبعث منها روائح “الكنتاكي” و”الماكدونالدز”.
لا توجد تعليقات
